صدور رواية نزيف أُسَري للكاتب عبد الباقي يوسف

لمحة عن الرواية

تتناول رواية (نزيف أُسَري) لمؤلّفها عبد الباقي يوسف حال الأسرة في ظل المستجدّات التكنولوجيّة والاجتماعيّة الحديثة، وما يمكن أن يلحق بِها نتيجة هذا الانفتاح المفاجئ والمُبهر على العالَم. وتُركّز الرواية على قانون الأسرة الذي نجم عن هذه المُستجدّات الحديثة، والذي دخل بشكله الغربي الكامل على إحدى البلدان العربية دون مراعاة للفروقات بين خصائص المجتمعات، ممّا عكس سلباً على تماسك الأسرة في ذاك البلد الذي تدور أحداث الرواية فيه، بحيث تضاعفت نسبة الطلاق بشكلٍ غير مسبوق، وأدّى ذلك إلى تفتيت العائلة، كما أدّى إلى نسبةٍ غير مسبوقة في ارتكاب جرائم قتل النساء على خلفية الخلافات العائلية. وقد شرحتْ الرواية بعض الحالات التي يمكن أن تؤدّي إلى ارتكاب مثل هذه الجرائم، وذلك من خلال بطل الرواية (إدريس) الذي يتعرَّض للسجن لمدّة عشرين سنة بسبب قتله لزوج أخته بشكلٍ متسرّع، وتعرّفه على مجموعةٍ من المساجين الذين سُجنوا بسبب ارتكاب جرائم قتل الزوجات نتيجة خلافات عائلية ولجوء الزوجة إلى قانون الأسرة. وتُبيِّن الرواية بأن عدم انتقاء العاملين في هذا القانون الأُسَري من شرطة وقضاة بشكلٍ دقيق، قد يؤدّي إلى تصعيد هذه الخلافات بدل التخفيف منها، وبالتالي يؤدّي إلى الطلاق، وفي بعض الحالات إلى ارتكاب جرائم القتل، نتيجة محاولات انتقام المرأة من الرجل بعد الطلاق، وتأجيج أولاده الذين هم في حضانتها عليه، وقطع صلة الرحم بينهما، وتجد المؤازرة من بعض العاملين في هذا القانون الذين يتدخّلون في صميم هذه العلاقة الأُسَرية بدون حكمة، وكذلك من بعض المُحامين السلبيين الذين يمكن أن يستغلّوا مثل هذه الانفعالات للمرأة ويطلبوا منها أن تدلي بأمورٍ لم تحصل على أرض الواقع من أجل الحصول على أحكامٍ قضائيَّة بحقّ الزوج، وقد يؤدّي ذلك كما يرد في سياق أحداث الرواية إلى ردود أفعال متسرّعة من الأزواج، ثم إلى تفاقم جرائم القتل بين الأزواج. ونرى في الرواية حساسيّة وخطورة استخدام هذا القانون الأُسَري في بلاد الغرب: (هذا قانون حسّاسٌ جدّاً، لا يُستخدَم إلّا في ظروفٍ طارئة تكون نسبة الخطورة فيها في أقصى درجاتها، مثل بعض الأنواع من الأدوية، لا توصف إلّا لمرضى أصبحوا في درجات متقدّمة من الخطورة، فتعطي مفعولها الإيجابي المُباشر على المريض. وهم لا يقتحمون البيوت كرجال شرطة مدجّجين بالأسلحة، بل يطرقون الأبواب بلطفٍ، ويدخلون البيوت كمصلحين اجتماعيين، يعوّلون بالدرجة الأولى على الكلمة الطيّبة والموعظة الحسنة، يحافظون بكل إمكاناتهم على تماسك العائلة، وينأون بأنفسهم عن التدخّل في تفاصيل خاصّة بين الزوجَين، يُحاولون أن يَخرجوا من البيت وقد تركوا الزوجَين في حالة صلح، أو خفّفوا من نسبة الاحتقان بينهما، دون أن يأخذوا الأب إلى المركز، يتحدَّثون معه بود واحترام لأنّه ربّ أسرة وهم في بيته، ويتجنَّبون أن يكون النقاش بحضور الأبناء، وحتى في أقصى درجات الخلاف، لو أخذوه، فإنَّهم في المركز يسعون للإصلاح بينه وبين زوجته تجنّباً لإحالتهما إلى القضاء، لأنهم يُدركون بأن إحالتهما إلى القضاء، يكون بمثابة تفتيتٍ للعائلة وتشريدٍ للأولاد. فهم شرطة خاصّة يكونون من المصلحين الاجتماعيين، أكثر مما همّ من الشرطة العامّة، وكل شيءٍ في انتقائهم يكون مدروساً، فحتى وجوههم تكون مسالِمة وتبعث على الأريحيّة، لأنَّهم سوف يذهبون إلى بيوتٍ زوجية في وقتٍ يكون فيه الزوجان في حالة توتّر، فيسعيان إلى تخفيف حالة التوتّر بينهما، وهم يعلمون بأن التدخل التعسّفي يمكن أن ينجم عنه ردّ فعل من الرجل، ولذلك لا يتسبّبون بقتل زوجةٍ واحدة، وإن تسبّبوا، فإن المدير العام لجهاز العنف الأُسَري سيُقدّم استقالته لأنّه سيعتبر نفسه مسؤولاً عن قتل تلك الزوجة، وتلك الأم، فهم يكونون مِن نُخبة المصلحين الاجتماعيين والتربويين، وأكثر فئات الشرطة حكمةً وسلماً. ولا يأتون لمجرّد اتّصال امرأة بهم وهي في حالة غضب، فيتأنّون حتى لو اتّصلت بهم للمرة الثانية لعلّها تهدأ وتغيّر رأيها.

ولذلك هم أقل مراكز الشرطة عملاً، ونادراً ما يتواجد زوجان عندهم، لأن المرأة هناك وحفاظاً على تربية أولادها، لا تُدخل الشرطة إلى بيتها كي يعتقلوا أباهم أمام أعينهم، إلّا في حالاتٍ طارئة جدّاً، ولا يوجد محام هناك يطلب من الزوجة أن تخدش نفسها، أو تفتعل شجاراً مع زوجها، كي يضربها، فتتّخذ من ذلك ذريعةً لإدخال الشرطة إلى بيتها، وحتى لو قدَّمت الصور والتقرير بالعنف، فإنّه لا يقدّمها للقضاء حتى يتحقّق من صحّتها بنسبة مئة بالمئة.. في بلاد هذا القانون، إذا أوقفوا شخصاً بسبب اعتدائِه على زوجته بعد التحقّق تماماً وجمع الأدلّة الدامغة، لنفرض شهرين أو ستة شهور، سوف يعطون الرواتب لأفراد عائلته لأنّهم يكونوا قد سَجنوا مُعيلَهم. أمّا نحن فقد وجدنا أنفسنا فجأةً أمام آلاف العائِلات التي أصبح معيلوها في السجون، وانقطعت عنها مصادر رزقها، لأن رجلاً قد صفع زوجته صفعةً، أو صفعتَين بسبب خلافٍ نشب بينهما، أو نرى أطفالاً قد تشرَّدوا ولبثوا دون معيل، لأن الأب قتل الأم بسبب التدخّلات السافرة لهذه الشرطة في صلب علاقته العائلية، وأودع في السجن). وفي موضع آخَر: (هذا القانون الوضعي جاء ضمن منظومة متكاملة مع بعضها بعضاً بعد دراسات مستفيضة، كي يتم تطبيقه ضمن منظومته، لكننا اجتزأناه من منظومته المتكاملة، وأقحمناه على منظومةٍ غريبةٍ عنه ومتنافرة منه، كأنك تضع لشخصٍ دماً من زمرةٍ مختلفة عن زمرته الدموية، عندها بدل أن يتعافى الجسد، فإنّه يُصاب بالتسمّم وتتفاقم عليه التداعيات حتى تقتله، فلا يمكن أن تنسجم الزمرتان في جسدٍ واحد بأيّ حالٍ من الأحوال، ولكننا نصرّ بعنادٍ شديدٍ على انسجام الجسد مع الزمرتَين المتناقضتَين رغماً عنه.

كل شيءٍ في منظومة هذا القانون يختلف عن منظومتنا الاجتماعية، لأنه كما قلت لك جاء نتيجة دراسة دقيقة وعميقة آخذة بعين الاعتبار كل المفرزات التي يمكن لها أن تنجم عنه عند تطبيقه، وبالتالي تم وضع حلولٍ ملائمة لتلك المفرزات، إضافةً إلى ذلك، فإنه مُنسجمٌ مع طبيعة مجتمعهم، وطبيعة أنظمتهم، مثل: تداول السلطة، تأمين فرص العمل للعاطلين عن العمل، إعطاء رواتب للعاطلين عن العمل سواء أكانوا من تلك البلاد أو من اللاجئين فيها، الضمان الصحّي، العادات والتقاليد الاجتماعية، الثقافة، محو الأمية، والمرأة هناك لا تخدش نفسها وتدّعي بأن زوجها فعل ذلك كي تبتزّه في بيته، أو في النفقة، أو تقطع صلة رحمه بأولاده).

 

لكن إلى جانب هذه الشخصيّة السلبيّة للمرأة التي تظهر في الرواية، كذلك تظهر شخصيّة المرأة الإيجابيّة من خلال (هناء) زوجة بطل الرواية، لكنّ الأذى يطالها هي أيضاً نتيجة تداعيات هذا القانون، واستخدامه بشكلٍ خاطئ من قِبَل بعض الزوجات، وبعض المحامين، وأيضاً بعض العاملين في هذا السلك الحديث، فعندما يتلقّى زوجها الحكم بالسجن لمدَّة عشرين سنة، وتكون على وشك الولادة بابنتهما الأولى (أناهيد)، تضطّر بعد سجنه بنحو سنتَين إلى الزواج كي تُحافِظ على ابنتها، وتشرح هذا الواقع الذي رأت نفسها فيه لزوجها عند زيارتها له في السجن، فيُلبّي لها مطلبها بالطلاق بعد أن يقتنع بوجهة نظرها.

الرواية مليئة بالأحداث التي يتم توظيفها بشكلٍ دقيقٍ ومتناسقٍ مع الفكرة العامّة لها، كما أنَّها غنيَّة بشخصيّاتها المُختلفة، فنتعرَّف عليها ونتفاعل معها كما لو أنّنا نراها بملامحها، وحركاتها، ومزاياها، بسلبيّاتها، وإيجابياتها. نزيف أُسَري، تعطي صورة عن الواقع الحديث الذي يعيش فيه الناس في ذاك البلد المجهول الجغرافيا في الرواية، وتسلّط الضوء على النزيف الذي أصاب الأُسرة فيه، وكأنَّها من خلال بعض الأحداث الخياليَّة الرمزيّة إلى جانب ربطها ببعض الأحداث الواقعيَّة، تقول بأن هذا النزيف الداخلي إذا أُصيبَت به الأُسرة، يمكن له أن يستفحل ويتحوَّل إلى سَرَطانٍ يتسرَّب إلى كافة أنحاء جسد الأُسرة في حال تجاهله. فنرى زوجة تُقتَل على يد زوجها في إحدى المطاعم، ويبقى دمها ينزف ويجري في الشارع الطويل دون توقّف، وعندما يتم إسعافها، يبقى الدم ينزف رغم كل محاولات الأطبّاء في المستشفى إلى إيقافه، فيسيل الدم في ردهات المستشفى، ثم أن زوجها يتحوَّل إلى كائنٍ لا مرئي أمام أنظار الناس بعد تنفيذ الجريمة. وكذلك نرى شخصيّة مرهج الذي يقتل ألف امرأة في عمليات قنص ويؤازره في ذلك بعض الأشخاص المجهولين، ونتيجة ذلك تخلو شوارع المدينة من النساء، لأنّه كان يصطاد ضحاياه من النساء في الطرقات، أو على شرفات بيوتهن: (ظاهرة قنص النساء سواء في شرفات بيوتهن، أو في الشوارع، ولم يكن أحد يعلم مَن الذي يفعل ذلك، بُثَّ الذعر بين النساء، وبقينَ في بيوتهن، والعاملات منهن توقَّفن عَن العمل. واستمرَّ ذلك أربعة أشهر، ولم نعد نرى امرأة واحدة في شوارع المدينة كلّها، ولم يكن بوسع أحدٍ أن يرى امرأةً على شرفة بيت، بل لم نكن نسمع صوتاً لامرأة من أحد البيوت ونحن نمرّ في شوارع الأحياء الشعبيّة، وامتنعت النساء عن قيادة السيّارات، بل عن ركوب السيّارات، بعد حالات قنص عديدة على بعض النساء وهنّ يقدن سيّاراتهن، أو وهنّ يركبن السيّارات، وكذلك امتنعت النساء عن فتح أبواب بيوتهنّ خوفاً ورعباً من تلقّي رصاصة وهنّ يفتحن، ولم تكن امرأة تفتح باباً مهما توالى الطرق عليه، فكان الرجل هو الذي يفتح الباب عند الطرق عليه، وصار كل رجل من البيت سواء أكان كبيراً أو صغيراً يحمل مفتاحاً للبيت معه عندما يخرج، كي يفتحه دون أن يطرق الباب عندما يعود في حال بقاء المرأة لوحدها في البيت. وكانت شرطة العنف الأُسَري أيضاً قد توقَّفت عن عملها، لأنَّها لم تكن تتلقّى اتّصالاً من امرأة، أمّا إذا كانت المرأة تتعرَّض للمرض، فكنّا نجلب الأطبّاء إلى بيوتنا لعلاجها خوفاً من تلقّيها رصاصةً أمام باب البيت، أو أمام عيادة الطبيب. ويُقال بأن بعض الرجال كانوا يرونه وهو يقوم بالقنص بمسدّسه الكاتم للصوت، ولكنهم كانوا يتغاضون النظر عنه، وكان بعض الرجال يزوّدونه بمبالغ مالية بطرقٍ غير مباشرة، حتى لا يشي بهم إذا أُلقي القبض عليه).

رواية مليئة بالأحداث التي تبيِّن العداء الشديد نحو المرأة، حتى أن أحد الشخصيات يقول بأنّنا عدنا إلى وأد النساء ولكن بشكله الحديث من خلال قانون الأسرة، فالجميع في الرواية يحرّضها ويؤّجّجها على التصعيد بشكلٍ همجي سواء من الأبوَين، أو الأخوة، أو الأقرباء أو الجيران، أو شرطة العنف الأُسَري، أو المحامين، أو القضاة لمجرّد نشوب خلاف بسيط بينها وبين زوجها، بل حتى المرأة التي سبق لها أن طُلِقَت من خلال المحكمة، تستدرج نساءً أُخريات إلى قانون الأسرة كي يحصلن على الطلاق، مثل الجارة رامية التي تستدرج جارتها وتؤّجّجها على زوجها: (يا جاري العزيز، رأيتُ جارتنا المطلَّقة رامية تدخل إلى بيتك أكثر من مرة، أنصحك يا جاري لتبتعد زوجتك عنها، هذه مُطلَّقة محاكم، ولا أحد يُدخلها إلى بيته، ولا أحد يسمح لزوجته أن تعقد معها علاقة، ويُخاف منها أكثر من أيّ امرأةٍ أخرى، فهي اعتادت على المحاكم، ويمكن لها أن تستغلّ خلافاً ينشب بين زوجةٍ وزوجها، فتستدرج الزوجة في لحظات الانفعال تلك إلى المحاكم كي تُصبح مثلها، وكلّما تستدرج امرأة، تبحث عن غيرها، هذه يا جاري جرثومة مسرطنة تمشي على الأرض وتدخل البيوت، وسبق لها أن تسبَّبت في طلاق زوجتي عن طريق المحاكم، زوجتي التي كانت تخاف عندما كانت ترى شرطيّاً، أفسدتها وجَعَلَتها تعتاد على المخافر وعرَّفتها على المحامي الذي سبق أن أوكلته مرَّتَين في طلاقها من زوجَيها السابقَين، التقيتُ به مرّة، ثم سألتُ عنه فقيل لي بأنّه يبتزّ النساء، وسمعته الأخلاقيّة مشبوهة، وهو الذي تسبَّب في طلاق عشرات النساء، أحذّرك من هدّامة البيوت هذه لأنّني أعرف بأنك رجلٌ طيِّب وبعيد عن المشاكل).

رغم أنّ الجميع يعرف بأن هذا التحريض التعسّفي سوف يؤدّي إلى مقتلها على يد زوجها، ولكن لا يسلم هؤلاء أيضاً من انتقام الزوج، فنرى في السجن بعض هؤلاء الذين لم يكتفوا بقتل الزوجة فقط، بل نرى مقتل الأبوَين معها، أو الأخوة، أو الأولاد، أو المحامي، أو آخَرين، وكذلك نرى الكثير من جرائم قتل النساء تقع بسرّية وغموض دون كشف القاتل، مثل طبيب الأسنان الذي قال بأن زوجته الثانية انتحرت نتيجة رمي نفسها من الطابق الأعلى في البيت، أو تعرّضها للحرق وما إلى ذلك من الأشكال التي تبدو كما لو أنّها انتحرت من تلقاء نفسها.

صدرت الرواية عن دار اسكرايب للنشر والتوزيع في القاهرة في شهر ديسمبر 2025 ووقعت في 218 صفحة على ثمانية فصول على النحو التالي:

الفصل الأول

(نجوى)

(قعر جب)

(ضريبة المهجع)

(رائحة الزوجة)

 

الفصل الثاني

(إشراقة أناهيد)

(زيارة هناء)

 

الفصل الثالث

(ثمن الحماقة)

(خالد)

(طاهر)

(نجاة ابن أخت الضابط)

(طبيب الأسنان وزوجته الثانية)

(عنف اكتئابي)

(شغلها الشاغل)

 

الفصل الرابع

(غسان)

(اغتيال الهيبة)

(خطيب)

(الحصانة)

(حكمة فاتح)

(الشرخ)

 

 

الفصل الخامس

(الدفتر)

(معاذ)

(حمية الحريّة)

(منام الشاهد)

 

الفصل السادس

(فرصة الصفر)

(آمال)

(مأساة عقيل)

(ظاهرة مرهج)

(تحرّش مضاض)

 

الفصل السابع

(عنف لفظي)

(اعتصام)

(ضحكة المحافظ)

(التوأمان)

 

الفصل الثامن

(زيارات عيديّة)

(خروج مختلف)

(ليلة ثريّة)

 

 

Scroll to Top