ئاريان كركوكي
الإطار النظري المبدأ في مواجهة البقاء ومعضلة التبرير الأيديولوجي
عندما نتحدث عن “المبدأفي مواجهة “البقاءفي صراعات الأحزاب والسياسة، فإننا نصطدم بأقدم وأشرس معضلة عرفتها الفلسفة والفكر الإنساني. تنقسم هذه المعضلة بين المدرسة المثالية التي ترى أن الفكر السياسي منظومة أخلاقية متكاملة لا تقبل التجزئة وأن المبدأ هو الهوية والغاية، فإذا تنازل الحزب عن استقلاله التام عن الأعداء فقد مسوغ وجوده، وبين المدرسة البراغماتية الواقعية التي تعتبر السياسة فن الممكن وعلم إدارة الصراع من أجل البقاء، حيث تفقد المبادئ النظرية قيمتها إذا تم إبادة أصحابها، ليصبح استمرار شعلة القضية هو المبدأ الأسمى الذي تطاوع تحته كل الوسائل المؤقتة. وتبرز المشكلة الكبرى عندما تواجه الأحزاب معضلة التبرير الأيديولوجي وسقوط الشرعية، إذ يحدث تصادم كارثي في وعي الجماهير التي اعتادت على شعارات السيادة ورفض التبعية عندما يضطر الحزب لاحقاً للاحتماء بالعدو الذي حارب خطابه، مما يوقعه في فخ التناقض ويفقد القواعد ثقتها، ويتحول النضال من مشروع وطني إلى صفقات نفوذ ضيقة. وعندما نحاكم هذه الثنائية بمنظور التاريخ، نجد أن الحركات التي رفضت أي تكتيك معقد في لحظات الخطر القصوى تم سحقها وتحولت إلى أيقونات حزينة دون تحقيق أهدافها، بينما نجت الحركات التي استخدمت تكتيكات البقاء واللجوء لكنها دفعت الثمن غاليا جداً من استقلال قرارها لاحقاً. فكرياً، يظل نقاء المبدأ الغاية العليا المانحة للشرعية الأخلاقية، بينما تفرض براغماتية البقاء نفسها في غياب التوازن، ويبدأ التناقض الحقيقي حين ينسى الحزب أن لجوءه للعدو مجرد حالة طوارئ استثنائية مؤقتة ومذلة فيحولها إلى ارتباط عضوي تنتهي عنده صفة النضال. ومن هنا تتجسد المعضلة الكبرى في ذلك السؤال القاسي والأزلية المؤلمة: هل نكون شهداءً أنقياء بلا مبادئ ملوثة ولكننا أموات سياسياً، أم نكون أحياءً على قيد الحياة ولكننا مرتهنون لأعدائنا؟ وهو التناقض الأزلي الذي يطرحه تاريخ صراعات الشرق الأوسط والعالم بأسره.
الجانب التاريخي والتطبيقي ثلاثية الهروب الإقليمي، الارتماء الغربي، والاشتباك الميداني في مواجهة اللجوء
عندما ننتقل من التنظير الفكري إلى وقائع التاريخ وتطبيقات السياسة، تتكشف أمامنا الصورة المعقدة والمأساوية للعديد من الحركات والأحزاب والشخصيات التي واجهت خيارات قاسية للبقاء، ويمكن قراءة هذه النماذج عبر ثلاثة مسارات أساسية:
الهروب نحو الخارج واللجوء إلى كنف العدو أو الخصم الإقليمي في الشرق الأوسط
يشهد التاريخ السياسي والشرق أوسطي على نماذج حية لـ لجوء العديد من الأحزاب والفصائل والمعارضة إلى دول غير دولهم والهروب من ساحة النضال المباشر داخل أوطانهم نحو الاحتماء بالخصوم متنازلين بذلك عن جوهر الكفاح الميداني؛ ومثال ذلك توجه بعض الأحزاب والفصائل العراقية الشيعية أبان الحرب العراقية الإيرانية نحو الارتباط بإيران والتموضع في كنفها، وممارسة عمليات ميدانية وعسكرية ضد الجيش العراقي، في وقتٍ كان الأولى بهم البقاء في الوطن الواحد وممارسة نضالهم الحقيقي من أجل الحرية والإصلاح من الداخل بدلاً من الارتماء في حضن الجارة الإقليمية. وينسحب هذا التناقض على تواجد أحزاب معارضة من دول المغرب العربي كالجزائر وتونس والمغرب في حقب تاريخية مختلفة داخل دول كانت تعد معادية لفكرها وتوجهاتها السياسية هرباً من البطش، وعلى مسيرة وتواجد معسكرات حزب العمال الكردستاني في مناطق نفوذ بسوريا في مراحل محددة رغم التعقيدات والتقاطعات السياسية، وتأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال طالباني في كنف وظروف مرحلية مشابهة، وصولاً إلى مسيرة قادة كالدكتور عبد الرحمن قاسملو في محطات صراعه وسط تعقيدات إقليمية قاسية اضطرت تلك القوى للالتجاء والتنسيق هرباً من الإبادة المادية والتنظيمية التامة.
الهروب الفكري والتمويل الخفي للحركات والأحزاب اليسارية في أوروبا والغرب
لم تقتصر هذه المعضلة على الشرق الأوسط، بل امتدت تاريخياً لتشمل القارة الأوروبية والحركات الغربية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين؛ حيث سقطت العديد من الحركات اليسارية، والراديكالية، والطلابية في فخ “أدلجة التبعية”. فعلى الرغم من رفع هذه الحركات لشعار النقاء الثوري المطلق واستقلالية الفكر، إلا أن الوثائق والأرشيفات التاريخية أثبتت تلقيها دعماً وتمويلاً خفياً وإيجادها لملاذات آمنة خلف المعسكر الشرقي والاتحاد السوفيتي مثل منظمة الجيش الأحمر الألماني، فضلاً عن رحيل قيادات اليسار الأوروبي لمعسكرات التدريب في الخارج، مما أخرج نضالهم المحلي عن إطاره الشعبي البحت وأدخله في شبكة من الارتباطات المعقدة.
الرفض المطلق للارتهان: نماذج الامتداد الثوري والوجود في عقر دار المنظومة الحاكمة
في مواجهة معضلة الاختيار بين “الاحتماء بالخصومأو “الاستسلام”، تبرز نماذج استثنائية رفضت ثقافة الهروب والارتهان؛ على رأسها تشي جيفارا الذي رفض الركون للسلطة والدفء بعد نجاح الثورة الكوبية واختار البقاء عبر الامتداد الثوري المستمر متجهاً بكامل إرادته إلى جبهات القتال في أدغال الكونغو وبوليفيا ليؤكد أن بقاء الفكرة مرهون بالميدان المفتوح. ويتكامل هذا المسار مع النماذج التي اختارت طريقاً أشد قسوة ووعورة وهو إدارة النضال والبقاء الفكري من داخل المنظومة الحاكمة أو حدود دولة الاحتلال نفسها؛ وأبرزها الشاعر الوطني الكبير محمود درويش الذي أدار نضاله العميق وفعله الثقافي والوطني من داخل حدود دولة الاحتلال دون أن يغادر الأرض، إلى جانب زعماء وقادة كالدالاي لاما الذين واجهوا الضغوط من مواقع الاشتباك المباشر. لتثبت هذه النماذج مجتمعة أن حركة الصراع لا تخضع للمثالية المطلقة بل تُحكم بقانون البقاء الأقسى، متأرجحة بين الفاتورة الباهظة للارتهان بالخارج، وقسوة وثقل المقاومة المبدئية من الداخل.
الآفاق المستقبلية وتكلفة الابتزاز خطر ذوبان الأجندة الوطنية
إذا كانت المحطات التاريخية السابقة تثبت أن اللجوء والارتباط بالخارج قد يمنح الحركات الثورية والمعارضة عمرًا أطول للبقاء المؤقت، فإن قراءة المستقبل تكشف عن الفاتورة الاستراتيجية الباهظة التي تدفعها تلك الكيانات لاحقًا. إن أخطر ما تواجههُ الحركات التحررية والأحزاب السياسية عند دخولها في شبكة من التحالفات المشروطة مع الخصوم أو القوى الإقليمية والدولية هو خطر التآكل التدريجي للاستقلالية والقرار الوطني الخالص؛ فالاستمرار في كنف الدعم الخارجي يولد حالة من الاعتمادية الهيكلية التي تتحول مع مرور الوقت إلى نوع من الوصاية المقنعة.
في المدى البعيد، تفقد هذه الحركات قدرتها على صياغة أهدافها الحقيقية بمعزل عن حسابات مموليها أو الحاضنين لمقراتها، وتتساوى شيئًا فشيئًا مع الأنظمة التي ثارت ضدها في غياب الديمقراطية الداخلية والشفافية. إن التاريخ المعاصر يعلمنا أن السياسة البراغماتية غير المتبوعة ببوصلة أخلاقية واضحة تحول النضال من معركة من أجل الحرية إلى مجرد أوراق تفاوضية على طاولات الصراعات الإقليمية الكبرى. وبذلك، يظل التحدي الأبدي أمام أي حركة تحرر أو معارضة حقيقية متمثلًا في كيفية تحقيق معادلة البقاء دون أن تبيع روحها، لأن البديل الحتمي للارتهان الخارجي هو الذوبان الكامل وفقدان الهوية لصالح الأجندات الغريبة، وهو الثمن الأقسى الذي تسدده الشعوب والقضايا العادلة عندما تُقايض المبادئ بالملاذات المؤقتة.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




