نورالدين عمر
تمثل تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا مرحلة مفصلية في التاريخ السوري الحديث، إذ حملت في طياتها تحولات سياسية واجتماعية غير مسبوقة، ووضعت الكرد في قلب المعادلة الإقليمية والدولية. غير أن تقييم هذه التجربة يقتضي النظرة الموضوعية التي توازن بين المنجزات التاريخية والعثرات الهيكلية التي شابت التطبيق. سأحاول الاختصار والتكثيف في توضيح أهم الايجابيات والسلبيات قدر الامكان.
شكلت الإدارة الذاتية أول تجربة كردية حقيقية في الحكم وإدارة المناطق في سوريا، محولة الكرد من مكون مهمش عقودا طويلة إلى رقم صعب في المعادلة السياسية والعسكرية. وعلى الصعيد الثقافي والتعليمي، أحدثت التجربة قفزة تاريخية بإقرار التدريس باللغات المحلية الثلاث (الكردية، العربية، والسريانية)، مما سمح لعشرات الآلاف من الطلاب وبشكل خاص الكرد بالتعلم بلغتهم الأم لأول مرة، بالتوازي مع نهضة جلية في النشاط الفكري والأدبي والفني والإعلام في روجافا.
وعلى المستوى العسكري والأمني، نجحت الإدارة في بناء منظومة دفاعية وأمنية ضاربة، قدمت آلاف الشهداء في سبيل دحر تنظيم داعش الإرهابي بالتعاون مع التحالف الدولي، مما أمن استقرارا نسبيا للمنطقة، وحافظ على النسيج المجتمعي دون ممارسة عمليات تهجير قسري ضد أي من المكونات. كما أسهمت في توفير فرص عمل لقطاعات واسعة من السكان رغم الظروف المعقدة للنزاع، وفتحت المجال أمام تنشيط الحركة المالية ودخول المصارف الخاصة.
في المقابل، عانت التجربة من اختلالات بنيوية عميقة حدت من قدرتها على التحول إلى نموذج ديمقراطي مستدام؛ إذ بقيت أسيرة التخندق الحزبي الضيق، واستعيض عن المشاركة الشعبية الحقيقية بنفوذ شكلي فتح الباب أمام المتملقين والفاسدين للسيطرة على معظم الهيئات والمؤسسات. كما تم تهميش القوى والكفاءات الوطنية، واشترطت الإدارة التبعية المطلقة لنهجها للقبول بأي شراكة، مما أضعف التقارب الكردي الكردي، كما إنها لم تعطي القيمة للوطنيين وعوائل الشهداء.
وعلى المستوى السياسي، أرست الإدارة ارتهانا علنيا لمشاريع المنظومة الكردستانية، ولما تراعي الظروف الدولية والاقليمية، وربطت مصير المنطقة بسياسات لا تراعي الخصوصية المحلية. وتجسد هذا الخلل في هيمنة “الكوادر الحزبية” على مفاصل القرار والشركات والهيئات، مما أدى إلى غياب المعايير المهنية، وتهميش مبدأ “الرجل المناسب في المكان المناسب” في خطوة عكست عدم ثقة عميقة بالطاقات الشعبية.
أما على الصعيد الاقتصادي والخدمي، فقد أخفقت الإدارة في تطوير البنية التحتية، ووضعت العراقيل أمام نمو القطاع الخاص لحساب احتكار كوادرها للمفاصل الاقتصادية. واستنزفت أموالا ضخمة في مشاريع عسكرية مكلفة، بدلا من توجيهها للجانب الخدمي والتنموي؛ إذ إن بناء الحاضنة الشعبية وتلبية احتياجات الناس المعيشية كانا الكفيلين بجعل الشعب بكل مكوناته الخط الدفاعي الأول عن المنطقة دون الحاجة لاختزال الدفاع في حلول خرسانية على حساب قوت المواطن.
ومع إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية، والتي لا تعني نهاية كل شيء، تبرز أمام الكرد فرصة تاريخية وحقيقية لإعادة توجيه نضالهم السلمي والسياسي نحو تحقيق كامل تطلعاتهم المشروعة. ويتأتى ذلك عبر تقارب جاد وصادق بين القوى السياسية الكردية لتشكيل كتلة صلبة ومتماسكة، تسعى لبناء سوريا فدرالية لامركزية تضمن عيش جميع المكونات، وفي مقدمتهم الكرد بخصوصيتهم القومية والثقافية، كشركاء أصلاء في بناء الدولة دون إقصاء أو تهميش.
الكرد ليسوا طرفا ضعيفا، بل يمتلكون تراكمات غنية من الخبرة والتجربة النضالية؛ غير أن استثمار هذه القوة يتطلب صياغة إرادة سياسية مستقلة غير تابعة لأي جزء آخر من كردستان، وتجاوز التحزب الضيق والاندفاع العاطفي لصالح رؤية واقعية تقرأ التوازنات والظروف المحلية والإقليمية والدولية بدقة ودراية.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






