مسلم شيخ حسن – كوباني
لم تؤسس الأحزاب الكردية عام 1957 لكي ترتدي نائبة كردية الزي الكردي تحت قبة مجلس الشعب، أو تلقي كلمة شكر باللغة الكردية لأعضاء المجلس، ثم يسوق ذلك على أنه إنجاز سياسي أو انتصار تاريخي للشعب الكردي. فالقضايا القومية الكبرى لا تقاس بالمظاهر الرمزية ولا تختزل في صور بروتوكولية، مهما كانت أهميتها المعنوية.
أما التصفيق الذي حظيت به النائبة من بعض أعضاء مجلس الشعب، فهو لا يمثل اعترافاً بالحقوق القومية للشعب الكردي ولا يشير إلى تغيير حقيقي في السياسات التي حكمت هذه القضية لعقود. فالحقوق لا تنتزع بالتصفيق ولا تستعاد بالمجاملات السياسية وإنما تترجم إلى نصوص دستورية وتشريعات عادلة، وإرادة سياسية تعترف بالشعب الكردي شريكاً أصيلاً في الوطن.
لو كانت مطالب الشعب الكردي تتمثل في ارتداء الزي القومي الكردي أو التحدث بلغته داخل البرلمان، لما احتاج إلى عقود من النضال والتضحيات، ولما تعرض آلاف السياسيين والنشطاء والمواطنين الكرد للملاحقة والاعتقال، ولما امتلأت السجون بالمعتقلين، ولسقط العشرات ضحايا على أيدي النظام السوري البائد عبر عقود من القمع والإقصاء.
إن الشعب الكردي في سوريا ليس جالية وافدة، ولم يأتِ من قبرص أو تركيا أو فرنسا، كما حاولت بعض الخطابات السياسية أن توحي. إنه شعب يعيش على أرضه التاريخية، في الجزء من كردستان الذي ضم إلى الدولة السورية بموجب اتفاقيات دولية رسمت حدود المنطقة دون إرادة شعوبها. ولذلك، يشكل الكرد مكوناً قومياً أصيلاً ، ارتبط وجوده بهذه الأرض لقرون ولا يمكن إنكار هذه الحقيقة أو تجاهلها.
ورغم ذلك، انتهجت الحكومات السورية المتعاقبة، ولا سيما نظام آل الأسد، سياسات ممنهجة استهدفت الهوية الكردية ووجودها القومي، بدءًا من سياسات التمييز والإقصاء، مروراً بالإحصاء الاستثنائي ومشروع الحزام العربي وانتهاءً بالملاحقات الأمنية والاعتقالات والقيود على النشاط السياسي والثقافي، في محاولة مستمرة لإضعاف الحضور الكردي ومحو معالمه القومية.
لو كان الشعب الكردي مستعداً للتخلي عن حقوقه القومية المشروعة مقابل بعض المظاهر الشكلية، كارتداء الزي الكردي أو التحدث باللغة الكردية في البرلمان، لما كان هناك مبرر لكل هذه التضحيات ولا لهذا التاريخ الطويل من النضال، ولا لظهور عشرات الأحزاب والمنظمات السياسية التي نشأت تحديداً للدفاع عن قضية عادلة وحقوق ثابتة.
إن الحقوق القومية للشعب الكردي ليست هبة من أي سلطة، ولا امتيازاً تمنحه حكومة طواعية ثم تسحبه طواعية، بل هي حقوق أصيلة تستند إلى المبادئ العامة للقانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والمواثيق الدولية التي تؤكد حق الشعوب الأصلية في الحفاظ على هويتها ولغتها وثقافتها، ومشاركتها السياسية الكاملة.
لذا، فإن القضية الكردية ليست ملكاً لحزب سياسي بعينه ولا يحق لأي جهة أو حركة أو تيار التنازل عنها أو التقليل من شأنها أو حصرها في حدود مصالحها الآنية. إنها قضية الشعب الكردي بأكمله، ومسألة حقوق تاريخية ووطنية لا يجوز التدخل فيها أو التفاوض بشأنها خارج إرادة أصحابها.
لا يمكن اختزال قضية شعب يزيد تعداده على أربعة ملايين نسمة، يعيش على أرضه التاريخية منذ آلاف السنين، في مجرد صورة نائبة ترتدي الزي الكردي، وتلقي خطاباً في البرلمان، أو تصفيق عابر تحت قبة مجلس الشعب. فالرموز لها قيمتها، لكنها لا تغني عن الحقوق، ولا تعوض عن غياب العدالة، ولا تنهي معاناة شعب ما زال يطالب بالاعتراف الدستوري والسياسي والقانوني بحقوقه المشروعة.
إن المعيار الحقيقي للنجاح ليس استعراض الاحتفالات بل مدى تلبية المطالب الأساسية، بما في ذلك الاعتراف الدستوري بالشعب الكردي، وضمان حقوقه القومية والسياسية والثقافية، وإقامة دولة المواطنة وسيادة القانون، القائمة على التضامن والعدالة والمساواة لجميع مكوناتها، دون تهميش أو استبعاد أو تمييز.
31 / 7 / 2026






