سوريا – منصب “الشيخ/رئيس العدلية” المستحدث: تكريس الولاءات على حساب استقلال القضاء

تم إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights” . إن محتويات هذا المنشور هي مسؤولية “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فقط/الجهة الناشرة، ولا تعكس بالضرورة آراء “الاتحاد الأوروبي” وآراء “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”.

1. المقدمة:

بعد سقوط النظام السوري في كانون الثاني/ديسمبر 2024، وجدت البلاد نفسها أمام تحديات جسيمة تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها السلطة القضائية. فالقضاء، بوصفه الركيزة الأساسية لتحقيق العدالة وضمان الحقوق، تعرض لاختلالات عميقة خلال سنوات النزاع، وفي الفترة التي سبقت العام 2011، سواء من حيث الاستقلالية أو الكفاءة أو الشرعية. وكان من المفترض أن يشكّل انهيار نظام الأسد فرصة لإرساء سلطة قضائية أكثر نزاهة واستقلالاً، تعكس مبادئ العدالة الانتقالية والحكم الرشيد. غير أن الواقع على الأرض، واستناداً إلى شهادات حصلت عليها “سوريون”، كشف عن نشوء هياكل قضائية هجينة، استوردت الكثير من آلياتها من تجارب محلية سابقة خارج الإطار الرسمي، وأبرزها تجربة “هيئة تحرير الشام” و”حكومة الإنقاذ” في محافظة إدلب.

في هذا السياق، برز منصب جديد هو “رئيس العدلية”، ويُطلق عليه في الخطاب الشعبي والإداري على حدّ سواء لقب “الشيخ”. يمارس شاغلو هذا المنصب صلاحيات واسعة تتجاوز دور المحامي العام ورؤساء المحاكم، من دون أن يكون لهذا المنصب أي سند في قانون السلطة القضائية السوري بل عبر قرار صدر عن وزارة العدل في شهر شباط/فبراير 2025، ألغى بموجبه موقع “المحامي العام الأول” المنصوص عليه قانوناً، وهو ما يثير إشكالات خطيرة لكون القرار تجاوزاً للصلاحيات التشريعية وإحداثاً غير مشروع لبنية قضائية جديدة.

وقد أدى ذلك إلى حالة من الإرباك القانوني والتناقض المؤسسي، إذ أصبحت القرارات الإدارية والوظيفية للقضاة مرتبطة بإرادة أشخاص جرى تعيينهم خارج المسار القضائي التقليدي، وبعضهم لا يحمل إجازة في الحقوق ولا حتى خبرة سابقة في العمل القضائي.

تثير هذه الظاهرة تساؤلات جدّية حول مستقبل القضاء في سوريا ما بعد الأسد، ومدى إمكانية بنائه على أسس الاستقلالية والحياد والكفاءة، أم أنه سيبقى أسيراً لولاءات فصائلية ودينية وأيديولوجية إسلامية. كما أن المنصب المستحدث لا يؤثر فقط على القضاة أنفسهم، بل ينعكس بشكل مباشر على حقوق المتقاضين/ات وحقهم/ن في المثول أمام قضاء مستقل ومحايد ومتخصص، وهو حق يكفله الإعلان الدستوري (المادة 43).

انطلاقاً من هذه المخاوف، أعدّت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” هذا التقرير، الذي يقدّم قراءة معمّقة لظاهرة “رئيس العدلية/الشيخ”، من خلال تحليل بنيتها وأصلها وآليات التعيين والصلاحيات الممنوحة لها، وانعكاساتها على استقلال القضاء.

لأجل هذا التقرير، أجرت “سوريون” خمس مقابلات معمّقة عبر الإنترنت مع قضاة عاملين/ات في السلك القضائي، كانوا على رأس عملهم/ن في عدة محافظات سورية أثناء إجراء المقابلات. جرى الحصول على موافقتهم المستنيرة بعد إيضاح الطبيعة الطوعية للمشاركة وطرق استخدام المعلومات التي قدّموها، بما في ذلك نشر هذا التقرير. وقد فضّل جميع المشاركين/ات إخفاء هوياتهم أو أي تفاصيل قد تكشف عنها، خشية أعمال انتقامية قد تطالهم أو عائلاتهم. وبناءً عليه، استخدم هذا التقرير أسماء مستعارة للإشارة إلى الأشخاص الذين ترد اقتباسات من شهاداتهم.

يعتمد التقرير على ستة محاور أساسية هي: بداية ظهور منصب “رئيس العدلية/الشيخ” وآلية تعيينه، واشتراط التزكية لتعيين القضاة، ومهام “الشيخ” وصلاحياته، ورمزيته، والمشكلات البنيوية المرتبطة به، إضافة إلى ملف القضاة المنشقين وإعادة إدماج المتهمين/ات بقضايا فساد. كما يوضح التقرير المعايير الدولية المتعلقة باستقلال القضاة وحيادهم. وفي الختام، يقدّم مجموعة توصيات عملية تهدف إلى تصحيح هذا المسار، وإعادة الاعتبار للقانون والمؤسسات القضائية، وضمان أن يبقى القضاء السوري مؤسسة حيادية ومستقلة، بعيدة عن أي نفوذ سياسي أو أيديولوجي.

2. ظهور منصب “رئيس العدلية/الشيخ” وآلية تعيينه:

يُجمع العاملون/ات في السلك القضائي، الذين تمت مقابلتهم لغرض هذا التقرير، على أن منصب “رئيس العدلية/الشيخ” منصب مستحدث لا سند له في أي قانون سوري نافذ، إذ لم يرد ذكره في قانون السلطة القضائية أو أي تشريع آخر. بل جرى استنساخه من تجربة “الشرعي/الشيخ” في شمال غرب سوريا خلال فترة سيطرة هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ، ثم فُرض على المحافظات السورية بعد سقوط النظام من خلال قرار وزارة العدل رقم (89-ل) لعام 2025، ليصبح واقعاً إدارياً يتجاوز المحامي العام ورؤساء المحاكم.

وقد تضمّن القرار إلغاء منصب المحامي العام الأول واستبداله بمنصب “رئيس العدلية”. وهو ما أثار إشكاليات قانونية جوهرية، كونه يشكّل تعدياً على اختصاص المشرّع وإحداثاً غير مشروع لبنية قضائية جديدة، إذ لا يجوز إلغاء أو تعديل قانون السلطة القضائية إلا بقانون مماثل وليس بقرار وزاري. وسيتطرق التقرير لهذا الإشكال بمزيد من التفصيل في محور الإشكاليات البنيوية. في هذا السياق، صرّح القاضي نديم، ويعمل في إحدى المحاكم في محافظة حلب لـ”سوريون” بما يلي:

“تعيين رئيس العدلية يعتبر هدماً لقانون السلطة القضائية، حيث لا وجود لهذا المنصب في هذا القانون ولا في أي غيره، ولا يعطيه القانون أية صلاحيات كونه منصباً غير موجود أصلاً”.

وأوضح القاضي ماجد من عدلية محافظة حمص أن هذا المنصب ليس حكراً على العاصمة أو المدن الكبرى:

“منصب رئيس العدلية موجود في جميع المحافظات السورية، وليس فقط في دمشق وحلب”.

كما شدد القضاة والعاملين/ات في السلك القضائي على أن آلية التعيين تتم بقرارات غير مُعلنة وبمعايير الولاء والانتماء السابق لهيئة تحرير الشام، حيث يُختار رؤساء العدليات بشكل أساسي من الشرعيين أو المحسوبين على الهيئة، حتى إن بعضهم لا يحمل إجازة في الحقوق وليست لديهم أي خبرة قضائية.[1] قال القاضي نديم:

“تم تعيين شرعيين (شيوخ) في كل منطقة قضائية، بحيث يكون الشيخ هو الآمر الناهي وغالباً ما يكون مجازاً في الحقوق أو الشريعة، لكن ليس لديه أي خبرة قضائية… بل عمل سابقاً في مناطق هيئة تحرير الشام في إدلب كمحامٍ أو قاضٍ شرعي”.

قال القاضي سامر، ويعمل في إحدى المحاكم الجماعية (المؤلفة من عدة قضاة) بريف دمشق:

“لم يُعيَّن رئيس العدلية في محكمتنا بقرار رسمي… رئيس العدلية هو دائماً من المقربين من السلطة الحاكمة وغالباً ما يكون قادماً من محافظة إدلب… وهو الذي يرشّح أسماء القضاة للتشكيلات (التنقلات) القضائية وهو من يمنحهم الإجازات”.

ولا يقتصر نفوذ البنية القضائية المستحدثة على فرض منصب “رئيس العدلية/الشيخ”، بل امتد ليشمل عملية دخول القضاة الجدد إلى السلك القضائي عبر آلية غير قانونية عُرفت باسم “التزكية”. هذه الآلية أُضيفت كشرط فعلي –غير معلن– لمشاركة أي مرشح في مسابقات تعيين القضاة، بما يجعلها أداة أخرى لترسيخ الولاءات وإقصاء غير المرغوب فيهم.

3. التزكية كشرط غير قانوني لتعيين القضاة:

كشفت الشهادات التي وثقتها “سوريون” أنّ السلطة القضائية الجديدة لم تكتفِ بابتداع منصب “الشيخ”، بل ذهبت أبعد من ذلك عبر فرض شرط “التزكية” على المرشحين لدخول السلك القضائي. هذه التزكية لا تستند إلى أي نص قانوني أو نظام نافذ، لكنها باتت مطبّقة عملياً كمعيار إلزامي، حيث يشترط أن يقدّم كل مرشح شهادة خطية من قاضٍ على رأس عمله تؤكد “حسن السيرة” وعدم انتمائه للنظام السابق.[2] وفي هذا السياق، صرح القاضي نديم من حلب ما يلي:

“الآن أي شخص سيتقدم لمسابقة القضاة يجب، إضافة إلى الشروط المعروفة كالشهادة والعمر والجنسية السورية والخدمة العسكرية، أن يحصل على شهادة تزكية من أحد القضاة. ولها نموذج معين يجب تعبئته من قبل القاضي. مع العلم أن هذا الشرط لا يُعلن عند إعلان المسابقة، وليس مدرجاً من ضمن الشروط، لكن الوزارة تطبّقه باجتهاد شخصي من وزير العدل”.

وأضاف القاضي سامر من ريف دمشق مؤكداً الطبيعة الانتقائية لهذا الشرط:

“يوجد ما يسمى بالتزكية لتعيين القضاة الجدد… يُكتب في التزكية أن هذا الشخص من ذوي السيرة الحسنة ولم يرتكب أي جرم وليس من داعمي النظام السابق”.

أما القاضي ماجد من حمص فقد أشار إلى أن هذا الشرط يعكس نفوذ الموالين للسلطة الذين باتوا يمسكون بمفاصل القضاء. وأضاف:

“مجلس القضاء الأعلى مشكّل من مجموعة من قضاة إدلب، ممن كانوا يمارسون العمل القضائي في محكمة التمييز في إدلب أيام حكومة الإنقاذ… بعضهم لا يحمل إجازة في الحقوق أصلاً. يوجد ضمن المجلس قاضٍ واحد فقط يحمل إجازة في الحقوق وهو القاضي مصطفى القاسم”.

تُظهر هذه الإفادات أن التزكية تحولت إلى أداة لفرض الولاءات، وإلى وسيلة غير قانونية لإقصاء كل من لا يتماشى مع التوجهات الجديدة للسلطات الانتقالية الإسلامية في دمشق. فهي لا تضمن الكفاءة أو النزاهة، بل تؤسس لنظام المحسوبية المؤسسية والولاءات الشخصية، وتجعل مستقبل القضاء خاضعاً لشبكة ضيقة من الأشخاص المرتبطين بالسلطة، بعيداً عن أي معايير مهنية أو قانونية.

إن فرض شرط غير منصوص عليه في القوانين أو اللوائح الرسمية ينسف مبدأ المساواة أمام الوظائف العامة، ويخالف المعايير الدولية، ولا سيما المادة (25) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تضمن الحق المتكافئ لجميع المواطنين في تولي الوظائف العامة، كما يخالف المادة (10) من الإعلان الدستوري السوري التي نصت على أن “المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، من دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب”.

4. مهام “الشيخ” وصلاحياته الفعلية:

إن منصب “رئيس العدلية/الشيخ” ليس رمزياً أو بروتوكولياً، بل تحوّل إلى مرجعية عملية تتحكم بالسلطة القضائية، مع صلاحيات تتجاوز ما يمنحه القانون للمحامي العام أو لمجلس القضاء الأعلى. وبحسب العاملين/ات الخمسة في السلك القضائي، ممن تمت مقابلتهم، فإن هذه الصلاحيات باتت تمسّ جوهر العمل القضائي والإداري والمهني، وتضع القضاة في موقع التبعية لشخص لا يستند وجوده أصلاً إلى نص تشريعي.

أحد أبرز وجوه هذه الصلاحيات هو التحكم المباشر بالمسار الوظيفي للقضاة من حيث الإجازات والتشكيلات والتنقلات. وبذلك، باتت قرارات أساسية في حياة القاضي المهنية رهناً بمزاج “رئيس العدلية/الشيخ”، حتى إن رئيس العدلية يتعامل احياناً مع القضاة بطريقة لا تليق بمناصبهم، ما يضرب مبدأ الاستقلالية الذي يفترض أن يكفله القانون. وقد لخّص القاضي سامر من ريف دمشق هذا الواقع بقوله:

“رئيس العدلية المدعو أبو جابر شخص غير حقوقي ويتعامل مع القضاة بعنجهية وبطريقة لا تليق بالقضاء ولا بالقضاة ولا بالوزارة، ويرفض أحياناً أن يقابلهم، ويقبل اجازاتهم أو يرفضها حسب مزاجه الشخصي، وهذا ما أدى الى استقالة اثنين من القضاة، وقد كانا من المنشقين العائدين الى العمل القضائي بموجب المرسوم رقم 70“.

تتجاوز هذه الصلاحيات الجانب الإداري لتشمل تأثيراً مباشراً على مصير القضاة أنفسهم، بما في ذلك اقتراح إحالتهم إلى مجلس القضاء الأعلى تمهيداً للمساءلة أو حتى العزل. وبذلك، يصبح مستقبل القاضي الوظيفي مرتبطاً تماماً برضا “الشيخ”، لا بمدى التزامه بالقانون أو كفاءته المهنية. كما أوضح القاضي نديم من حلب:

“رئيس العدلية هو الذي يتحكم بمصير القضاة وإجازاتهم وتنقلاتهم وترفيعاتهم، وحتى يقترح إحالتهم إلى مجلس القضاء الأعلى تمهيداً لمحاسبتهم وربما عزلهم”.

ولم يتوقف نفوذ “الشيخ” عند حدود القرارات الوظيفية، بل امتد إلى التحكم في المزايا المعيشية التي تمنحها وزارة العدل للقضاة، مثل المنازل الوظيفية والسيارات. وهذا جعل الامتيازات وسيلة ابتزاز غير معلنة، تُستخدم لترسيخ الولاء الشخصي وتكريس التبعية. وأوضح القاضي ماجد من حمص:

“رئيس العدلية هو من يقرر من يستحق أن يُمنح منزلاً تابعاً لوزارة العدل للسكن، وكذلك الأمر بالنسبة لمنح سيارة للقاضي… وذلك بشكل اعتباطي وحسب مدى رضاه عن القاضي المعني. وهذا سيدفع القضاة إلى نيل رضا رئيس العدلية لكسب منزل أو سيارة أو كلاهما”.

الأخطر أن “الشيخ” بات شريكاً في مقابلات القضاة الجدد، حيث تحوّلت هذه المقابلات إلى أداة للضغط والإذلال، وأحياناً لإجبار القضاة على لعب دور المخبر ضد زملائهم. وصف القاضي ماجد إحدى هذه الممارسات:

“في الوقت الحالي توجد مقابلات مع القضاة بريف دمشق، والمقابلة عبارة عن سؤالين أو ثلاثة في القانون، ثم يُطلب من القاضي تقديم أسماء خمس قضاة فاسدين. ومن يجري المقابلة هم رئيس التفتيش القضائي والمحامي العام ورئيس العدلية… ويوجد تسجيل للمقابلة، أي إنهم يلزمون القاضي بأن يكون مخبراً”.

ولم تقتصر الممارسات على القضاة الجدد، إذ أكد القاضي نديم أن رئيس عدلية حلب نفسه لجأ إلى التجسس عبر موظفين في المحكمة:

“أحد الموظفين بعدلية حلب أخبرني بأن الشيخ المدعو أبو جابر طلب منه بشكل صريح أن يتجسس على القضاة وأن يخبره بزوارهم وعلاقاتهم وحتى ما يدور بينهم من أحاديث”.

إلى جانب ذلك، يمارس “الشيخ” سلطة الأمر والنهي على القضاة رغم افتقاره للخبرة القانونية. فهو يوبّخ القضاة ويحاسبهم على عدد القضايا المفصولة، من دون أن يعي الفوارق بين القضايا البسيطة والمعقدة. قال القاضي نديم:

“يتدخل بشكل مباشر في عمل القضاة، حتى إنه يقوم بتوبيخهم أحياناً ويسألهم عن سبب قلة عدد الدعاوى المفصولة مقارنة مع الوارد الشهري من الدعاوى، مع أنه لا يفقه شيئاً في القضايا ولا يعلم ما هي القضايا التي من السهل حسمها وتلك التي تحتاج إلى إجراءات طويلة وجلسات عديدة للحسم”.

أما على صعيد التواصل المؤسسي، فقد ألغى “الشيخ” عملياً الأعراف القضائية السابقة التي كانت تتيح للقضاة مقابلة المحامي العام بسهولة. فبات اللقاء برئيس العدلية مشروطاً بطلب خطي وانتظار غير مضمون، وهو ما يشير إلى فجوة هرمية جديدة. قال القاضي ماجد عن ذلك:

“باب رئيس العدلية ليس مفتوحاً للقضاة. كان المحامي العام بشكل دائم يستقبل القضاة والمحامين ولم يكن يوجد أي حاجز بينهم، إلا أن رئيس عدلية حلب مثلاً لا يرضى أن يستقبل القضاة بشكل مباشر، بل لا بد للقاضي الذي يرغب في رؤيته أن يتقدم بطلب خطي يشرح فيه أسباب اللقاء، ثم بعد عدة أيام قد يقبل الشيخ برؤية القاضي المعني أو يرفض طلب الزيارة”.

يتضح مما سبق أن منصب “رئيس العدلية/الشيخ” تحوّل إلى سلطة غير قانونية عليا تسيطر على شؤون القضاة وحياتهم المهنية والمعيشية، وتمارس ضغوطاً رقابية وأمنية عليهم، مع غياب كامل لأي سند تشريعي. لا يهدد هذا الواقع استقلال القاضي الفرد فحسب، بل يقوّض أيضاً استقلال السلطة القضائية ويحوّل العدلية إلى أداة تخضع لاعتبارات الولاء والهيمنة، بعيداً عن المعايير القانونية والمؤسسية.

5. التسمية والرمزية “للشيخ”:

إلى جانب موقعه غير القانوني وصلاحياته الواسعة، يحمل منصب “رئيس العدلية” بعداً رمزياً مؤثراً يتمثل في منحه لقب “الشيخ”. هذا اللقب أصبح شائعاً في التعاملات اليومية داخل المحاكم وبين القضاة والمتقاضين، على حساب الألقاب القانونية التقليدية مثل “القاضي” أو “الأستاذ”. قال القاضي سامر من ريف دمشق في هذا الصدد ما يلي:

“إن صفة رئيس العدلية هي “الشيخ”، أي إن القضاة والموظفين ينادونه بصفة الشيخ. أصبح بعض المواطنين يطلقون علينا لقب الشيخ أثناء المرافعات أو تسجيل الدعاوى. بل حتى بعض المحامين كذلك ينادونني (يا شيخ) ولا أستطيع الاعتراض على ذلك، كون صفة الشيخ هي السائدة”.

أكد القاضي مازن، والذي يعمل حالياً في محكمة جماعية في حماه، أن هذا التحول أصبح هو القاعدة لا الاستثناء:

“مصطلح الشيخ هو الأكثر تداولاً من كلمة الأستاذ، مع أنه لم يتم فرض هذا الأمر على الناس أو على الموظفين أو القضاة صراحةً. لكن بعض القضاة أنفسهم صاروا يفضلون كلمة الشيخ على كلمة الأستاذ من باب التملق للسلطة الحاكمة… حتى أنني عندما أقول لأحد إن ملفك عند الأستاذ الفلاني، يسألني باستغراب: من هو الأستاذ؟ فأضطر للقول الشيخ الفلاني”.

أما القاضي فراس، ويعمل في محكمة جماعية في دمشق، فأوضح أن هذا اللقب لا يُفرض رسمياً لكنه ينتشر بفعل الخوف والولاء:

“أما بشأن صيغة التخاطب، فالبعض ينادينا بالقاضي أو الأستاذ أو الشيخ. لكن لا يوجد أي إلزام أو تعليمات بهذا الخصوص، وهذه تختلف من شخص لآخر. غير أن بعض القضاة لجأوا إلى تربية اللحى من باب التملق للسلطة الحاكمة، ظناً منهم أنهم سيحصلون على مناصب أعلى أو يبقون في القضاء”.

من خلال هذه الإفادات يتضح أن لقب “الشيخ” بات رمزاً لسلطة عليا، ما أدى إلى تسييل الحدود بين المرجعية الدينية والقضائية. فالقضاة الذين كانوا يُعرفون بصفة “الأستاذ” باتوا يُنسبون إلى خانة “المشيخة”، الأمر الذي يغير طبيعة صورتهم أمام المجتمع ويهدد مبدأ حيادهم.

لم يتوقف الأمر عند حدود الألقاب، بل امتد إلى المظهر الخارجي نفسه. ولعل الأخطر هو أن هذه الرمزية ترافقت مع مظاهر شكلية للتدين المفروض أو المُمَثَّل، مثل إطلاق اللحى في محاولة لإظهار القرب من السلطة. وقد وصف القاضي مازن ذلك أيضاً:

“أصبح أغلب القضاة ملتحين وذلك للظهور بمظهر المقربين من السلطة… وهذا شيء يدعو للقرف، تمسيح جوخ واضح، وهؤلاء إذا تغيرت المعادلة فسيتغيرون حسب هوى السلطة الحاكمة”.

تُظهر هذه الشهادات أن انتشار لقب “الشيخ” داخل الوسط القضائي لم يعد مسألة شكلية أو لغوية فحسب، بل أصبح مؤشراً على تغيّر عميق في الثقافة المؤسسية، حيث يُستبدل بالمرجعية القانونية ألقاب ومظاهر مستمدة من المجال الديني الإسلامي. هذا التحول ينعكس على علاقة القضاة بالمجتمع والمتقاضين، ويؤثر في الطريقة التي تُدارَ بها العدلية كجهاز يفترض أن يستمد شرعيته من القانون لا من الرمز الديني.

6. الإشكاليات البنيوية في منصب “الشيخ”:

أبرز ما يجمع عليه العاملين/ات الخمسة في السلك القضائي، ممكن تمّت مقابلتهم لغرض هذا التقرير، هو أن منصب “رئيس العدلية/الشيخ” يقوم على غياب المشروعية القانونية لعدم النص عليه في أي قانون.

وبما أن قانون السلطة القضائية قد نص صراحة على منصب المحامي العام الأول، فلا يجوز إلغاؤه أو تعديله إلا بموجب قانون جديد صادر عن السلطة التشريعية. وبالمقابل، فإن منصب “رئيس العدلية” لا وجود له في أي نص تشريعي نافذ، ما يجعل القرار الوزاري بمثابة تعدي على اختصاص المشرّع وتجاوز لمبدأ تدّرج القواعد القانونية، الذي يقتضي ألا يُلغى القانون إلا بقانون، ولا يُستحدث منصب قضائي إلا بتشريع واضح ومعلن.

إن استحداث منصب “رئيس العدلية” بهذه الطريقة يعني أن جميع الصلاحيات التي يمارسها شاغلو المنصب تفتقر إلى السند القانوني، وأن قراراتهم تعدّ منعدمة الأثر لصدورها عن جهة غير ذات صفة. بل إن هذا الإجراء يفتح الباب لتفريغ القضاء من الضمانات المؤسسية التي نصت عليها القوانين السورية ذاتها، ويكرّس حالة من الفوضى التشريعية التي تهدد الاستقرار القانوني وحقوق المتقاضين/ات على حد سواء. أشار القاضي نديم من حلب، في هذا السياق، إلى خطورة ذلك بالقول:

“لا يوجد أي مرسوم أو قرار بتعيين رؤساء العدليات أو المشايخ، وبالتالي فإن أي قرار يصدر عنهم يعتبر معدوماً كونه صدر عن جهة غير ذات صفة”.

كما شدد القاضي نديم على أن رئيس عدلية حلب نفسه جاء من خلفية غير قانونية:

“تم تعيين شخص يدعى أبو جابر، واسمه أحمد. هـ، ومهنته الأصلية كانت في أعمال البناء… ثم أصبح شرعياً في النصرة، وهو الآن رئيس عدلية حلب”.

وبشكل عام، انتقد القضاة ضعف مؤهلات الكثير من شاغلي المناصب العليا، بمن فيهم رئيس محكمة النقض، حيث لا يحملون إجازة في الحقوق ولا يملكون مساراً قضائياً نظامياً، بل جاؤوا من خلفيات شرعية أو حتى مهن بعيدة تماماً عن القضاء. قال القاضي سامر من ريف دمشق:

“رئيس محكمة النقض أنس. س لا يحمل إجازة في الحقوق، لكنه كان قاضياً شرعياً في إدلب أيام النصرة… البعض يقول أنه يحمل إجازة في الشريعة”.

وهذا يخالف ما ورد في قانون السلطة القضائية رقم 98 لعام 1961 وتعديلاته ولا سيما المادة (76)، والذي يفترض ان يكون ساري المفعول، سنداً للمادة 51 من الإعلان الدستوري السوري، كونه لم يصدر أي قانون بتعديله او الغائه.

إضافة لما سبق، شكلّت مسألة الرواتب والقدم القضائي بدورها محور انتقاد متكرر، حيث جرى ربط الأجور بالمناصب فقط دون وضع اعتبار لسنوات الخدمة والخبرة. وهذا ما أحدث تفاوتاً حاداً بين قضاة حديثي العهد وزملاء لهم أمضوا عقوداً في القضاء.[3] أوضح القاضي ماجد من حمص:

“تم تعيين قضاة كمستشارين في المحاكم الجماعية بينما هم أقدم من رئيس الغرفة… راتب رئيس الغرفة أعلى من راتب المستشار رغم قدمه، وهذا يفتح باب التملق للوزير ولرئيس العدلية طمعاً في الحصول على منصب يوفر الراتب الأعلى”.

أما القاضي فراس من دمشق فقد كشف التناقض في بنية الرواتب نفسها:

“أساس راتب أي قاضٍ مهما كانت مرتبته هو 250 دولاراً… أما الفرق بين قاضٍ وآخر فيكون في طبيعة العمل والتعويض القضائي، أي بحسب المنصب لا بحسب القدم وهذا أمر غريب. فقد يعين قاضي حديث كقاضي تحقيق وراتبه 800 دولار، بينما قاضٍ بخبرة أكثر من خمسة عشر عاماً يتقاضى 650 دولاراً فقط”.

وتطرق أيضاً إلى المفارقة بين تعويضات القضاة وموظفين أدنى مرتبة مهنياً:[4]

“تعويض طبيعة العمل للقاضي الشرعي هو 175 دولاراً، بينما تعويض الكاتب بالعدل 225 دولاراً… هل يعقل أن يكون موظف يعمل وفق توجيهات القاضي الشرعي يتقاضى أكثر من رئيسه؟”.

ولا يقتصر الخلل على طريقة توزيع الرواتب فحسب، بل يمتد إلى عملة الدفع ذاتها، إذ نلاحظ تثبيت الرواتب بالدولار الأميركي بدل الليرة السورية. هذا التحول يعكس فقدان الثقة بالعملة الوطنية وغياب أي رؤية اقتصادية مستقرة، ويطرح تساؤلات حول استدامة تمويل سلك القضاة ومصادره، فضلاً عن أثره على مبدأ السيادة المالية وعلى استقلال المؤسسة القضائية.

إلى جانب هذه الممارسات، برزت تجاوزات خطيرة لمبدأ تدرج القواعد القانونية، إذ جرى إلغاء أو تعديل قوانين نافذة بتعليمات وزارية غير منشورة في الجريدة الرسمية. تحدث القاضي ماجد من حمص عن مثال واضح:

“تم إلغاء قانون اللصيقة القضائية[5]… بموجب تعليمات تنفيذية صادرة عن وزيري المالية والعدل. وهذا مخالف للقانون ولمبدأ تدرج القوانين، لأن القانون لا يُلغى إلا بقانون”.

كما أكد القاضي فراس أن العائدات الناتجة عن اللصيقة حُوّلت للخزينة العامة خلافاً للنص:

“وزارة العدل بالاشتراك مع وزارة المالية قامتا بتخصيص عائدات اللصيقة للخزينة العامة بموجب تعليمات تنفيذية… وهذا معيب جداً لأن التعليمات أضعف بكثير من القوانين”.

تكشف هذه الثغرات أن المشكلة لا تقف عند وجود منصب “الشيخ” فحسب، بل تتعداها إلى تفريغ القضاء من معايير الكفاءة، وخلخلة نظام الرواتب، وإضعاف البنية القانونية نفسها من خلال تعليمات غير معلنة. والنتيجة بنية قضائية لا تُدار بالقانون بل الولاءات، بما يكرس التبعية ويضعف الثقة المجتمعية بالنظام القضائي.

7. القضاة المنشقون وإعادة تدوير المتهمين بالفساد:

إلى جانب استحداث منصب “رئيس العدلية/الشيخ” وما رافقه من مشكلات، برزت إشكالية أخرى عميقة تتعلق بكيفية التعامل مع القضاة المنشقين من جهة، وبإعادة إدماج قضاة متهمين بالفساد من جهة أخرى. وقد شكّل هذا الملف أحد مصادر الإحباط الرئيسة لدى القضاة الذين تمت مقابلتهم، لما فيه من مساس مباشر بمعايير النزاهة والعدالة.

كشف القاضي فراس من دمشق عن حالات جرى فيها إدراج أسماء قضاة عُزلوا سابقاً لأسباب تتعلق بالفساد أو سوء السلوك، ثم أعيدوا إلى السلك القضائي بعد سقوط النظام، باعتبارهم “منشقين”:

“استغربت من عودة بعض القضاة بموجب المرسوم رقم 70 مع أنهم ليسوا من القضاة المنشقين وإنما تم عزلهم لأسباب تتعلق بالفساد وقضايا استغلال الوظيفة… لكنهم تقدموا بأسمائهم للعودة وادّعوا أنهم قضاة منشقون. ومن الأمثلة القاضي سامر. م الذي عليه تهم فساد كثيرة أثناء عمله في الزبداني”.

وأضاف:

“إنها إهانة للقضاة المنشقين عن النظام أن يتم دمج أسمائهم مع أسماء هؤلاء القضاة الفاسدين”.

كما تطرق القاضي سامر من ريف دمشق إلى إشكال قانوني آخر، حيث لم يتم إصدار مراسيم لإلغاء قرارات العزل الصادرة عن النظام السابق بحق القضاة الذين عملوا في مناطق المعارضة أو في المحاكم المدعومة من تركيا، ما يترك وضعهم القانوني معلقاً:

“كان قد صدر بحق قضاة محاكم الشمال السوري كعفرين والباب ورأس العين مراسيم عزل من النظام، وكان قد تم تعيينهم من قبل المنسق التركي… ولم يصدر أي قرار أو مرسوم بِطَيّ تلك المراسيم أو بإعادتهم إلى مناصبهم. وبالتالي هؤلاء لا يعتبرون بحكم القضاة حالياً، والقرارات التي تصدر عنهم تعتبر معدومة”.

ويضيف القاضي سامر المزيد من التفاصيل حول هذه النقطة قائلاً:

“إذا اعتُبرت مراسيم الأسد بعزل القضاة باطلة لصدورها عن رئيس فاقد للشرعية، فلماذا صدر المرسوم رقم (70) بتاريخ 4 حزيران/يونيو 2025 لإعادة القضاة المنشقين الذين لم يعملوا في محاكم الشمال إلى أعمالهم؟ إنّ هذا المرسوم يُعدّ اعترافاً ضمنياً بمراسيم العزل السابقة، إذ أعاد القضاة إلى وظائفهم القضائية، فما الذي اختلف بالنسبة للمحامين الذين كانوا قد عُيّنوا كقضاة في مناطق السيطرة التركية؟.”

وأكمل القاضي سامر:

“المرسوم الذي صدر بإعادة القضاة المنشقين تضمن أسماء لبعض القضاة لا علاقة لهم بالثورة، بل كانوا قد عُزلوا بتهم فساد وبقوا في سوريا. إدراج أسمائهم مع المنشقين أضعف مصداقية العملية كلها”.

وبحسب المصادر، فقد أوجدت هذه الممارسات شعوراً بالغبن لدى القضاة المنشقين الذين خاطروا بمناصبهم وحياتهم بمواجهة النظام، ليجدوا أنفسهم اليوم متساوين في المعاملة مع قضاة ثبتت بحقهم ملفات فساد. وبدل أن تعزز المراسيم مبدأ النزاهة، ساهمت في إعادة تدوير أشخاص غير مؤهلين، ما يقوّض ثقة المجتمع بالعدالة في سوريا ككل، وثقة القضاة النزيهين بمؤسستهم. كما أدت الممارسات المذكورة إلى استقالة إثنين من القضاة المنشقين الذين عادوا إلى العمل القضائي بموجب المرسوم رقم 70، كما ذكر أحد المصادر أعلاه.

8. انتهاك المعايير الدولية لاستقلال القضاة وحيادهم:

إضافة إلى أن الممارسات المذكورة في هذا التقرير تنتهك بعض القوانين السورية النافذة، ولا سيما قانون السلطة القضائية والاعلان الدستوري السوري الصادر في آذار/مارس 2025، فإنها تنهك أيضاً العديد من المواثيق الدولية ذات الصلة. فتعيين أشخاص في مناصب قضائية رفيعة استناداً إلى ولائهم للسلطة يخالف مبدأي الاستقلالية والحياد المنصوص عليهما في المادة (10) من الإعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948، وكذلك المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، كما تخالف ما تم النص عليه في مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشان استقلال السلطة القضائية، والتي أكدت على ضرورة كفالة الدولة لاستقلال السلطة القضائية، وعلى واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية.

إنّ تعيين أشخاص في مناصب قضائية من دون أن تتوافر فيهم المؤهلات القانونية اللازمة، ولا سيما الحصول على إجازة في الحقوق، يشكّل انتهاكاً صريحاً لمبدأي الكفاءة والاختصاص المنصوص عليهما في المواثيق الدولية. فالمادة (8) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تقرّ بحق كل فرد في اللجوء إلى محاكم وطنية مختصّة لإنصافه، كما يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على وجوب أن تُنظر القضايا أمام محاكم مختصّة. وبناءً عليه، فإن المحاكم التي يشغل فيها غير المتخصصين مناصب قضائية تفقد صفة الاختصاص. كذلك شددت المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية على هذا الشرط، حيث نصت على أنه “يتعيّن أن يكون من يقع عليهم الاختيار لشغل الوظائف القضائية أفراداً من ذوي النزاهة والكفاءة، وحاصلين على تدريب أو مؤهلات مناسبة في القانون”.

إضافة لما ذُكر، فإن تدخل وزير العدل في التعيينات القضائية، وتعديل القوانين الناظمة لشؤون القضاء وتجاوز أحكامها، من خلال إحداث مناصب قضائية غير موجودة أصلاً في قانون السلطة القضائية، وتعين اشخاص في السلك القضائي دون توفر أدنى الشروط المطلوبة بموجب القوانين النافذة، وكذلك إلغاء قانون اللصيقة القضائية بموجب تعليمات تنفيذية مشتركة مع وزير المالية، يعد تدخلاً غير مشروعاً في أعمال القضاء وتقويضاً لمبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات ولمبدأ استقلال القضاء. وقد أكدت المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، على أن “سيادة القانون تتطلب استقلال القضاء، فإذا لم يكن القضاة مستقلين، قد يواجهون صعوبة في تطبيق القانون على قدم المساواة على الفاعلين السياسيين الأقوياء أو في دعم الحقوق الديمقراطية الأساسية في مواجهة الضغوط الحكومية”.

وفي هذا الصدد، أكدت اللجنة المعنية بحقوق الانسان[6]، أن شرط اختصاص الهيئة القضائية واستقلالها وحيادها وفقاً لمدلول المادة (14) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية هو حق مطلق لا يخضع لأي استثناء. ويشير شرط استقلال الهيئة القضائية، على وجه الخصوص، إلى إجراءات تعيين القضاة ومؤهلاتهم وضمانات كفالة أمنهم الوظيفي حتى بلوغهم سن التقاعد الالزامي أو انتهاء فترة ولايتهم، إذا كانت هنالك ولاية محددة. كما لا يتسق مع مبدأ استقلال الهيئة القضائية أي وضع لا يميز فيه بوضوح بين وظائف واختصاصات السلطتين القضائية والتنفيذية، أو تتمكن فيه السلطة التنفيذية من السيطرة على السلطة القضائية أو توجيهها، ومن الضروري حماية القضاة من تضارب المصالح والتخويف.

9. خاتمة وملّخص:

يخلص هذا التقرير الموجز إلى أنّ منصب “رئيس العدلية” أو ما يسمى بالـ”شيخ” هو منصب مستحدث لا سند له في قانون السلطة القضائية السوري، استُنسخ من تجربة “هيئة تحرير الشام” و “حكومة الإنقاذ” في إدلب ثم فُرض على المحافظات بعد سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024.

لقد بات هذا المنصب يتمتع بنفوذ يتجاوز المحامي العام ورؤساء المحاكم، إذ يملك سلطة التحكم بالإجازات والتشكيلات القضائية والتنقلات، كما يقرّر منح المزايا المعيشية مثل المنازل والسيارات، ويشارك في مقابلات القضاة بما يشمل ممارسات رقابية تصل إلى مطالبتهم بلعب دور المخبر. إلى جانب ذلك، فرضت السلطة القضائية الجديدة شرط “التزكية” غير المنصوص عليه كمعيار لدخول السلك القضائي أو للترقية داخله، ما جعل الولاءات والانتماءات السابقة أولوية على حساب الكفاءة والخبرة. كما كشف الشهود الذين قابلتهم “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” عن إعادة إدماج قضاة سبق عزلهم بملفات فساد باعتبارهم “منشقين” عن النظام السابق، في مقابل تهميش قضاة ضحّوا بمناصبهم خلال الثورة.

تساهم هذه الممارسات مجتمعة في هدم مبدأ استقلال القضاء والحياد، وربط الرواتب والمناصب بالولاء لا بالقدم والخبرة التراكمية، وإضعاف ثقة المجتمع بالمؤسسة القضائية.  ويوصي التقرير بإلغاء منصب “رئيس العدلية/الشيخ”، وإلغاء شرط التزكية، وربط الرواتب بالقدم القضائي، وضمان علنية القواعد التنظيمية، ووضع خارطة طريق لإعادة بناء مجلس القضاء الأعلى وفق الأصول القانونية.

10 التوصيات:

في ضوء ما عرضته الشهادات والتحليل الوارد في هذا التقرير، يتضح أن منصب “رئيس العدلية/الشيخ” وما ارتبط به من ممارسات أفضى إلى تقويض أسس استقلال القضاء ونزاهته. وانطلاقاً من ذلك، يقدّم التقرير جملة من التوصيات الإصلاحية الرامية إلى إعادة الاعتبار للشرعية القانونية وضمان حياد المؤسسة القضائية، تتلخص بما يلي:

  • ضرورة الالتزام بالعهود والمواثيق الدولية: التي تؤكد على استقلال القضاء وحياده، وإصدار قوانين تؤكد على اعتبار تلك الاتفاقيات والمواثيق الدولية جزءً لا يتجزأ من القوانين السورية.
  • إلغاء منصب “رئيس العدلية/الشيخ”: بصفته منصباً مستحدثاً لا يستند إلى أي أساس في قانون السلطة القضائية، وما يترتب عنه من قرارات معدومة قانوناً، وحصر الصلاحيات في الأطر المحددة تشريعياً.
  • ضمان قانونية التعيينات: وقف جميع التعيينات الخارجة عن المسار القضائي المعتمد، ووضع شرطٍ صريح لامتلاك إجازة في الحقوق، وسلوك المسار القضائي الهرمي، وأداء اليمين القانونية قبل مباشرة أي عمل قضائي.
  • التقيّد بمبدأ تدرّج القواعد القانونية: التأكيد على أنّ قرارات وزير العدل أو التعليمات التنفيذية لا تملك صلاحية إلغاء مناصب نصّ عليها القانون أو استحداث مناصب جديدة غير منصوص عليها، ولا تُلغي أو تعدل قوانين لا تزال سارية المفعول كقانون اللصيقة القضائية.
  • إلغاء شرط التزكية غير المعلن: منع استخدام التزكية كشرط لدخول السلك القضائي أو الترفيع داخله، واستبدالها بمعايير شفافة قائمة على الكفاءة والنزاهة، بما يضمن المساواة بين المواطنين في تولي الوظائف العامة.
  • إعادة هيكلة نظام الرواتب: إصلاح جدول الرواتب القضائية بحيث يُبنى على القدم القضائي والمؤهلات، لا على المنصب.
  • علنية القواعد التنظيمية: إلزام وزارة العدل بنشر جميع التعليمات التنفيذية والقرارات التنظيمية في الجريدة الرسمية، مع احترام مبدأ تدرج القواعد القانونية، بحيث لا يُلغى أو يُعدل أي قانون إلا بقانون.
  • مراجعة القرارات السابقة: فتح مسار مراجعة أو طعن في القرارات الصادرة عن جهات غير ذات صفة (رؤساء عدليات، قضاة غير معيّنين بمراسيم)، بما يضمن حقوق المتقاضين ويحمي مبدأ الأمن القانوني.
  • تعزيز استقلال التفتيش القضائي: فصل التفتيش القضائي (الجهاز المنوط قانوناً بمتابعة أداء القضاة والنظر في الشكاوى بحقهم) عن أي نفوذ سياسي، ومنع إشراك غير القضاة في مقابلات القضاة أو تقييمهم، لضمان الحياد والشفافية.

[1] استناداً إلى الشهادات، تمكّن التقرير من تحديد بعض الأسماء التي تولت منصب “رئيس العدلية/الشيخ” في عدد من المحافظات وهم:

  • دمشق: علي المغربي (محامٍ سابق، مرتبط بهيئة تحرير الشام) ثم أحمد حمادة (يعمل أيضاً كقاضي شرعي أول).
  • حلب: أحمد هلال المعروف بـ “أبو جابر”، شرعي سابق في جبهة النصرة وصديق مقرب لوزير العدل الحالي. ومهنته الأصلية كانت في أعمال البناء.
  • حماة: محمد النعسان.

كما ذكرت المصادر أن المحامي العام في دمشق: شخصية خدمت سابقاً كقاضٍ لدى هيئة تحرير الشام في إدلب. وأن المحامي العام في ريف دمشق: لم يكن قاضياً رسمياً، بل كان محامياً متمرناً ثم التحق بالعمل في مناطق ادلب أثناء سيطرة جبهة النصرة على المحافظة. ولا يوجد قرار رسمي بتعيينه قاضياً.

[2] للاطلاع على طلب التزكية، أنظر نهاية الملحق الأول “طلب الاشتراك في مسابقة القبول في المعهد العالي للقضاء”.

[3] للاطلاع على جداول الرواتب، أنظر الملحق الثاني.

[4] للاطلاع على المرسوم رقم 140 لعام 2025 بشأن التعويضات المستحقة للقضاة والعاملين والتعليمات التنفيذية للمرسوم، أنظر الملحق الثالث.

[5] القانون رقم 32 لعام 2014 القاضي بإحداث صندوق مشترك لقضاة الحكم والنيابة العامة وقضاة مجلس الدولة والقضاة العسكريين وأعضاء المحكمة الدستورية العليا، والذي ألغى القانون السابق الناظم لهذا الأمر رقم 21 لعام 2016.

[6] الفقرة 19 من تعليق اللجنة المعنية بحقوق الانسان على المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

المصدر: سوريون من أجل الحقيقة والعدالة

Scroll to Top