د. محمود عباس
فعلى هذا المنطق السطحي نفسه، منطق خزعل الماجدي، ينبغي أن يُحرم العرب من الانتساب إلى الخلافات الأموية والعباسية والفاطمية، لأنها لم تقم باسم “الإمبراطورية العربية” بالمعنى القومي الحديث، بل باسم الخلافة، والدولة الإسلامية، والأمة الدينية. فإذا جاز لبعض المؤرخين العرب والمستعربين نفي صلة الكورد بالإمبراطورية الميدية أو الميتانية أو الدولة الأيوبية بحجة اختلاف الأسماء التاريخية، فبالمنطق ذاته يمكن نفي الصفة العربية عن الإمبراطوريات الإسلامية؛ فالأمويون عُرفوا باسم بني أمية، والعباسيون باسم بني العباس، والفاطميون باسم الفاطميين، والعثمانيون باسم آل عثمان، لا باسم القومية العربية أو التركية كما تُفهم اليوم. وكذلك لا يمكن اختزال الصفويين أو القجاريين أو حتى الساسانيين في قومية واحدة بالمعنى الحديث؛ فهذه كلها تكوينات سلطوية وسلالية وإمبراطورية، تعددت فيها الشعوب واللغات والمناطق، ولم تكن دولًا قومية كما يتصورها خطاب اليوم.
ومن هنا يمكن أن نقارن الإمبراطورية الميدية بالإمبراطورية الأموية، والإمبراطورية الميتانية بالإمبراطورية العباسية، والدولة الأيوبية بالخلافة الفاطمية أو العثمانية؛ فهذه الكيانات جميعها عُرفت بأسماء سلالات أو بيوت حاكمة أو عناوين دينية–سياسية، لا بأسماء قوميات حديثة. فإذا كان اختلاف الاسم كافيًا لنفي امتداد الكورد إلى تلك التكوينات القديمة، فإن المعيار نفسه يسقط حقهم في احتكار الإمبراطوريات الإسلامية وإلباسها ثوبًا عربيًا خالصًا.
بل إن ما حفظ لتلك الإمبراطوريات صفة الامتداد الرمزي لم يكن العرق العربي، بل سلطة لغة النص القرآني، وهيمنة العربية بوصفها لغة الدين والإدارة والفقه والسلطة. ولولا هذه السلطة الرمزية والدينية، لربما ذابت أسماء تلك الإمبراطوريات في ذاكرة سياسية أوسع كما ذابت أسماء سلالات وإمبراطوريات أخرى. كما أن الدول العربية الحديثة نفسها لم تظهر بصيغتها الراهنة إلا بعد انهيار الدولة العثمانية، وتدخل الاستعمارين الفرنسي والبريطاني في رسم حدود المنطقة وفق مصالحهما، لا وفق إرادة شعوبها أو امتدادها التاريخي الطبيعي.
أما ما ازدهر داخل تلك الإمبراطوريات من علم وفلسفة وترجمة وإدارة، فلم يكن نتاجًا عربيًا صرفًا، بل ثمرة فضاء واسع شاركت فيه شعوب آرامية، وسريانية، وفارسية، وكوردية، وقبطية، وبربرية، وتركمانية، وهندية، وغيرها. بل إن كثيرًا من ذلك النهوض قام فوق ركام حضارات سابقة ابتلعتها الغزوات العربية–الإسلامية، ثم أعادت توظيف بقاياها تحت اسم الدين والسلطة.
وهنا تتضح المفارقة الفاضحة: حين يتعلق الأمر بالكورد يصبح تغيّر الاسم أو تعدد المراحل التاريخية ذريعة لنفي الامتداد الحضاري؛ وحين يتعلق الأمر بالعرب يتحول اختلاف الأسماء إلى تفصيل عابر، وتُستعار إنجازات الإمبراطوريات الدينية–السياسية لتُقدَّم بوصفها تاريخًا عربيًا خالصًا. فهم يرفضون ربط الكورد بالميديين، والحوريين، والميتانيين، والساسانيين، بحجة اختلاف الأسماء أو تعقّد الامتداد التاريخي، لكنهم في الوقت نفسه يربطون العرب بكل ما سبق الإسلام وما بعده، من الأراميين والكلدانيين والبابليين إلى الأمويين والعباسيين والفاطميين، وكأن التاريخ كله وُلد ليصبّ في النهر العروبي. وهذه ليست منهجية علمية، بل انتقاء أيديولوجي يقطع السلسلة حين تخدم الكورد، ويمدّها بلا حدود حين تخدم العروبة.
إن الأمة ليست اسمًا جامدًا يتكرر بحرفيته عبر آلاف السنين، بل تراكم جغرافي ولغوي وثقافي وسكاني. والكورد، بهذا المعنى، لا يحتاجون إلى إذن من مؤرخ مأزوم ليثبتوا علاقتهم بجغرافية زاغروس وميزوبوتاميا العليا، ولا إلى شهادة من قومي عروبي ينكر على الآخرين ما يمنحه لنفسه بلا دليل. فوجود الشعب الكوردي أقدم من الدولة الحديثة، وأعمق من الخرائط التي رسمها الاستعماران الفرنسي والبريطاني، وأرسخ من محاولات الذين يريدون قياس التاريخ كله بمسطرة الاسم السياسي الحديث.
وعلى منهج هؤلاء، لن يبقى هناك وجود للعرب بعد الإسلام إلى قبل الدول العربية الحديثة التي تشكلت بعد انهيار الدولة العثمانية وتدخل الاستعمارين الفرنسي والبريطاني في رسم الحدود. أما قبل ذلك، فهناك قبائل عربية، وخلافات إسلامية، وسلطات دينية–سياسية، وفضاء حضاري متعدد الشعوب، لا يحق لأحد اختزاله في قومية واحدة. فإذا كان هذا المنهج يُطبَّق على الكورد، فليُطبَّق على الجميع؛ وعندها سنكتشف أن أكثر ما يتبجحون به ليس تاريخًا عربيًا خالصًا، بل تاريخ شعوب كثيرة صودر باسم العروبة بعد أن كان قد صودر من قبل باسم الخلافة.
ومن السذاجة المنهجية ذاتها ما يفعله بعض المتطفلين على التاريخ، حين يتعاملون مع خرائط الجغرافيين المسلمين كما لو كانت خرائط طبوغرافية حديثة، مرسومة بإحداثيات دقيقة وحدود سياسية ثابتة. فقد خرج الدكتور محمد بهجت القبيسي، الذي يُقال إنه مختص في التاريخ والصوتيات، في حوار تلفزيوني بعنوان: «أصل الأكراد وموطنهم الأصلي»، متحدثًا عن كتاب يزعم أنه كتبه قبل خمس عشرة سنة ولم ينشره، ثم اضطر، كما يقول، إلى نشره اليوم لأن الكورد “احتلوا الأراضي العربية”. ومنذ هذه العبارة وحدها تتكشف الخلفية الأيديولوجية التي تحكم خطابه؛ فهو لا يدخل التاريخ باحثًا عن الحقيقة، بل يدخل إليه محمّلًا بحكم مسبق، يريد إثباته ولو على حساب المنهج والمعرفة والمنطق.
لقد قدّم في ذلك الحوار خليطًا من المعلومات المهترئة، والمفاهيم الساذجة، والتأويلات التي لا يجرؤ حتى المبتدئون في كتابة التاريخ على إطلاقها بهذه الخفة. تحدّث عن أصل الشعب الكوردي، وعن زمن ظهوره، وعن التقسيمات القبلية، وعن الجغرافيا، بطريقة تكشف إما ضحالة معرفية مؤلمة، أو تعمّدًا في إنتاج الضحالة لخدمة غرض سياسي. وما يثير الغرابة ليس أن يصدر مثل هذا الكلام من شخص عابر، بل أن يصدر ممن يقدّم نفسه بصفة “دكتور” في التاريخ والصوتيات، ثم يتعامل مع اسم شعب، وجغرافيا عميقة، وتاريخ متراكم، كما لو أنه يعالج حاشية لغوية في هامش كتاب.
يتبع …
الولايات المتحدة الأمريكية
1/6/2026 م











