لزكين إبراهيم – باحث في مركز الفرات للدراسات
تعيش السلطة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، مفارقة واضحة بين خطابها السياسي الذي يَعِد بعودة سوريا إلى محيطها الإقليمي، والانفتاح على الاستثمارات والأسواق العالمية، وبين واقع اقتصادي ومعيشي يزداد بؤساً. فرغم أنّ الحديث عن إعادة الإعمار، والانفتاح الأوروبي، ورفع عقوبات قيصر، والجولات الخليجية، والدعم التركي والقطري والسعودي، كلّها صنعت صورة إعلامية توحي بأن البلاد تقف على عتبة انتقال اقتصادي كبير. إلّا أنّ الوقائع الميدانية تكشف أنّ التحسن لم يلامس حياة السوريين اليومية، والوعود الخارجية لم تتحول إلى تدفقات مالية كافية، والثقة الدولية والإقليمية لا تزال مشروطة بالأمن، والحوكمة، والتمثيل السياسي، والقدرة على إدارة دولة، لا مجرد إدارة سلطة. وهذا يحيلنا لطرح سؤال جوهري؛ لماذا لم يتحول رفع العقوبات والانفتاح السياسي إلى تحسن في الواقع الاقتصادي، وما هي الأسباب الداخلية والخارجية لتوقف العجلة الاقتصادية في سوريا؟
أزمة سلطة أم أزمة موارد
بعد مرور قرابة العام والنصف على سقوط نظام الأسد، ورغم رفع عقوبات قيصر وتوقع المراقبين أن يُنعش كل ذلك الاقتصاد السوري، إلا أنه حصل العكس تماماً، إذ تعاملت الحكومة مع الاقتصاد السوري باعتباره ملفاً يمكن إنعاشه عبر الاعتراف السياسي والوعود الاستثمارية، بينما تتطلب الأزمة السورية إعادة بناء المؤسسات، وضبط الأمن، وقانون استثمار واضح، ونظاماً مالياً شفافاً، وحكومة قادرة على إدارة الموارد بعيداً عن شبكات النفوذ. لذلك بدا رفع عقوبات قيصر وكأنه فرصة كبيرة من الناحية القانونية، لكنّه لم يتحول إلى انفراج اقتصادي فعلي، لأن رأس المال لا يدخل بلداً ما زال يفتقر إلى الاستقرار الأمني والقانوني والسياسي.
وتشير تقديرات ومراجعات غربية إلى أن تخفيف العقوبات وسّع هامش التعامل مع سوريا، لكنه لم يلغِ مخاطر الامتثال، والعقوبات المتبقية، ومخاوف التمويل غير المشروع، والبيئة الأمنية، فقد نشرت شبكة POMEPS الأمريكية[1] تحليلاً عن صعوبة تحويل إنهاء العقوبات إلى عملية تعافٍ تلقائية، فيما أوضحت Risk Advisory[2] ، وهي شركة متخصصة في استخبارات الأعمال في بريطانيا، أنّ إلغاء “قيصر” يزيل عائقاً قانونياً كبيراً لكنه لا يلغي اختلاف أنظمة العقوبات، ولا مخاطر السوق السورية، فالشركات العالمية لا تقرأ البيئة السورية من زاوية العقوبات فقط، بل من زاوية الأمن، والقضاء، ووضوح الملكية، وشفافية العقود، ومخاطر الجماعات المسلحة، واستقلالية البنك المركزي، وقدرة الحكومة على منع الفساد والابتزاز المحلي. لذلك لم يكن غريباً أن يبقى أثر رفع العقوبات محدوداً على حياة السوريين، رغم أهميته السياسية والقانونية.
وقد أوضحت وزارة الخزانة الأمريكية[3] في مايو 2025 أن الترخيص العام رقم 25 وفّر تخفيفاً واسعاً للعقوبات، لكنه أبقى العقوبات على بشار الأسد ومعاونيه، ومنتهكي حقوق الإنسان، وتجار الكبتاغون، والمرتبطين بداعش والقاعدة وإيران ووكلائها. وهذا يعني أن سوريا لم تتحول إلى سوق خالية من المخاطر، بل إلى سوق تحتاج فحصاً قانونياً ومالياً معقداً قبل أي استثمار. كما أكد مركز الدراسات الأكاديمية الأمريكية Belfer Center [4] أن تخفيف العقوبات يوسع مساحة النشاط الاقتصادي لكنه لا يلغي القيود والمخاطر القانونية الأخرى.
من هنا يمكن فهم لماذا لم تدخل الشركات العالمية كما صوّرت الدعاية الحكومية، لذلك بدا رفع قيصر في الخطاب الرسمي إنجازاً، لكنه في الواقع لم يتحول إلى ضمانة ثقة. وهذا ما يجعل الأزمة السورية أزمة إدارة سياسية بقدر ما هي أزمة عقوبات.
تكشف الموازنة السورية لعام 2026 بشكل جليّ طبيعة الأزمة. فوفق تقارير عربية[5] لعام 2026، تبلغ نفقات الموازنة نحو 10.516 مليار دولار، مقابل إيرادات متوقعة بنحو 8.716 مليار دولار، بعجز يقارب 1.799 مليار دولار، أي نحو 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع. هذه الأرقام تعطي انطباعاً بوجود إطار مالي منظم، لكنها لا تجيب عن السؤال الأساسي: هل تملك الحكومة اقتصاداً إنتاجياً قادراً على تمويل نفسه، أم أنها تدير عجزاً مؤجلاً عبر وعود خارجية ورسوم وضرائب ومصادرات؟
يبدو جلياً أنّ الاقتصاد السوري لا يزال معطلاً في قطاعات الإنتاج الحقيقية. فالزراعة، والصناعة، والطاقة، والمصارف، وسوق العمل، لا تعمل كمنظومة متكاملة. وقد كشفت رويترز[6] أنّ سوريا، رغم تحولها السياسي نحو الغرب بعد سقوط الأسد، لا تزال تعتمد بقوة على النفط الروسي بسبب ضعف الإنتاج المحلي ومحدودية الخيارات الاقتصادية؛ إذ ارتفعت شحنات النفط الروسي إلى نحو 60 ألف برميل يومياً، بينما لا يتجاوز الإنتاج الداخلي نحو 35 ألف برميل يومياً مقابل حاجة وطنية قد تصل إلى 150 ألف برميل يومياً. هذه المعطيات تكشف أنّ الحكومة لم تؤسس بعد سياسة طاقة مستقلة، وأنها انتقلت من ارتهان سابق لطهران إلى ارتهان اضطراري لموسكو وشبكات توريد عالية المخاطر.
الفساد وشبكات الظل تلتهم فكرة الدولة
الأزمة الاقتصادية تعود في جزء كبير منها إلى ضعف الحوكمة واستمرار شبكات الظل، فالسلطة الجديدة رفعت شعار مكافحة الفساد، لكنها لم تقدّم حتى الآن نموذجاً شفافاً لإدارة المال العام، ولا آلية واضحة لمصير الأموال المصادرة، ولا رقابة مستقلة على العقود، ولا ضمانة فعلية بأنّ الموارد تدخل فعلاً إلى خزينة الدولة، لا إلى شبكات موازية. في هذا السياق نشر مركز U4 Anti-Corruption Resource Centre[7]، تحليلاً بعنوان “الإصلاح الاستعراضي أم التغيير البنيوي”، خلص إلى أنّ الرشوة الصغيرة قد تكون تراجعت في ظل الإدارة الانتقالية، لكن التزام الحكومة بإصلاحات بنيوية أعمق لا يزال غير مؤكد.
هذه النقطة جوهرية، فالسلطة الحالية تستطيع اعتقال موظف فاسد أو مصادرة أموال مرتبطة بالنظام السابق، لكنها لا تستطيع بناء ثقة اقتصادية ما لم توضح أين تذهب الأموال، ومن يراقبها، ومن يقرر إنفاقها. من هنا تنشأ فكرة “حكومة الظل” أو الشبكات الموازية، حتى لو لم تكن هذه الشبكات موثقة دائماً بأسماء واضحة، فإن المؤشرات العملية عليها تظهر في غموض القرار المالي، وتعدّد مراكز النفوذ، وضعف الشفافية، وتضارب مصالح المتنفذين المحليين. وهذا يفسر لماذا يتسع السخط حتى بين مؤيدي السلطة الجديدة؛ لأنهم بدأوا يرون أن سقوط النظام السابق لم يؤدِّ تلقائياً إلى بناء دولة عادلة، بل ربما أعاد إنتاج بعض آليات التحكم القديمة بوجوه جديدة.
من جهة أخرى رصدت صحيفة الثورة السورية[8]، أنّ حملات التبرع في المحافظات السورية بلغت رقماً ضخماً قدره مليار و23 مليوناً و472 ألف دولار عبر 20 حملة، غير أنّ هذا الرقم، بدل أن يتحول إلى مؤشر تعافٍ اقتصادي، فتح سؤالاً سياسياً أوسع حول مصير الأموال وآلية إدارتها، خصوصاً أنّ الصحيفة نفسها أشارت إلى فجوة بين الوعود والإنجاز، وإلى أنّ هذه المبالغ لا تغطي سوى نسبة ضئيلة جداً من احتياجات إعادة الإعمار الشاملة. وتزداد الإشكالية لأن “سانا”[9] نقلت عن صندوق التنمية السوري أنّ حملات المحافظات لا تندرج ضمن نشاط الصندوق أو موارده، ما يعني عملياً أن هذه الأموال لم تمر عبر قناة مالية مركزية واضحة يمكن تتبعها أو إخضاعها للمساءلة العامة، أرقامٌ كبيرة أُعلنت في مهرجانات وبثوث مباشرة، لكنها لم تُترجم إلى مشاريع بنية تحتية أو إنعاش إنتاجي ملموس، ولم يتضح إن كانت تعهدات إعلامية أم أموالاً محصلة فعلياً، وهو ما ينسجم مع تشكيك دويتشه فيله[10] الألماني فيما إذا كانت هذه الحملات تمثل أملاً اقتصادياً حقيقياً أم عملية علاقات عامة سياسية في ظل صعوبة التحقق المستقل من طبيعة التبرعات ومسارات صرفها.
الأمن بوصفه العائق الأكبر أمام الاقتصاد
من المعلوم أنّ رأس المال لا يدخل إلى بيئة غير آمنة، لذلك فإن الانفلات الأمني في مناطق مختلفة، وتدهور الأوضاع في المناطق التي انسحبت منها قسد، ومخاطر عودة داعش التي عادت لتستهدف صهاريج النفط في ديرالزور، كلها تضغط على الاقتصاد بقدر ما تضغط على السياسة. فالمستثمر لا ينظر إلى العاصمة فقط، بل إلى قدرة الدولة على ضبط الأطراف، وحماية الممتلكات، ومنع الابتزاز، وحل النزاعات المحلية.
نشرت مجلة Small Wars Journalالأمريكية[11]، تحليلاً عن مخاطر صعود داعش بعد التحول في سوريا، محذرةً من استغلال التنظيم للفراغات الأمنية. كما تناولت تقارير غربية وأممية في مارس وأبريل 2026 المخاوف من الإرهاب والانزلاق الإقليمي بوصفها عناصر تضغط على الانتقال السوري.
فيما تؤكد وثائق الموازنة الأمريكية أنّ واشنطن لا تتعامل مع خطر داعش في سوريا بوصفه ملفاً منتهياً. ففي وثيقة Counter-ISIS Train and Equip Fund للعام المالي 2027، أبقت وزارة الحرب/الدفاع الأمريكية[12] مخصصات سوريا عند 130 مليون دولار، وهو المستوى نفسه المعتمد في 2026، لدعم عمليات “الهزيمة المستدامة لداعش” عبر الشركاء المحليين. وتشير الوثيقة إلى أنّ الدعم يستهدف تمويل التدريب والتجهيز، ونقاط التفتيش، والدوريات، وحماية البنية التحتية، وإدارة الحدود، وتحسين أمن مراكز الاحتجاز ومخيم الهول، كما تقر بأن بقايا داعش ما زالت تنفذ هجمات تكتيكية صغيرة ضد قوات الحكومة السورية والمدنيين في مناطق يقلّ فيها الحضور الأمني أو يتسم بعدم الاتساق.
لذا، وفي هذا السياق، لا يكفي أن تعلن الحكومة السيطرة على مدينة أو معبر، إنما المطلوب هو إنتاج بيئة آمنة؛ شرطة منضبطة، قضاء محلي، ضبط أسعار، حماية طرق، منع الخطف والتهريب، وإدارة عادلة للمناطق الخاضعة لها، فإذا أصبحت هذه المناطق تعيش غلاءً وانفلاتاً وصراع نفوذ، فإن الشرعية الجديدة ستُختبر من بوابة الخدمات لا من بوابة الشعارات.
الحرب الإيرانية قلبت حسابات سوريا والخليج معاً
جاءت الجولة الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى السعودية وقطر والإمارات في أبريل 2026 في لحظة كانت فيها دمشق بحاجة إلى دعم مالي قبل الدعم السياسي. فقد قدّمتها وسائل إعلام عربية على أنها جولة لتعزيز الشراكات الاقتصادية وإعادة الإعمار، بينما قرأتها مؤسسات غربية باعتبارها محاولة للحصول على دعم اقتصادي مباشر بعد رفع القيود الأوسع على سوريا. لكن المخرجات بقيت أقرب إلى تفاهمات ووعود منها إلى تدفقات نقدية فورية أو صناديق إعادة إعمار.
هذا التعثر يكشف أنّ الاهتمام الخليجي بسوريا بات مشروطاً ومؤجلاً. فقد رأت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات FDD[13]أن جولة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى السعودية وقطر والإمارات كانت مدفوعة أساساً بالضغط الاقتصادي على دمشق، وأنّ الرهان السوري على الاستثمارات الخليجية بعد تخفيف العقوبات ما زال يصطدم بمخاطر قانونية ومالية وأمنية تحدّ من قدرة الوعود على التحول إلى تدفقات فعلية. وفي الاتجاه ذاته، نشرت وكالة أسوشيتد برس[14]، تحليلاً أشار إلى أنّ سوريا تحاول تقديم نفسها كممر آمن ومحايد وسط الحرب الإقليمية، لكنها تبقى اقتصادياً عرضة لتراجع قدرة دول الخليج على تمويل إعادة الإعمار، بعدما أصبحت تلك الدول أكثر انشغالاً بأمنها واقتصاداتها في ظل التصعيد مع إيران.
كما أن قرار الإمارات الخروج من أوبك، يزيد من عدم اليقين بالاقتصاد الإقليمي. فحتى إن كان أثره المباشر محدوداً بسبب اضطرابات الحرب، فإنه يفتح الباب أمام إعادة تشكيل سوق النفط، وربما حرب أسعار مستقبلية إذا عاد المنتجون إلى التنافس على الحصص بعد الحرب. وبالتالي بالنسبة إلى سوريا، لا تكمن أهمية هذا القرار في علاقته المباشرة بدمشق، بل في أنه يكشف أنّ الإقليم كله يدخل مرحلة إعادة تموضع من ناحية الاقتصاد والطاقة. وفي مثل هذه المراحل، تتراجع الأولويات الهامشية وتعلو حسابات الأمن والطاقة والسيولة. لذلك يصبح من غير الواقعي أن تتوقع دمشق تدفقاً خليجياً كبيراً بينما الخليج نفسه يعيد حسابات الطاقة، والإنتاج، والممرات، والتحالفات، وكلفة الحرب.
بذلك لم تعد الحرب الإيرانية عاملاً خارجياً فقط، بل أصبحت جزءاً من الأزمة السورية الداخلية: فهي ترفع تكلفة الوقود والغذاء، وتخفض فرص التمويل الخليجي، وتزيد حذر المستثمرين، وتدفع المجتمع السوري إلى مزيد من الضغط على حكومة عاجزة أصلاً عن إنتاج حلول.
تركيا من داعم إلى مشروع هيمنة اقتصادية
تظهر العلاقة مع تركيا كأحد أكثر أوجه الأزمة تعقيداً. فأنقرة تبدو الشريك الأكثر حضوراً في السوق السورية، لكنها لا تمتلك قدرة مالية مفتوحة لدعم دمشق، كما أنّ اقتصادها نفسه يعاني ضغوط تضخم وتراجع عملة واحتياطات. نشر معهد الشرق الأوسط[15]، أنّ تركيا واجهت خلال السنوات الأخيرة أزمة اقتصادية حادة شملت التضخم، تراجع الليرة، استنزاف الاحتياطات، وصعوبة الوصول إلى رأس المال الغربي. لذلك فإن الدور التركي في سوريا ليس دور مانح مالي كبير بقدر ما هو دور مستفيد تجاري واستراتيجي.
في المقابل، تتسارع الروابط المصرفية والتجارية بين دمشق وأنقرة بما يعزز الحضور التركي داخل الاقتصاد السوري. فقد ذكرت وكالة رويترز[16]، أن سوريا تقترب من إبرام اتفاق لإنشاء حساب مصرفي مراسل مع البنك المركزي التركي، وأن الجانبين يبحثان أيضاً إمكانية اعتماد ترتيبات لمبادلة العملات بهدف تسهيل التجارة الثنائية. وأن الصادرات التركية إلى سوريا ارتفعت بنسبة 69% خلال عام 2025 مقارنة بعام 2024، لتصل إلى 2.56 مليار دولار، وهو ما يعكس انتقال العلاقة من الدعم السياسي إلى تشابك اقتصادي وتجاري متزايد.
هذا الانفتاح قد يخفف العزلة التجارية، لكنه يحمل خطراً بنيوياً: تحويل سوريا إلى سوق تصريف تركية بدل أن تكون قاعدة إنتاج مستقلة. فعندما تدخل السلع التركية بكثافة إلى سوق محطمة، من دون حماية مدروسة للصناعة المحلية، فإن ذلك يضعف قدرة المصانع السورية على النهوض. كما أن الاعتماد المصرفي والتجاري على تركيا قد يمنح أنقرة أدوات نفوذ طويلة المدى على القرار الاقتصادي السوري، في قطاعات الصناعة والنقل والمعابر، خصوصاً في الشمال وحلب.
السيناريوهات المحتملة:
إذا استمرت الأوضاع بهذا المسار، ستنتقل أزمة السلطة السورية من أزمة أداء اقتصادي إلى أزمة شرعية سياسية. فالمواطن لن يقبل الانتظار طويلاً بأن تبقى حياته رهينة وعود خارجية وملفات رمزية، خصوصاً إذا توسعت الفجوة بين نخبة السلطة وشبكات المستفيدين من جهة، والفئات الفقيرة والطبقة الوسطى المنهكة من جهة أخرى.
من المرجح أن تتصاعد الانتقادات من داخل البيئة المؤيدة للسلطة، لا من خصومها فقط. وهذا سيضع حكومة أحمد الشرع أمام خيارين: إما فتح مسار إصلاح حقيقي يشمل الشفافية المالية، وتوسيع التمثيل، وضبط الأمن، وتخفيف الارتهان التجاري للخارج؛ أو الاكتفاء بالمعالجات الإعلامية، ما سيؤدي إلى تآكل تدريجي في شرعيته الاجتماعية.
إذا طال أمد الحرب الإيرانية، ستتراجع قدرة الخليج على تمويل سوريا أكثر، وقد يتحول الاقتصاد السوري إلى اقتصاد نجاة لا اقتصاد تعافٍ، أما في حال انتهت الحرب سريعاً، فلن يعني ذلك تلقائياً انفراجاً سورياً. فاستعادة الثقة تحتاج وقتاً، ودول الخليج والشركات الدولية ستطلب ضمانات أمنية وقانونية قبل ضخ الأموال. لذلك فإن نهاية الحرب قد تمنح دمشق فرصة تنفس، لكنها لن تمنحها تعافياً ما لم تغيّر الحكومة طريقة إدارتها للداخل.
السيناريو الأخطر هو أن تتحول سوريا إلى دولة مفتوحة للتجارة الخارجية ومغلقة أمام الإنتاج الداخلي: سوق للسلع التركية، وممر محتمل للتجارة الإقليمية، ومجال لتعهدات خليجية مؤجلة، لكن من دون صناعة وطنية أو زراعة متعافية أو مؤسسات مالية موثوقة. هذا السيناريو سيخلق نمواً شكلياً في الأرقام، لكنه سيعمق الفقر والاعتماد على الخارج.
أما السيناريو الأكثر إيجابية فيتطلب انتقال السلطة من منطق إدارة الانتصار إلى منطق بناء الدولة. وهذا يعني حكومة أوسع تمثيلاً، شفافية في الأموال المصادرة، قانون استثمار واضح، حماية للصناعة المحلية، ضبطاً حقيقياً للأمن، وربط أي دعم خليجي أو تركي أو غربي بمشاريع إنتاجية، لا باستهلاك سياسي قصير الأمد. ومن دون ذلك، ستبقى سوريا في دائرة الوعود الكبيرة والنتائج الصغيرة.
[1] – شبكة POMEPS الأمريكية، 2026 https://n9.cl/c59u0
[2] – Risk Advisory البريطانية، 15 يناير 2026 https://n9.cl/m5iokc
[3] – وزارة الخزانة الأمريكية، 23 مايو 2025، https://n9.cl/oddxa5
[4] – Belfer Center، 23 ديسمبر 2025، https://n9.cl/6knlkh
[5] – العربي الجديد، 28 أبريل 2026، https://n9.cl/688au
[6] – وكالة رويترز، 1 مايو 2026، https://n9.cl/gfy4b5
[7] – U4 Anti-Corruption Resource Centre، 6 مارس 2026، https://n9.cl/7pznfi
[8] – صحيفة الثورة السورية، 5 يناير 2026، https://n9.cl/swubp9
[9] – وكالة سانا، 11 فبراير 2026، https://n9.cl/uzlc1
[10] – دويتشه فيله DW، 22 أكتوبر 2025، https://n9.cl/rveqo
[11] – Small Wars Journal، 25 مارس 2026، https://n9.cl/edrs7
[12] – وزارة الحرب/الدفاع الأمريكية –أبريل 2026، https://n9.cl/6rbpm
[13] – مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات FDD، 24 أبريل 2026، https://n9.cl/d7siom
[14] – وكالة أسوشيتد برس AP، 1 مايو 2026، https://n9.cl/2bs6o
[15] – معهد الشرق الأوسط MEI، 23 أبريل 2026، https://n9.cl/othe2
[16] – وكالة رويترز، 10 أبريل 2026، https://n9.cl/mzpkuu
المصدر: مركز الفرات للدراسات
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=87022
مقالات قد تهمك










