دمشق من سفوحها وأحيائها العتيقة… قراءةٌ في الحضور الكُرديّ

تكبير الصورة

الافتتاحية*

مجلة الحوار – العدد /85/ – السنة 33 – 2026م

يمكن أن تُقرأ دمشق من قلبها النابض، من الجامع الأمويّ وأسواقها العتيقة وبيوتها المفتوحة على أفنيتها، كما يمكن أن تُقرأ من أطرافها وسفوحها، من الأحياء التي نشأت تحت ظلّ جبل قاسيون، وحملت إلى المدينة وجوهاً وذاكراتٍ ولغاتٍ مختلفة، واندمجت في نسيجها وصارت جزءاً من حكايتها. ومن هذا المدخل ينهض هذا الملف، متوقّفاً عند الحضور الكُرديّ في دمشق بوصفه واحداً من مكوّناتها الأصيلة؛ حضوراً لم ينحصر في دورٍ عسكريّ أو سياسيّ منفصل، بل امتدّ في العمارة والعلم والتصوّف والوجاهة والحياة اليوميّة، وترك أثره في المكان والذاكرة معاً.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

يسعى هذا الملف الذي نقدّمه للقرّاء في هذا العدد إلى إعادة النظر في هذا الحضور من زواياه المتعدّدة؛ فهو لا ينظر إلى كُرد دمشق بوصفهم جماعةً عاشت على هامش المدينة، ولا اسماً يُستدعى عند الحديث عن العصر الأيوبيّ وحده، بل بوصفهم مكوّناً شارك، عبر عصورٍ متعاقبة، في صياغة ملامح دمشق الاجتماعيّة والعمرانيّة والروحيّة والسياسيّة.

تقودنا بعض موادّ الملف إلى العصر الأيوبيّ، حيث لم يقتصر دور الكُرد على الحكم وقيادة الجيوش، بل رافقه نشاطٌ عمرانيّ وعلميّ وخيريّ واسع أسهم في إعادة تشكيل الفضاء الحضريّ لدمشق. فقد كان إسهام الكُرد القَيمريّين بارزاً منذ تلك الحقبة التي خلّفت معالمَ كحيّ القيمريّة الشهير في قلب دمشق التاريخيّ بجانب الجامع الأمويّ، ومدارسَ ومساجدَ وأوقافاً ومؤسّساتٍ طبيّة، من أبرزها بيمارستان القَيمُري، بما يكشف أنّ ما ميّز ذلك العصر لم يكن السلطة وحدها، بل ما ارتبط بها من رعايةٍ للعلم والعمارة والوقف. ولا يكتمل هذا المشهد من دون التوقّف عند أدوار نساءٍ من الأسرة الأيوبيّة، كستّ الشام أخت صلاح الدين، ممّن أسهمن في دعم المدارس ومجالس العلم والمؤسّسات الخيريّة، بما يجعل تلك الحقبة زمناً لإعادة تشكيل دمشق علميّاً وعمرانيّاً، لا مجرّد مرحلةٍ في تداول الحكم.

ومن العمارة ينتقل الملف إلى المكان بوصفه وثيقةً حيّة، متتبّعاً نشأة حيّ الأكراد، على أطراف دمشق الشماليّة وسفوح قاسيون. فالحيّ هنا لا يُقرأ بوصفه تجمّعاً إثنيّاً معزولاً، بل فضاءً تتجلّى فيه علاقة الهويّة بالمكان، وعلاقة الجماعة بالمدينة، وكيف اندمج سكّانه في الكيان الدمشقيّ سياسيّاً واجتماعيّاً من دون أن يفقدوا خصوصيّتهم. وفي زمن الانتداب الفرنسيّ، غدا الحيّ مسرحاً لتفاعلاتٍ سياسيّة وثقافيّة متشابكة؛ ففيه نشأ فرعٌ لجمعيّة خويبون، ومن فضائه صدرت مجلّة «هاوار» التي كان لها أثرٌ بارز في الثقافة الكُرديّة الحديثة، وفيه أيضاً برزت مساراتٌ تنظيميّة وفكريّة متعدّدة ومركّبة، ومتعارضة أحياناً. ومن خلال هذا الحيّ تبدو دمشق مدينةً تتشكّل هويّتها بالتعدّد والجوار والتكيّف، لا بهويّةٍ واحدةٍ صلبةٍ ومغلقة.

وعبر هذه التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة، يتوقّف الملف عند فئة الأعيان الكُرد الذين تحرّكوا بين الزعامة المحليّة والمناصب الإداريّة والتأثير السياسيّ. وتبرز في هذا السياق شخصيّاتٌ مثل شمدين آغا، وعبد الرحمن باشا اليوسف، وعلي آغا زلفو؛ لا بوصفهم رموزاً عائليّة فحسب، بل مفاتيحَ لفهم تبدّلات السلطة والمكانة بين أواخر العهد العثمانيّ وبدايات الانتداب. وهم لا يمثّلون موقفاً واحداً أو تجربةً متماثلة، بل أطواراً متعاقبة من تاريخ الوجاهة الكُرديّة الدمشقيّة: من زعامةٍ محليّة ذات طابعٍ أمنيّ واجتماعيّ، إلى حضورٍ عثمانيّ واسع النفوذ، ثمّ إلى طورٍ لاحق تداخل فيه بدايات الشعور الوطنيّ السوريّ مع الوعي القوميّ الكُرديّ.

ولا يمكن الحديث عن هذا الحضور من دون التوقّف عند أبعاده الروحيّة والعلميّة. فقد مثّل وصول الشيخ خالد الشهرزوريّ النقشبنديّ إلى دمشق في القرن التاسع عشر نقطةَ تحوّلٍ في تاريخ التصوّف والعلم في المدينة، إذ اجتمعت حوله حلقاتٌ من العلماء والطلّاب والنخب المحليّة، وانتشر أثر الطريقة النقشبنديّة-الخالديّة في أوساطٍ واسعة، وتواصلت سلسلتها لاحقاً. ومن هذا المنطلق تظهر دمشق عقدةً في شبكةٍ روحيّة وثقافيّة أوسع، تربطها بكردستان وبغداد والقدس وإسطنبول، وتكشف أنّ الحضور الكُرديّ لم يقتصر على الجوانب السياسيّة والعسكريّة، بل امتدّ ليشمل بنية العلم والتديّن والتصوّف والمكانة الدينيّة.

هذا الملف، بما يضمّه من أبحاثٍ وترجماتٍ ومقالات، يسعى إلى فهم آليّات التجاور والاندماج وتحوّلات الهويّة في مدينةٍ كبرى عرفت كيف تستوعب التعدّد وتعيد تشكيله في ذاكرتها. وهو، في صورته الحاليّة، خطوةٌ أولى في مسارٍ نأمل في توسيعه. ففي الأعداد القادمة نواصل هذه القراءة من زاويةٍ موازية، تركّز على الإسهامات الفنيّة والثقافيّة لكُرد دمشق، وعلى أعلامٍ كُردٍ من سوريا وسواها ارتبط حضورهم بدمشق في ميادين الحراك السياسيّ والإبداع والمعرفة.

ومن هنا، ندعو الباحثين والكتّاب والمهتمّين إلى المشاركة في هذه المحاور المتّصلة بتاريخ كُرد دمشق وذاكرتهم وحضورهم في المدينة. فالحديث عنهم ليس شأناً يخصّ جماعةً محدّدة وحدها، بل هو جزءٌ من سؤالٍ أوسع حول دمشق المدينة والذاكرة السوريّة، وقدرة الثقافة على وصل ما فرّقته الروايات الضيّقة أو تجاهلته الكتابة العامّة.

*أسرة التحرير

× Zoomed Image
Scroll to Top