د. محمود عباس
ليست المشكلة في خطاب الدكتور محمد بهجت القبيسي أنه يخطئ في قراءة شاهد هنا أو هناك، بل في المنهجية التي تحكم قراءته كلها. فهو لا ينظر إلى التاريخ بوصفه تراكمًا معقدًا من النصوص والتحولات والأزمنة والسكان، بل يتعامل معه كصيدٍ انتقائي، يقتطع حادثة من سياقها، أو يستدعي تسمية جزئية، أو يستنطق شاهدًا عابرًا، ثم يحمّله ما لا يحتمل، ليخرج منه بحكم سياسي جاهز يراد به نفي الكورد من جغرافيتهم، وتجريدهم من حقهم التاريخي. وهنا لا نكون أمام بحث، بل أمام عنف معرفي يتسلح بالتاريخ ليستخدمه ضد شعب كامل.
ومن هذه المنهجية نفسها جاء توظيفه المختصر لخريطة ابن حوقل. لكن الإشكالية هنا لم تعد في الخريطة ذاتها، فقد قيل فيها ما يكفي، بل في الطريقة التي يجري بها تحويل وثيقة جغرافية وصفية من القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي إلى صك ملكية سياسي، أو حكم نهائي على وجود أمة في أرضها. فالقبيسي لا يقرأ الشاهد ليضعه في سياقه، بل يفتش فيه عما يخدم رغبة مسبقة في النفي. وهكذا تصبح الخريطة القديمة أداة حديثة لتسليح الجغرافيا ضد أصحابها، لا وسيلة لفهم التاريخ.
لكن الأخطر من ذلك يظهر حين ينتقل من الخرائط إلى الأخبار الإمبراطورية، فيستدعي وصول مبعوث روماني إلى نصيبين، أو ما يتصل بإقليم بيت عربايي/أربايستان، ليحوّل الواقعة إلى دليل على امتداد “الجغرافية العربية” حتى آمد. وهنا تتكرر الحيلة ذاتها، ولكن بصورة أكثر فجاجة: تسمية إدارية أو كنسية أو إقليمية في شمال ما بين النهرين تُسحب من سياقها التاريخي، ثم تُلبس هوية قومية حديثة، ثم يُبنى عليها نفي وجود الكورد.
ولو سُلِّم جدلًا بوجود جماعات عربية في بعض أطراف نصيبين أو في الإقليم الذي سمّته بعض المصادر بيت عربايي، فإن السؤال الجوهري يبقى، لماذا لم تتحول نصيبين ولا آمد ولا الحواضر المجاورة إلى مدن ذات صبغة عربية راسخة، لا قبل الإسلام ولا في العصور اللاحقة؟ ولماذا بقيت هذه الجغرافيات محتفظة بأسمائها وبنياتها وتحولاتها المعقدة، بدل أن تغدو شاهدًا حيًا على تلك “العروبة الأصلية” التي يريد القبيسي إسقاطها عليها؟ هنا تنكشف الفجوة بين الوجود الجزئي العابر وبين الجغرافيا التاريخية الفعلية. فليس كل من مرّ بأرض صار صاحبها، ولا كل تسمية إدارية أو حضور محدود يكفي لتحويل مدينة إلى هوية قومية مكتملة. وهذا هو الفارق بين من يقرأ التاريخ ليفهمه، وبين من يفتش فيه عن ذريعة لنفي شعب كامل من أرضه.
ومن الباب ذاته تأتي مسألة الإمبراطور الروماني ماركوس يوليوس فيليبوس، المعروف في بعض الكتابات الحديثة باسم “فيليب العربي”، والذي حكم روما بين عامي 244 و249م. فقد حوّل الخطاب العروبي هذا اللقب إلى مادة دعائية، وكأنه دليل على وجود إمبراطور عربي بالمعنى القومي الحديث، بل وكأنه شاهد على تاريخ عربي سابق للإسلام في جغرافيات لم تكن عربية في بنيتها السكانية أو الحضارية. والحقيقة أن فيليب كان إمبراطورًا رومانيًا كامل الصفة، يحمل اسمًا لاتينيًا، وينتمي إلى المؤسسة العسكرية والسياسية الرومانية، أما نسبته إلى “العربية” فمرتبطة بالمنشأ الجغرافي أو بالمقاطعة الرومانية المعروفة بالعربية البترائية، لا بإثنية عربية قومية كما تُفهم اليوم. وهنا تتكرر الحيلة ذاتها، تحويل توصيف جغرافي أو إداري قديم إلى هوية قومية حديثة، ثم استخدامه في صناعة أوهام تاريخية لا تسندها الوقائع.
وعلى المنهج نفسه، فإن الحديث عن مرور مبعوث روماني في نصيبين، أو عن ارتباطه بما سُمّي “أرابايا”، لا يثبت شيئًا من الذي يريده القبيسي. فالإمبراطوريات تتحرك عبر الرسل والجيوش والأسواق والعقود، وهذه الحركة لا تغيّر هوية الأرض الإثنية بمجرد مرورها بها. كانت نصيبين وآمد جزءًا من مجال تنازع إمبراطوري واسع بين روما والدولة الساسانية، وكانت المدن الكبرى في تلك المنطقة عقدًا جغرافية وعسكرية وتجارية، لا لافتات قومية جاهزة يمكن إسقاط معاني القرن العشرين عليها.
وهنا ينبغي التذكير بما يتجاهله القبيسي عمدًا: أن آمد في تلك الأزمنة لم تكن تُعرف أصلًا باسم ديار بكر، بل كانت تُعرف في المصادر القديمة باسم Amida/Āmid. أما ارتباط المدينة وناحيتها باسم ديار بكر فجاء لاحقًا، بعد الفتح الإسلامي، ضمن سياق التسمية الإدارية العربية للإقليم، ونسبةً إلى قبيلة بكر العربية التي أُلحق اسمها بالمنطقة اسميًا أكثر مما ثبت لها حضور ديمغرافي راسخ في هذه الجغرافيا الكوردية، وبخاصة في مدينة آمد نفسها. فالتسمية التي فرضتها سلطة سياسية لاحقة لا تكفي لتغيير هوية الأرض، ولا تصلح دليلًا على عروبة المدينة أو محيطها.
أي إن القبيسي لا يكتفي بإسقاط القومية الحديثة على الأزمنة القديمة، بل يخلط أيضًا بين طبقات تاريخية مختلفة؛ فينقل اسمًا متأخرًا إلى زمن سابق، ثم يبني على هذا النقل الملتبس استنتاجًا جغرافيًا وقوميًا. وهذا ليس تأويلًا ضعيفًا فحسب، بل خطأ منهجي فادح.
وليس هذا إلا وجهًا من وجوه الوهم العروبي المتأخر، الذي يتعامل مع الجغرافيا كما لو أنها ثابت قومي جاهز منذ الأزل. والحقيقة أن كثيرًا من الجغرافيات التي تُقدَّم اليوم على أنها عربية خالصة دخلت في العروبة السياسية والثقافية لاحقًا، بفعل الدين واللغة والإدارة والسلطة والدولة، لا لأنها كانت كذلك، منذ البداية، في كل بنيتها السكانية والتاريخية. أما الجزيرة العربية، بمعناها الأصلي الواضح، فشيء، وتوسعات العروبة السياسية والثقافية اللاحقة في الشام والعراق والجزيرة الفراتية وغيرها شيء آخر. ومن المفارقة أن أكثر من يتبجحون بهذه العروبة التوسعية ليسوا دائمًا العرب الأصلاء، بل أولئك المستعربون الذين يحاولون إخفاء هشاشة انتمائهم بالصوت العالي وبإنكار تاريخ غيرهم.
يتبع…
الولايات المتحدة الأمريكية
1/6/2026م











