سوريا والملف الكردي: بين الحقوق المشروعة والمشاريع العابرة للحدود

عبدالباقي جتو   

تمرّ سوريا اليوم بلحظة مفصلية من تاريخها الحديث، حيث تُطرح أسئلة كبرى حول شكل الدولة القادمة، وطبيعة العلاقة بين السلطة الإنتقالية الجديدة ومكوّنات المجتمع السوري ككل، في ظل مساعٍ لإبرام تفاهمات وطنية تهدف إلى إنهاء سنوات الصراع وبناء دولة سورية موحّدة مستقلة بعيدة عن التدخلات الخارجية الطامعة وفي قلب هذه التحوّلات، يبرز الملف الكردي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، لا لكونه ملفاً خارجاً عن السياق الوطني، بل لأنه يمسّ جوهر فكرة الشراكة والمواطنة في سوريا الجديدة.

من موقع الشعور الوطني السوري، ومن منطلق الانتماء القومي الكردي في آنٍ معاً، تبرز الحاجة إلى مقاربة عقلانية تميّز بين الحقوق المشروعة للكرد السوريين، وبين المشاريع السياسية والعسكرية التي نشأت في ظروف الحرب وتحمل أبعاداً تتجاوز الإطار السوري. فالكرد، بوصفهم مكوّناً أصيلاً من نسيج البلاد، لا يطالبون إلا بدولة تعترف بخصوصيتهم الثقافية والسياسية كشريك حقيقي لسورية الديمقراطية الحديثة وتكفل حقوقهم وحقوق كافة الأقليات الموجودة في محافظة الحسكة التي تمثل نموذجاً مصغّراً لسوريا بكل تعقيداتها، حيث يتجاور الكرد والعرب والسريان وغيرهم. وأي اتفاق لا يأخذ بعين الاعتبار هذه التعددية، ولا يوفّر ضمانات واضحة لحقوق جميع المكوّنات، سيكون عرضة للانهيار عند أول اختبار ضمن وحدة الأرض والسيادة.

وفي هذا السياق، يكتسب الحديث عن التفاهمات الجارية بين الحكومة الانتقالية والقوى الكردية أهمية استثنائية، ليس فقط لجهة ما قد تحقّقه من تهدئة آنية، بل لما تحمله من دلالات حول مستقبل العمل السياسي، ومصير التيارات الأيديولوجية العابرة للحدود، ودور الفاعلين الإقليميين، وفي مقدّمتهم حكومة إقليم كردستان، في دعم حلّ سوري–سوري يحترم إرادة السوريين جميعاً.

إن هذه المرحلة الحرجة لا تحتمل مقاربات متشنّجة أو قراءات إقصائية، بقدر ما تحتاج إلى نقاش صريح ومسؤول حول كيفية الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الدولة، ومن الولاءات الضيّقة إلى عقد وطني جامع، تكون فيه المناطق الكردية، وعلى رأسها محافظة الحسكة، نموذجاً للتعدّد والتكامل لا ساحةً لتجاذبات مفتوحة.

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top