أعاد الاتفاق الموقّع في 30 كانون الثاني، إلى جانب الاشتباكات الأخيرة في شمال وشرق سوريا (روجافا)، القضية الكردية إلى صدارة النقاشين الإقليمي والدولي، وسط جدل واسع حول توصيف ما جرى بين من اعتبره “تراجعًا” ومن رآه “مكسبًا استراتيجيًا”.
وفي حوار شامل مع Nûmedya24، تحدّث عضو القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية سيبان حمو إلى الصحفي دوغان جيهان، متناولًا خلفيات الاتفاق، وطبيعة المرحلة السابقة، وآفاق المرحلة المقبلة سياسيًا وعسكريًا، إضافة إلى إعادة الهيكلة العسكرية والوضع السياسي للكرد في سوريا.
وأكد حمو أن الحرب الأخيرة لم تكن “معركة ميدانية تقليدية”، بل “مقاومة في وجه مخطط إبادة شامل يستهدف الوجود الكردي”، مشيرًا إلى أن الاتفاق أتاح للمرة الأولى الاعتراف بالوجود السياسي والإداري للكرد في سوريا، ويمثّل مؤشرًا على الانتقال من مرحلة النضال العسكري إلى مرحلة سياسية وقانونية.
وأوضح أن الاتفاق وُضع على جدول الأعمال في 18 كانون الثاني، وجرى توقيعه في 30 كانون الثاني، ويجري العمل حاليًا على تنفيذ بنوده بدءًا من الحسكة، على أن تتواصل الخطوات في القامشلي. وقال: “نحن نرى في ذلك إنجازًا للشعب الكردي”، معتبرًا أن المخطط الذي استهدف تصفية مكتسبات الكرد “تحطّم بفعل المقاومة ودعم الشعب وتوقيع هذا الاتفاق”.
وحول توصيف الاتفاق، بين كونه “استسلامًا” أو “نجاحًا دبلوماسيًا”، شدد حمو على أن الطرف الكردي عاش قرابة 14 عامًا في حرب عنيفة ومتواصلة، وأن ما جرى في الشهر الماضي كان “صراع وجود” في مواجهة “عقلية تقوم على الإبادة الشاملة”. وأضاف أن الثبات والمقاومة في مناطق مثل الشيخ مقصود وسد تشرين والحسكة غيّرت حسابات القوى المهاجمة، وأفرزت مستوى جديدًا من التوازن، رغم استمرار المخاطر.
وفي تعليقه على تصريح القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، الذي قال بعد الاتفاق في مقابلة على Ronahî TV: “ليست هذه النتيجة التي كنت أحلم بها”، أقرّ حمو بوجود أخطاء، مؤكدًا أن لقوات سوريا الديمقراطية تقييمًا شاملًا جارٍ لنتائج المرحلة. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن “الكرد باتوا يعيشون في سوريا كمواطنين بهويتهم ووجودهم الخاص”، وأنهم “في المناطق الكردية سيعيشون بذاتيّتهم وحكمهم الذاتي، وسيحكمون أنفسهم بأنفسهم”.
وأشار إلى أن الكرد سيمثلون أنفسهم في المؤسسات الرسمية السورية ضمن نظام حصص، معتبرًا أن هذه النتائج ليست نهاية النضال، بل فرصة لتعزيز مسار الحرية والديمقراطية.
وفي ما يتعلق بالمرحلة المقبلة، أوضح حمو أن الهدف الأساسي يتمثل في “الوجود الحر للكرد، وحماية هويتهم ووضعهم السياسي”، إلى جانب المطالبة بالديمقراطية والمساواة لسوريا عمومًا. ولفت إلى أن غياب التعديلات الدستورية لا يلغي اتخاذ خطوات ملموسة، مؤكدًا الدخول في مرحلة تعزيز النضال القانوني وصياغة دستور أساسي جديد.
واعترف حمو بأن قوات سوريا الديمقراطية “لم تنجح بالقدر الكافي في المناطق العربية”، موضحًا أن التركيز خلال عشر سنوات انصبّ على تنظيم المجتمع الكردي، دون بذل الجهد نفسه في المناطق العربية، لا سيما في الرقة، حيث كانت المعركة “اجتماعية وسياسية” إلى جانب كونها عسكرية. وأكد أن هذا يستدعي نقدًا ذاتيًا علنيًا، دون تحميل المجتمع العربي المسؤولية.
وحول الانتقادات الموجّهة، قال حمو إن من حق الشعب الكردي تحميل القيادة المسؤولية، لكن دون تحويل ذلك إلى “تصفية سياسية”، معتبرًا أن وصول القضية الكردية في سوريا إلى موقع مركزي عالميًا هو نتيجة تضحيات آلاف الشهداء من مختلف أجزاء كردستان.
كما رفض توصيف مواقف بعض العشائر العربية بـ“الخيانة”، مؤكدًا أن المصالح المتبدلة تفسر تغيّر المواقف، وأن التاريخ سيكتب أن وضع الكرد في سوريا تحقق بفضل مقاومة المقاتلين.
وبشأن اتفاق 30 كانون الثاني، شدد حمو على أنه “ليس نهاية الطريق”، بل بداية جديدة، في ظل أخطار ما زالت قائمة. واعتبر أن الاتفاق فرض الاعتراف بالهوية الكردية ورفع مستوى الوحدة القومية الكردية، وهي مكاسب وصفها بـ“المقدسة”.
وأشار إلى أن الاتفاق تم تحت رقابة قوى دولية وإقليمية، لكنه شدد على أن “الضمان الحقيقي هو استمرار النضال، لا الاعتماد على الوعود”، مؤكدًا الانتقال من “حرب الوجود” إلى “معركة تثبيت الوضع السياسي للكرد في سوريا والعالم”.
وفي ما يخص الهيكلة العسكرية والأمنية، أوضح حمو أن الاتفاق تناول حتى الآن الجوانب العسكرية والأمنية فقط، ونصّ على تنظيم القوات في المناطق الكردية ضمن أربعة ألوية في ديريك، القامشلي، الحسكة، وكوباني، على أن تُجمع ألوية الجزيرة الثلاثة ضمن فرقة واحدة، بينما يكون لواء كوباني كردي الإدارة ويتبع إداريًا لمحافظة حلب. وأكد أن القوات لن تبقى داخل مراكز المدن، وأن 90% منها من الكرد و10% من السريان والعرب.
أما على صعيد الأمن الداخلي (الآسايش)، فأشار إلى أن محافظ الحسكة سيُعيَّن من قبل قوات سوريا الديمقراطية، بينما يُعيَّن مدير الأمن من قبل دمشق، على أن تكون القائمقاميات ومراكز الأمن في الحسكة والقامشلي وديريك من تعيين قوات سوريا الديمقراطية، بما يعني أن الأمن الداخلي في المناطق الكردية سيكون بيدها.
كما أوضح أن نائب وزير الدفاع سيُعيَّن من قبل قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى تعيين ممثل لها في وزارة الداخلية، مع تطبيق النظام نفسه في كوباني، والعمل مستقبلًا على تطبيق هذا النموذج في عفرين وسري كانيه بعد عودة المهجّرين.
وختم حمو بالإشارة إلى أن المرحلة الثانية من الاتفاق تتضمن الاعتراف الرسمي باللغة الكردية، والاعتراف بشهادات المدارس والجامعات في روجافا، مؤكدًا ضرورة اليقظة في مواجهة محاولات عرقلة التنفيذ، ومشددًا على أن ما تحقق يمثل “المرحلة الأولى فقط” في مسار طويل من النضال.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=83043






