تم إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”. إن محتويات هذا المنشور هي مسؤولية “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فقط/الجهة الناشرة، ولا تعكس بالضرورة آراء “الاتحاد الأوروبي” وآراء “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”.
1. الملخص التنفيذي:
في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر عام 1962، أصدرت حكومة الانفصال -التي حكمت سوريا بعد انتهاء الوحدة مع مصر- المرسوم التشريعي رقم (93)، الذي قضى بإجراء “إحصاء استثنائي” في محافظة الحسكة وحدها، بذريعة التحقق من “المتسللين الأجانب” إلى البلاد.
خلال يوم واحد فقط، جُرّد عشرات آلاف الكرد السوريين/ات في محافظة الحسكة من جنسيتهم، عبر عملية إدارية افتقرت لأبسط معايير العدالة والمساواة. ومنذ ذلك التاريخ، ظل هذا الإجراء الاستثنائي نقطة تحول مأساوية، ما تزال تبعاته القانونية والإنسانية قائمة بعد ثلاثة وستين عاماً، إذ قُسّم المتضررون إلى فئات: من احتُفظ لهم بالجنسية، وأجانب الحسكة المسجّلين ببطاقات حمراء، ومكتومي القيد المحرومين من أي اعتراف قانوني بوجودهم. ورغم صدور المرسوم التشريعي رقم (49) لعام 2011 الذي منح الجنسية لفئة “أجانب الحسكة”، جاء تطبيقه مليئاً بالعقبات، ولم يشمل الإجراء “مكتومي القيد”، ما أبقى آلاف العائلات خارج مظلة المواطنة.
وفي سياق المرحلة الانتقالية التي تشهدها سوريا اليوم عقب سقوط نظام الأسد وبداية عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة، يكتسب هذا الملف أهمية مضاعفة، إذ يمثّل إدماج المجردين من الجنسية، والاعتراف بضررهم وجبره، اختباراً حقيقياً لجدية مسار العدالة الانتقالية، ومعياراً أساسياً لإعادة تعريف المواطنة السورية على أسس المساواة وعدم التمييز.
يضيء هذا التقرير الموسّع على معطيات تؤكد أن هذا الإجراء لم يكن حدثاً معزولاً، بل جزءاً من سياسة تمييز قومي ممنهجة مارستها السلطات السورية ضد الكرد في سوريا، تجلّت لاحقاً في مشاريع التعريب الواسعة وما اصطلح على تسميته باسم “مشروع الحزام العربي”، وفي القيود المفروضة على استخدام اللغة والثقافة الكردية، والحرمان من الملكية والتوظيف والتعليم والخدمة العسكرية.
أدى التجريد من الجنسية إلى حرمان أجيال متعاقبة من الكرد من حقوق أساسية، مثل التعليم الرسمي، وتسجيل الزواج والأبناء، والتملك، والسفر، بل ومن حقهم في الاعتراف القانوني بوجودهم ذاته.
توثّق الشهادات الثماني عشرة التي استند إليها هذا التقرير آثاراً إنسانية عميقة لهذه السياسة، حيث يَظهر الحرمان من الجنسية كعقوبة جماعية ممتدة عبر الزمن، تُكرس الإقصاء القانوني والاجتماعي والنفسي. كثير من الشهود تحدّثوا عن شعورهم بأنهم “غير مرئيين”، وعن أجيالٍ وُلدت وماتت بلا هوية، في ظل غياب أي سبيل فعّال لتصحيح أوضاعهم.
يبيّن هذا التقرير أنّ الإحصاء الاستثنائي مثّل عملية تجريد جماعي من الجنسية نُفّذت في يوم واحد دون ضمانات قانونية، وأسست لوضع متوارث عبر الأجيال نتيجة صعوبة تثبيت الزواج والنسب. كما أظهر أن المرسوم رقم (49) لعام 2011، عالج جزءاً محدوداً من المعضلة وترك فجوة قانونية كبيرة. ورصد التقرير حرمان المتضررين من التعليم والعمل والتملّك والتنقّل، واستمرار السياسات التمييزية اللاحقة، ما جعلهم فعلياً فئة بلا اعتراف قانوني داخل وطنهم.
في إطار متطلبات العدالة الانتقالية ومعايير جبر الضرر وعدم التكرار، يدعو هذا التقرير إلى اعتراف رسمي صريح بإحصاء 1962 كإجراء تمييزي، وإلى منح الجنسية لجميع المتضررين وأبنائهم من دون اشتراط موافقات أمنية أو إجراءات تعجيزية، مع معالجة الآثار القانونية بأثر رجعي بما يشمل تثبيت الزواج والنسب والملكية، وتعديل قانون الجنسية لضمان المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في نقل الجنسية للأطفال.
كما يوصي التقرير بإنشاء آلية وطنية مستقلة لجبر الضرر والمتابعة ضمن إطار العدالة الانتقالية، بما يضمن إعادة الاعتبار للضحايا وبناء عقد اجتماعي جديد قائم على المساواة وسيادة القانون.
2. المقدمة:
تُعدّ محافظة الحسكة نموذجاً مصغّراً للتنوّع القومي والثقافي في سوريا، إذ تجتمع فيها مكوّنات متعدّدة من الكرد والعرب والسريان والآشوريين والأرمن والشيشان وغيرهم، ويشكّل الأكراد أكبر أقلية عرقية غير عربية في سوريا.[1] غير أنّ هذا التنوع، الذي شكّل مصدر غنى تاريخي، تحوّل مع مرور العقود إلى ذريعة للتمييز والإقصاء، حين تبنّت السلطات السورية سياسات استهدفت الكرد تحديداً في هويتهم ووجودهم القانوني.
في 5 تشرين الأول/أكتوبر عام 1962، أجرت حكومة الانفصال[2] “إحصاءً استثنائياً” في محافظة الحسكة، بناءً على المرسوم التشريعي رقم (93) المؤرخ في 23 آب/أغسطس 1962، بحجّة التحقق من أصول السكان وتمييز “السوريين الأصليين” عن “المتسللين” من تركيا والعراق. أُجري الإحصاء في يوم واحد فقط، وأسفر عن تجريد آلاف الكرد من الجنسية السورية، ليصبحوا “أجانب الحسكة” أو “مكتومي القيد”. لم يكن الإجراء محصوراً في إجراء إداري، بل خطوة تأسيسية لسياسة ممنهجة هدفت إلى إضعاف الوجود الكردي في شمال شرقي البلاد، واستمرّت آثارها عبر مشاريع لاحقة مثل “مشروع الحزام العربي” وحظر اللغة الكردية ومصادرة الملكيات الزراعية.
تسبّب الإحصاء في حرمان آلاف الأسر الكردية من أبسط الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية. أجيال وُلدت بلا هوية، حُرمت من التعليم الرسمي، ومنعت من تسجيل الزواج أو تملك الأرض أو السفر أو الالتحاق بالوظائف العامة. ومع مرور الوقت، تحوّل الحرمان من الجنسية إلى حالة متوارثة من التهميش القانوني والاجتماعي، عمّقت الشعور بالعزلة واللا انتماء لدى فئات واسعة من الكرد في سوريا. ورغم صدور المرسوم التشريعي رقم (49) لعام 2011،[3] الذي نصّ على منح الجنسية لفئة “أجانب الحسكة”، بقي “مكتومو القيد” خارج أي معالجة حقيقية، وظلت المعاناة مستمرة في ظلّ غياب إطار قانوني شامل لتسوية أوضاعهم.
يأتي هذا التقرير، في الذكرى الثالثة والستين لذلك الإحصاء، ليس لإحياء ذكرى الماضي فحسب، بل لمساءلة إرثه المستمر في ظل التحوّل السياسي الحالي في البلاد. فمع بدء المرحلة الانتقالية وتشكّل مؤسسات جديدة، يهدف التقرير إلى التأكيد على أنّ معالجة قضية التجريد من الجنسية ليست مسألة تاريخية، بل استحقاق عدالة انتقالية قائم اليوم؛ يتطلّب اعترافاً رسمياً، وجبراً للضرر، وإعادة إدماج المتضررين في السجل الوطني، بوصف ذلك خطوة أساسية نحو بناء دولة سورية جديدة قائمة على المساواة وعدم التمييز وسيادة القانون.
3. المنهجية:
أعدّت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” هذا التقرير استناداً إلى 18 مقابلة معمّقة مع أشخاص حُرموا من الجنسية، سواء بصورة مباشرة أو نتيجة تجريد آبائهم منها بموجب إحصاء عام 1962. توزع الشهود بين الحسكة والقامشلي، بواقع 10 مشاركين/ات من الحسكة و8 من القامشلي. وتراوحت أعمار المشاركين بين 22 و49 عاماً، بما يُظهر انتقال الحرمان من الجنسية عبر الأجيال. وضمّت المقابلات نساءً ورجالاً بشكل يسمح برصد الاختلافات في أثر التجريد من الجنسية على كل من الجنسين.
وقد جُمعت الشهادات من خلال مقابلات مباشرة وعبر الاتصال عن بُعد باستخدام قنوات تواصل آمنة ومشفّرة حفاظاً على سرية المشاركين/ات، كما جرى تخزين جميع البيانات والمعلومات التي قدّمها الشهود ضمن أنظمة حماية رقمية مؤمّنة، واعتمد الفريق بروتوكولات صارمة للسرية وإدارة البيانات تضمن عدم إمكان الوصول إليها أو تداولها إلا ضمن الحدود البحثية الضيقة وبما يمنع أي كشف غير مصرح به قد يعرّض المشاركين/ات للخطر.
تضمّنت المقابلات توثيقاً ممنهجاً للمعطيات الأساسية المتعلقة بالعمر والمنطقة والسياق العائلي، بما يتيح فهماً دقيقاً لطبيعة الانتهاكات وأنماطها المتكررة. وقد جرى الحصول على موافقة المشاركين/ات المستنيرة بعد توضيح الطبيعة الطوعية لمشاركتهم وطرق استخدام المعلومات التي قدّموها، بما في ذلك إدراج مقتطفات من شهاداتهم في هذه الورقة. وأكّد 16 شاهد منهم رغبتهم في إخفاء هوياتهم أو أي تفاصيل قد تكشف عنها. وبناءً على ذلك، اعتمدت الورقة القانونية أسماء مستعارة عند الإشارة إلى هؤلاء الأشخاص وسرد شهاداتهم.
4. خلفية حول الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 وآلية تنفيذه:
أُجري الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة عام 1962 في واحدة من أكثر العمليات الإدارية تأثيراً في التاريخ السوري الحديث. جرى الإحصاء في يوم واحد فقط، دون إعلان مسبق كافٍ أو ضمانات قانونية، وأشرفت عليه لجان ميدانية مشتركة من وزارة الداخلية ومديرية النفوس في الحسكة، بمشاركة المحافظ والشرطة المحلية والمخاتير. ولا تُشير الوثائق المتاحة أو الشهادات إلى وجود آلية مراجعة حقيقية أو رقابة قضائية على أعمال اللجان أو على قراراتها، الأمر الذي حرم المتضررين من أي مسار للطعن في حينه.
نُفّذ الإحصاء بطريقة ميدانية: زارت لجان الإحصاء القرى والمدن لتسجيل السكان الذين وُجدوا في منازلهم في ذلك اليوم. كذلك، للاحتفاظ بجنسيتهم، طُلب من العائلات الكردية تقديم ما يثبت إقامتها في سوريا قبل عام 1945، مثل عقود التملك أو بطاقات التموين، وهو شرط لم يكن متاحاً لمعظم السكان الريفيين آنذاك، بسبب ضعف التسجيل الرسمي وضيق الوقت ونقص المعلومات عن العملية.[4]
اعتمدت اللجان أيضاً على شهادات “المخاتير” المحليين، الذين مُنحوا سلطة استثنائية لتأكيد أو نفي إقامة العائلات. أدت هذه الصلاحيات إلى فوضى واسعة واستغلال شخصي، إذ ارتبطت نتائج الإحصاء أحياناً بالعلاقات أو الولاءات السياسية، ما زاد من الطابع التعسفي للعملية. ومع نهاية اليوم المحدد للإحصاء، أعيد تصنيف سكان الحسكة إلى ثلاث فئات رئيسية:
- المواطنون/ات السوريون/ات: احتفظوا بالجنسية السورية الكاملة، وشكّلوا الفئة التي أُدرجت أسماؤها في السجل المدني دون تغيير.
- أجانب الحسكة: شُطبت أسماؤهم من سجل المواطنين وأُدرجوا في سجل خاص، وصُرفت لهم بطاقات حمراء مميزة تحمل عبارة “لم يرد اسمه في عداد العرب السوريين نتيجة إحصاء عام 1962”. هذه البطاقات لم تكن تخوّلهم السفر أو التملك أو التوظيف، بل مثّلت رمزاً للتمييز.
- مكتومو القيد: وهم الأشخاص الذين لم تُسجّل أسماؤهم في أي سجل على الإطلاق، ولم يحصلوا على أي وثيقة رسمية. لا يُعتبرون قانوناً حتى “أجانب”، بل معدومي الوجود المدني، فلا يملكون أرقاماً وطنية أو شهادات ميلاد أو وفاة.
بهذا التقسيم أُنتجت، في يوم واحد، طبقية قانونية داخل المجتمع الكردي في الجزيرة السورية، حوّلت جزءاً من السكان إلى “مواطنين ناقصي الحقوق”، وجزءاً آخر إلى “مواطنين غير موجودين”.
تُظهر البيانات الحصرية التي حصلت عليها منظمة “سوريون” من مصادر رسمية داخل مديرية النفوس في محافظة الحسكة أن عدد المحرومين من الجنسية حتى عام 2011 بلغ أكثر من 517 ألف شخص كردي، منهم 346,242 (67%) من فئة أجانب الحسكة و171,300 (33%) من مكتومي القيد.[5]
5. العدالة الانتقالية وسبل الإنصاف:
يشكّل التجريد من الجنسية الذي بدأ بإحصاء الحسكة عام 1962 واحداً من أعمق أشكال العنف البنيوي في التاريخ السوري الحديث، لأنه لم يستهدف الأفراد لأفعالهم، بل لجماعتهم القومية، وحوّل الهوية القانونية من حقّ طبيعي إلى أداة للتمييز. لذلك، فإن أي عملية عدالة انتقالية في سوريا لن تكون مكتملة ما لم تتناول هذا الملف بصورة صريحة، باعتباره نموذجاً لسياسة الدولة في الإقصاء والحرمان، وركيزة من ركائز إصلاح مفهوم المواطنة.
إن مخاطر إعادة إنتاج التمييز في المرحلة الانتقالية قائمة ما لم تُرفق خطوات التصحيح بإصلاحات مؤسسية، تضمن عدم استخدام الجنسية مستقبلاً كأداة للهيمنة أو الإقصاء، بغض النظر عن تغيّر السلطة الحاكمة.
يقول الباحث في مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية، مصطفى عبد الكريم مصطفى، حول هذه النقطة:
“لا يمكن تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا ما لم يُدرج موضوع المجردين من الجنسية ضمن أولوياتها الأساسية. نحن نتحدث عن آلاف الأشخاص، لا عن فئة صغيرة محدودة. هناك من وُلدوا وماتوا دون أن يعرفوا معنى المواطنة، أناس لا يدركون ما هي المواطنة السورية ولم يشعروا بها يوماً… لأن جميع الطرق والأبواب كانت مغلقة.”
يتوافق هذا المطلب مع نصّ الإعلان الدستوري الصادر عام 2025 على مبدأ المساواة وعدم التمييز، حيث يؤكد في مادته رقم (10) أن “المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، من دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب.” كما تنصّ المادة (12) على ما يلي: “1-تصون الدولة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته. 2-تعد جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية جزءً لا يتجزأ من هذا الإعلان الدستوري”. ما يجعل من واجب السلطات الانتقالية مراجعة التشريعات والسياسات السابقة بما فيها آثار إحصاء 1962.
بذلك، يشكّل إلغاء مفاعيل الإحصاء وتعويض المتضررين اختباراً حقيقياً لالتزام الحكومة الانتقالية بمبدأ العدالة الدستورية وسمو القانون الدولي لحقوق الإنسان على التشريعات التمييزية السابقة.
5.1. الاعتراف الرسمي بالانتهاك:
إنّ أول خطوة في مسار العدالة هي الاعتراف بأن ما جرى لم يكن “خللاً إدارياً” في الإحصاء الاستثنائي، بل انتهاكاً مقصوداً للحقّ في الجنسية وللمبدأ الدستوري بالمساواة أمام القانون. إنّ إعلاناً رسمياً من الحكومة الانتقالية يعترف بإحصاء الحسكة كإجراء تمييزي، ويصف نتائجه كحرمان جماعي من الجنسية، سيكون بمثابة مدخل للعدالة. هذا الاعتراف يجب أن يُقرن باعتذار رمزي علني للضحايا، وتضمين الحادثة في المناهج التعليمية وسجلات الذاكرة الوطنية، على نحوٍ يضمن عدم تكرارها.
تجارب دولية مماثلة، مثل اعتراف كندا بحرمان السكان الأصليين من الجنسية واعتذارها الرسمي عام 2008،[6] تُظهر أن الاعتراف ليس مجرد خطوة رمزية، بل شرط لتأسيس الثقة بين الدولة والمجتمع.
5.2. جبر الضرر المادي والمعنوي:
يبدأ الإنصاف باستعادة الجنسية، ويمتدّ لما بعد ذلك. فالحرمان المستمر منذ أكثر من ستة عقود أنتج خسائر اقتصادية واجتماعية ونفسية عميقة. لذا ينبغي أن يتضمّن مسار العدالة الانتقالية في سوريا برنامجاً وطنياً لجبر الضرر يشمل:
- إعادة الاعتبار القانوني عبر إصدار قانون خاص بتصحيح القيود يمنح الجنسية لكل من سُحبت منه أو من أبنائه وبناته، دون الحاجة لمراجعات أمنية أو تحقيقات فردية.
- تعويض مادي للأسر التي فقدت أراضيها أو ممتلكاتها بسبب حرمانها من التملك، أو التي حُرمت من فرص التعليم والتوظيف.
- تعويض معنوي عبر إصدار وثائق اعتراف وشهادات رمزية تُقرّ بمعاناتهم وتُعيد لهم الاعتبار القانوني والاجتماعي.
يمكن أن تُنشأ لجنة وطنية خاصة بحقوق المحرومين من الجنسية، تعمل ضمن إطار هيئة العدالة الانتقالية، توثّق الملفات وتوصي بآليات التعويض والإدماج الاجتماعي.
5.3. إدماج المتضررين في سجلات العدالة الانتقالية:
يجب إدراج ضحايا الحرمان من الجنسية ضمن سجلات العدالة الانتقالية الرسمية بوصفهم ضحايا تمييز بنيوي منظم. هذا الإدماج يعني الاعتراف بهم كضحايا ذوي حق في الحقيقة والإنصاف، أسوة بضحايا التعذيب والاختفاء القسري. كما يتيح لهم المشاركة في جلسات الاستماع العامة، لتوثيق شهاداتهم حول المعاناة اليومية التي عاشوها جيلاً بعد جيل.
ينبغي أن تُصمّم هذه الجلسات بطريقة تحفظ الكرامة وتُبرز الجانب الإنساني العميق لهذه المأساة: مواطنون حُرموا من الاعتراف بوجودهم القانوني في وطنهم.
5.4. الإصلاح القانوني والمؤسسي:
تعني العدالة الانتقالية أيضاً إصلاح المنظومة القانونية التي أنتجت التمييز. ويتطلب ذلك مراجعة شاملة لقوانين الجنسية والسجل المدني والملكية، بحيث:
- يُلغى أي نص يُفرّق بين المواطنين على أساس الأصل القومي أو اللغة.
- يُمنح الأب والأم حقاً متساوياً في نقل الجنسية إلى أبنائهما، انسجاماً مع المعايير الدولية.
- تُوحّد سجلات النفوس، وتُزال جميع الإشارات التمييزية القديمة مثل عبارة “أجنبي الحسكة” أو “مكتوم القيد”. وكذلك رقم (8) من الأرقام الوطنية لأولئك الذين منحت لهم الجنسية بناء على أحكام المرسوم رقم (49) لعام 2011، وعدم وضع مثل هذه العلامات التمييزية الفارقة مستقبلاً.
- يُلغى شرط الموافقات الأمنية المسبقة لأي معاملة مدنية أو تسجيل قانوني.
تهدف هذه الخطوات لتصحيح آثار الماضي وضمان عدم التكرار مستقبلاً، عبر تحويل الجنسية من أداة للفرز إلى وسيلة للانتماء المتساوي.
5.5. العدالة الانتقالية كإطار للعدالة الاجتماعية:
إن معالجة قضية الحرمان من الجنسية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية، إذ أن فقدان الهوية القانونية أدى إلى تدهور اقتصادي وحرمان من الخدمات الأساسية. وعليه، فإن سياسات العدالة الانتقالية يجب أن تتكامل مع برامج التنمية وإعادة الإدماج، عبر منح الأولوية للمحرومين من الجنسية في:
- فرص التعليم المجاني.
- منح القروض الصغيرة لإعادة بناء سبل العيش.
- توفير التدريب المهني والتوظيف في المؤسسات العامة.
- إعادة توزيع الأراضي المصادرة ضمن خطط العدالة الاجتماعية في المناطق الكردية.
بهذا المعنى، تتحول العدالة الانتقالية من مجرد تسوية قانونية إلى عملية إعادة بناء لمفهوم المواطنة على أسس المساواة والكرامة الإنسانية.
5.6. العدالة الرمزية وضمانات عدم التكرار:
إضافة إلى التعويض القانوني والمادي، يجب أن تتضمن العملية عناصر رمزية واضحة:
- نصب تذكاري أو متحف للذاكرة يوثّق الإحصاء الاستثنائي ومعاناة ضحاياه.
- تعديل المناهج التعليمية لتضمين مفاهيم التعدد القومي وحقّ المواطنة المتساوية.
- إطلاق برامج إعلامية وثقافية تُبرز التنوع القومي والثقافي في سوريا.
- ضمان تمثيل الكرد وغيرهم من المكوّنات في مؤسسات الدولة وفي أي حوارات أو لجان وطنية.
هذه الضمانات ضرورية لتفكيك إرث التمييز الطويل، وترسيخ قناعة جماعية بأن الدولة الجديدة لا تُعيد إنتاج أدوات الإقصاء القديمة.
إنّ العدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن أن تكون شاملة ما لم تتناول الحرمان من الجنسية كجذر من جذور التمييز البنيوي. فالتجريد من الهوية لم يكن خطأً بيروقراطياً، بل سياسة دولة تركت وراءها إرثاً من الانكسار واللامساواة.
الاعتراف، وجبر الضرر، والإصلاح القانوني، وإعادة الإدماج، هي ركائز أساسية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالجنسية ليست وثيقة تُمنح أو تُسحب، بل تجسيد للعقد الاجتماعي الجديد الذي ينبغي أن يقوم على المساواة والكرامة والاعتراف المتبادل بين جميع السوريين/ات، دون استثناء أو تمييز.
6. التوصيات:
بعد مرور أكثر من ستة عقود على إحصاء الحسكة لعام 1962، ما تزال آثاره حاضرة في حياة عشرات الآلاف من السوريين/ات، وُلد الكثير منهم في وطن لا يعترف بوجودهم القانوني. إنّ إنهاء هذه المأساة لا يتطلب إجراءات إدارية محدودة، بل إرادة سياسية وتشريعية تعيد تعريف معنى المواطنة والحق في الجنسية. وفيما يلي أبرز توصيات “سوريون” الموجهة إلى الأطراف المعنية:
6.1. إلى الحكومة السورية الانتقالية:
- توثيق شامل ومحدّث لأعداد الأشخاص الذين ما زالوا محرومين من الجنسية.
- الاعتراف الرسمي بإحصاء الحسكة لعام 1962 كإجراء تمييزي مخالف للدستور والقانون الدولي، وإدراجه ضمن برامج العدالة الانتقالية وجبر الضرر، بوصفه جزءاً من الانتهاكات الممنهجة التي ارتكبتها الدولة ضد فئة من مواطنيها.
- إصدار قانون خاص لتصحيح القيود يمنح الجنسية لجميع المحرومين منها وأبنائهم دون اشتراط مراجعات أمنية أو إثباتات تعجيزية.
- تشكيل لجنة وطنية مستقلة تُعنى بحقوق المحرومين من الجنسية، تُشرف على التوثيق، وجبر الضرر، وتعويض الضحايا عن الخسائر المادية والمعنوية، وتضمن حقهم في التملك والتعليم والعمل والسفر.
- مراجعة شاملة لقانون الجنسية بما يضمن المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في نقل الجنسية للأبناء، ويلغي أي تمييز قائم على الأصل القومي أو اللغة.
- إلغاء كافة القيود والموافقات الأمنية المفروضة على التسجيل المدني والمعاملات القانونية للمجردين من الجنسية سابقاً.
- الانضمام إلى اتفاقية عام 1961 التي تسعى إلى خفض حالات انعدام الجنسية،[7] ضماناً لحق جميع الأفراد في الجنسية.
6.2. إلى المنظمات الحقوقية السورية والدولية:
- تعزيز المناصرة الدولية لحق جميع السوريين في الجنسية، عبر آليات الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان، وخاصة الفريق العامل المعني بالتمييز ضد النساء والفتيات، ولجنة حقوق الطفل.
- دعم برامج التوعية القانونية للأسر المتضررة حول إجراءات التسجيل المدني والتوثيق الآمن، بالتعاون مع هيئات العدالة الانتقالية المحلية.
- تقديم المساعدة الفنية للحكومة الانتقالية في اقتراح تعديل قانون الجنسية أو وضع قانون جديد وفي تصميم وتنفيذ قانون تصحيح القيود، وضمان اتساقه مع المعايير الدولية.
6.3. إلى المجتمع المدني والإعلام:
- تعزيز الوعي المجتمعي بأن قضية الحرمان من الجنسية ليست قضية كردية فقط، بل قضية وطنية تتعلق بجوهر المواطنة السورية.
- تشجيع الخطاب الإعلامي الإيجابي الذي يعيد الاعتبار للمحرومين من الجنسية كضحايا سياسات تمييز ممنهجة، لا كفئة هامشية أو استثنائية.
- دمج قصص الضحايا في مشاريع الذاكرة والعدالة الانتقالية لضمان عدم طمس هذا الجزء من التاريخ السوري الحديث.
لقد حرم إحصاء 1962 الكرد في الحسكة من أبسط حقوق الإنسان: الاعتراف بوجودهم القانوني. واليوم، بعد ستة عقود، تقف سوريا أمام فرصة نادرة لتصحيح هذا الخطأ التاريخي. إنّ إعادة الجنسية ليست منّة سياسية، بل استحقاق قانوني وأخلاقي، يُعيد الاعتبار إلى مبدأ المساواة، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد لا يُقصي أحداً من تعريف “المواطنة السورية”.
7. المعاناة الإنسانية والاجتماعية الناجمة عن سحب الجنسية:
لا يقتصر الحقّ في الجنسية على وثيقة رسمية، بل هو تجسيد لعضوية متساوية في الجماعة السياسية، وركيزة لبناء العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الحقوق لا الامتيازات.
لقد انعكست السياسات التمييزية التي بدأت مع إحصاء الحسكة عام 1962 على كل تفاصيل الحياة اليومية للكرد المجردين من الجنسية، لتنتج حرماناً مركباً يمتد من التعليم والعمل إلى الزواج والملكية والسفر والهوية الشخصية. ما يميز هذه المعاناة أنها متوارثة، إذ لم تقتصر آثارها على جيل من سُحبت جنسيته، بل انتقلت إلى أبنائهم وأحفادهم الذين وُلدوا في بلدهم دون أن يُعترف بوجودهم القانوني.
7.1. الحق في التعليم:
يُعدّ التعليم حقاً أساسياً يمكّن الأفراد من ممارسة حقوقهم الأخرى وتعزيز قدراتهم الفكرية والمهنية، ويُسهم منذ المراحل الأولى في ترسيخ التفكير النقدي والقيم الديمقراطية. وقد التزمت سوريا دولياً بضمان هذا الحقّ من خلال انضمامها للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية حقوق الطفل، التي تؤكد جميعها على مجانية التعليم الأساسي وإتاحته دون أي شكل من أشكال التمييز. ومع ذلك، شكّل الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 والسياسات اللاحقة حرماناً ممنهجاً لعشرات الآلاف من الكرد من حقهم في الحصول على التعليم. فمنذ الطفولة، واجه أبناء “أجانب الحسكة” و”مكتومي القيد” حرماناً فعلياً من التعليم. فالقوانين السورية ربطت القبول في المدارس الرسمية بوجود رقم وطني أو شهادة ميلاد نظامية، وهو ما لم يكن متاحاً لهم.
كانت المدارس الابتدائية والاعدادية تسمح بقبول بعض الأطفال بتوصية من المختار، لكن التعليم ما بعد المرحلة الإعدادية كان أصعب، واقتصر قبول المجردين من الجنسية في الجامعات بشكل صوري دون منحهم وثائق التخرج أو حقهم في العمل لاحقاً،[8] ما مثّل انتهاكاً واضحاً للالتزامات الدستورية والدولية المتعلقة بالحق في التعليم والمساواة أمام القانون. تقول هيفين من الدرباسية (40 عاماً):
“كنت أرى زميلاتي يحصلن على بطاقاتهن الشخصية ويشعرن بالفخر، بينما كنتُ أخاف من كل معاملة رسمية. بعد الإعدادية رفضت المدرسة تسجيلي لأنني لا أملك شهادة ميلاد أو وثيقة تُثبت من أكون.”
ويوضح آرام (22 عاماً) الذي انتقل للعراق يائساً بعد أن ترك الحسكة أملاً في إيجاد حياة كريمة خارج سوريا:
“تابعت الدراسة حتى المرحلة الإعدادية ثم توقفت لأن المدرسة طلبت أوراقاً رسمية لم أكن أملكها. شعرت حينها أن الباب أغلق في وجهي وأن مستقبلي انتهى قبل أن يبدأ.”
إلى جانب ذلك، تحدّثت “سوريون” مع دلشاد (47 عاماً، من الحسكة وأصبح لاحقاً لاجئاً في ألمانيا) مستذكراً تأثير انعدام الجنسية على مساره التعليمي والمهني:
“في عام 1996 حصلتُ على المرتبة الأولى في المدرسة المهنية على مستوى محافظة الحسكة، وكان من حقي أن ألتحق بكلية الهندسة الميكانيكية في الجامعات السورية. ومع ذلك، وحتى اليوم، لم أتمكن من الحصول على وثيقة تثبت تفوقي وحصولي على الدرجة الأولى على مستوى المحافظة بأكملها.”
لم يقتصر أثر الحرمان من التعليم على الأفراد، بل أنتج حلقة تهميش جماعي، إذ حُرم أبناء الأسر المجردة من الجنسية من فرص الارتقاء الاجتماعي والاقتصادي، فظلّت المهن المتاحة لهم محدودة في الزراعة أو العمل اليدوي غير المنظم. وقد أدّى هذا الحرمان التعليمي إلى ترسيخ فقرٍ بنيوي داخل هذه الفئات، إذ حُرم أفرادها من الوصول إلى الوظائف المستقرة أو المهن المتخصصة التي تتطلب مهارات أو شهادات رسمية. ونتيجة لذلك، ظلّ معظمهم محصورين في أعمال منخفضة الدخل وهشّة اقتصادياً، ما عمّق هشاشتهم المعيشية عبر الأجيال.
7.2. الحق في العمل:
ظلّ الحرمان من الجنسية ومن الحقوق المدنية مترسخاً في بنية مؤسسات الدولة لعقود. فقد مُنع أجانب الحسكة ومكتومو القيد من التوظيف في القطاع العام، كما واجهوا في القطاع الخاص عراقيل مشابهة، إذ تطلب معظم المؤسسات من موظفيها نسخة عن الهوية الشخصية ورقم السجل المدني.
ورغم أن سوريا صادقت على عدد من الصكوك الدولية الأساسية، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والميثاق العربي لحقوق الإنسان، والتي جميعها تكفل الحق في العمل وعدم التمييز في الفرص الوظيفية، إلا أن الواقع العملي يُظهر إخلالاً بهذه الالتزامات. فحرمان فئة واسعة من المواطنين من الوثائق القانونية حال دون تمتعهم بحقوقهم في العمل، وأدى إلى تقييد مساراتهم المهنية، بما في ذلك حرمانهم من التوظيف الرسمي أو الترقّي المهني، الأمر الذي عمّق التهميش وقيّد قدرتهم على تحقيق مستقبل يتناسب مع مؤهلاتهم وطموحاتهم.
أدّى هذا التمييز إلى خلق طبقة اجتماعية معزولة، تعمل غالباً في الزراعة أو المهن اليدوية غير النظامية، دون أي حماية قانونية أو ضمانات اجتماعية، ولا يمكنهم التسجيل في التأمينات أو النقابات أو الحصول على رخص مهنية، لأن كل هذه المعاملات تتطلب هوية أو رقم وطني مما انعكس على أوضاعهم الاقتصادية بشكل مباشر.
يقول سوار (28 عاماً، عامل):
“بحثت كثيراً عن عمل رسمي لكن كل مكان كان يطلب أوراقاً. لم أجد سوى أعمال مؤقتة في الزراعة والبناء بأجر يومي. كنت أخاف من تفتيش السلطات الحكومية في مكان العمل لأنني بلا هوية.”
وتضيف دلال من الدرباسية (35 عاماً):
“عملت في عدة محلات صغيرة، لكن كان أصحاب العمل دائماً يرفضون توقيع عقد معي لأنني غير مسجّلة في الدولة. أضطر للعمل ساعات طويلة بلا أي ضمان أو حقوق لأتمكن من مساعدة أهلي.”
7.3. الحق في الملكية:
ارتبطت سياسات التمييز ضد الأكراد بترسانة قانونية عمّقت الإقصاء الاقتصادي. أبرزها المرسوم التشريعي رقم (193) لعام 1952،[9] الذي أعطى وزارة الداخلية سلطة تقديرية في الموافقة على تملك الأجانب للعقارات في المناطق الحدودية، دون أن يكون قرارها قابلاً للطعن أو المراجعة أو التظلم،[10] وهو ما استُخدم لاحقاً ضد الكرد الذين صُنّفوا “أجانب الحسكة”. وبذلك، حُرم عشرات آلاف الأسر من تسجيل أراضيها وأملاكها الزراعية، رغم امتلاكها صكوك ملكية عرفية سابقة للإحصاء.
لاحقاً، صدر المرسوم رقم (49) لعام 2008، الذي اشترط الحصول على موافقة أمنية مسبقة لأي عملية بيع أو شراء أو نقل ملكية في المحافظات الحدودية (ومنها الحسكة). ونتيجة لذلك، باتت جميع المعاملات العقارية خاضعة لموافقة الدولة، ما جعل الأسر التي تسعى إلى بيع أراضيها أو مبانيها لتأمين احتياجات مالية، أو شراء عقارات لتوسيع مساكنها، مرهونة بإجراءات إدارية مطوّلة وغير محددة زمنياً، ومن دون وجود معايير واضحة لعملية اتخاذ القرار. هذا المرسوم، الذي طُبّق على الجميع ظاهرياً، كان تأثيره الأشد على الأكراد، لأنهم يمثلون غالبية أولئك الذين يعيشون في المناطق المتأثرة بالمرسوم.
إن حرمان عديمي الجنسية في سوريا من الحق في التملك ألقى بظلاله الثقيلة على مختلف جوانب حياتهم. فبحسب الشهادات التي وثّقها التقرير، لا يُسمح للمجردين من الجنسية بفتح حسابات مصرفية أو امتلاك سيارات أو منازل، ولا حتى بالاشتراك في الخدمات الأساسية كالكهرباء أو الإنترنت أو شراء خطوط هاتف، ما يجبرهم على تسجيل ممتلكاتهم بأسماء آخرين من الأصدقاء أو الأقارب. هذا الواقع جعلهم عرضة للاستغلال والمخاطر القانونية، إذ يفقد الكثيرون ملكيتهم نتيجة سوء النية أو النزاعات.
يقول زين من القامشلي:
“لم يتمكن والدي من الاستفادة من ممتلكاته الزراعية، رغم عمله الدؤوب وجمعه لمحاصيله. حاول تسجيل الحصاد لدى جمعية الفلاحين للحصول على مستلزمات الزراعة من بذار ومازوت، لكنه مُنع وحُرم حقه في الاستفادة من ملكيته وموارده الطبيعية. اضطر حينها إلى تسجيل الأرض باسم شخص آخر ليتمكن من العمل والحفاظ على الحصاد والموارد الزراعية، إذ كان التسجيل عبر الجمعيات شرطاً ضرورياً حتى للملكية الخاصة. وبعد نحو عام، رفض الشخص إعادة الملكية لنا وتنكر للاتفاق، فلجأ والدي إلى المحكمة لاسترداد حقه.”[11]
7.4. الحقّ في الزواج وتكوين الأسرة:
يشكّل الزواج وتكوين أسرة حقاً أساسياً، إلا أن عديمي الجنسية في سوريا حُرموا فعلياً من التمتع بهذا الحق، ولا سيما النساء اللواتي واجهن تمييزاً مضاعفاً. فالقانون السوري لا يمنح المرأة حق نقل جنسيتها لأولادها، وهو ما جعل أبناء النساء السوريات المتزوجات من أحد أجانب الحسكة أو مكتومي القيد بلا جنسية، حتى لو كانت الأم تحمل الجنسية السورية. وتزداد المعاناة تعقيداً في الحالات التي يُعقد فيها الزواج عرفياً بسبب تعذر التثبيت في المحاكم لغياب وثائق الهوية، ما يؤدي إلى ولادة أطفال بلا تسجيل رسمي، وتالياً حرمانهم من الحقوق المدنية الأساسية منذ اللحظة الأولى.
ويشرح الشهود أن الكثيرين اضطروا لإبرام عقود زواج خارج السجلات الرسمية، أو خضعوا لإجراءات أمنية معقدة استغرقت سنوات قبل الالتفات إلى طلبهم. هذه القيود لا تؤثر فقط على الوضع القانوني للعائلة، بل تمتد لتقويض الاستقرار الاجتماعي وتقليص مشاركة أفراد هذه الفئة في الحياة العامة.
تقول إيفا (عاملة في مشغل، 38 عاماً):
“عندما تقدم شاب لخطبتي، لم نتمكن من تسجيل الزواج لأننا مكتوما القيد. أي زواج غير مسجّل يعني أن أطفالي سيولدون بلا هوية، فرفضت أن أكرر المأساة وعزفت عن الزواج.”
كما يروي أرسلان من القامشلي (41 عاماً، ويعمل طيان) تجربته والتمييز الذي تعرض له من قبل عائلة كردية أخرى، لأنه محروم من الجنسية:
“أثناء دراستي في المعهد كنت على علاقة حب بإحدى زميلاتي، وكان والداها على علم بهذه العلاقة. وفي أحد الأيام قالت لي والدتها: ‘يا بني، أنتم مكتومو القيد ولا تملكون هويات، ولا مستقبل لكم. لا أستطيع أن أُعرّض ابنتي لمصير غير واضح معك، لذلك لا نصيب لك بابنتنا.’ وبالفعل، انتهت علاقتنا آنذاك.”
يمسّ هذا الحرمان جوهر الحق في تكوين أسرة، ويحرم الأفراد من أبسط أشكال الاستقرار الإنساني والاجتماعي الذي تقوم عليه الحياة، إذ تتحول فكرة الزواج والإنجاب لديهم من حق طبيعي إلى معركة وجود يومية.
7.5. الحق في السفر والتنقّل:
يُعتبر حرمان عديمي الجنسية في سوريا من حرية التنقل أحد أبرز أوجه التمييز التي يواجهونها، إذ يفتقرون إلى الوثائق الرسمية اللازمة لعبور الحواجز أو السفر داخل البلاد وخارجها. وتُظهر شهادات كثيرة أن العديد منهم اضطروا للتنقل سراً بين المحافظات طلباً للعلاج أو العمل أو لأسباب عائلية، بينما مُنع آخرون من الحركة أو تعرّضوا للتوقيف والإهانة بسبب وضعهم القانوني. وحتى في حال تمكنهم من السفر، لا يُسمح لهم بالإقامة في الفنادق -إلا بموافقة أمنية مسبقة- لعدم امتلاكهم أوراقاً رسمية تثبت هويتهم، ما يجعل تنقّلهم محفوفاً بالعقبات والقيود في كل مرحلة من حياتهم.
من أبرز الشهادات التي وثقتها “سوريون” قصة الشاب كمال من القامشلي (49 عاماً) الذي صرح في مقابلة معه بالآتي:
“يقع منزلنا قرب الحدود التركية. كنت أتواصل كثيراً مع العساكر الأتراك حتى تعلمت لغتهم بطلاقة. في عام 2007 توقّف عملي، وخلال حديث مع أحد عناصر الجندرمة اقترح عليّ السفر إلى تركيا للعمل. أخبرته أنني مكتوم القيد ولا أملك أي أوراق رسمية، فأبلغني بعد أيام أنه يستطيع مساعدتي في عبور الحدود بطريقة غير شرعية. وافقت على أمل أن أجد عملاً هناك، لكن ما إن وصلت إلى نصيبين حتى اعتقلتني الشرطة التركية، وضربوني وحققوا معي، ثم قرروا إعادتي إلى سوريا.”
يضيف كمال:
“أرسلوا اسمي الثلاثي للجانب السوري، لكن جاء الرد بأنني ‘غير موجود في السجلات’، ورفضوا استقبالي. بقيت أتنقّل بين السجون التركية نحو أربعة أشهر، حاولوا خلالها تسليمي إلى سوريا سبع مرات، وفي كل مرة كان الرفض ذاته. كنت عالقاً بين بلدين لا يعترفان بي؛ الأتراك لا يريدونني، والسوريون ينكرون وجودي. قال لي أحد الضباط الأتراك حينها: ‘لا نعلم ماذا نفعل بك، هل نقتلك؟’ في النهاية، تدخل مختار الحي في القامشلي وتواصل مع المسؤولين في دمشق مؤكداً أنني سوري مكتوم القيد. وبعد وساطات ومبالغ مالية، وافقت السلطات السورية على استلامي. وما إن عدت حتى تم اعتقالي أربعة أشهر أخرى ريثما يتحققوا من هويتي عبر المختار والجيران. كانت تجربة قاسية لا تُنسى، شعرت خلالها أنني لست إنساناً، وأن لا أحد في هذا العالم يعترف بوجودي.”
تحدثت “سوريون” مع الباحث في مركز روج آفا للدراسات الاستراتيجية مصطفى عبد الكريم مصطفى، والذي وصف المضايقات التي كان يتعرض لها على الحواجز:
“كانوا يطلبون الهويات الشخصية في كل مرة، وكنت أقدّم شهادة التعريف الخاصة بي كمكتوم القيد. أغلب العناصر لم يعرفوا ما تعنيه هذه الورقة، فكانوا يجعلونني أنزل من الباص في كل مرة وأشرح لهم أنني سوري لكن بلا هوية. كثيرون لم يصدقوني، وكانوا يصرّون على أنني أُخفي هويتي الحقيقية، معتبرين شهادة التعريف مجرد ورقة للحصول على استثناء. حتى سائقي الباصات باتوا يمزحون معي قائلين: ‘أجيت؟ رح يوقفونا مشانك’. والعناصر كانوا يسخرون مني بقولهم: ‘طلبنا هوية، مو دفتر عائلة’ في إشارة لكون الوثيقة مجرد ورقة.”
يضيف مصطفى:
“كنت أفكر وقتها بأن نفس السلطة التي جرّدتنا من جنسيتنا هي التي تستهزئ بنا اليوم؛ نحن لا نعيش هذه الإهانة صدفة، بل نتيجة سياسات هذا النظام، وهو الآن يسخر ممن صنع معاناتهم.”
7.6. الكرامة والهوية والانتماء:
إلى جانب الانتهاكات المادية، شكّل الحرمان من الجنسية انتهاكاً عميقاً للكرامة الإنسانية. فقد عاش الكرد المكتومون والأجانب شعوراً دائماً بالوصم. كانوا يسمعون عبارات مهينة في المدارس والمكاتب العامة، مثل: “أنتم بلا هوية”، أو “أنتم أجانب في بلدنا”، أو بطاقاتكم “مخصصة للحيوانات” أو “البقر”.[12]
أنتجت هذه المعاناة عزلة جماعية مزمنة. فالمجردون من الجنسية يعيشون على هامش المجتمع، محرومين من الشعور بالمواطنة والانتماء. عبّرت عدة شهادات عن فقدان الثقة بالدولة، والشعور بأن الجنسية تحوّلت من “حق” إلى “منة”. كما أدّى الحرمان الوراثي إلى انهيار الأمل بالتغيير؛ فأبناء الجيل الجديد ما زالوا يحملون مصير آبائهم ذاته رغم التحولات السياسية. وفي هذا السياق، تكشف شهادات المتضررين بوضوح عمق الأثر النفسي والاجتماعي لهذا الحرمان، وكيف انعكس على إحساسهم بالانتماء وكرامتهم الإنسانية.
تقول هيفين:
“أشعر أحياناً أنني سجينة في حدود غير مرئية، لا أستطيع أن أقرر مستقبلي أو أغيّر واقعي. كل ما أتمناه هو أن يُعترف بنا كمواطنين سوريين لنا حقوق مثل غيرنا، وأن نحمل يوماً أوراقاً تثبت أننا وُجدنا وعشنا على هذه الأرض.”
ويضيف آرام:
“أحمل داخلي شعوراً دائماً بالغياب. أحياناً أنظر إلى نفسي وأفكر: هل يعقل أن يعيش إنسان على هذه الأرض من دون أن يكون له وجود قانوني؟ كل ما أريده أن أملك بطاقة شخصية تثبت أنني إنسان مثل الجميع، أريد أن أعيش حياة طبيعية بكرامة وأن أُعرف باسمي لا بورقة ناقصة.”
كذلك يقول بسام الأحمد، المدير التنفيذي لـ”سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”:
“أزعم، ودون التقليل من معاناة سوريين آخرين ودون إنكار أشكال أخرى من التمييز الذي كان قائماً في سوريا، أنّ الحرمان من الجنسية بموجب الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 في محافظة الحسكة، لا يشبه أي ظلم آخر، فأنتّ لستَ معلقاً بين السماء والأرض، بل موجود في سجن كبير، ولكنك في نفس الوقت غير موجود وغير معترف بك. لا تمتلك أحلاماً شبيهة بأحلام الناس حول مستقبلك، ولا تستطيع السفر والبحث عن وطن جديد وأرض جديدة.”
8. السياق القانوني والسياسي لإحصاء الحسكة (1962):
لفهم الإحصاء الاستثنائي الذي جُرّد بموجبه عشرات آلاف الكرد من جنسيتهم، لا بدّ من العودة إلى السياق السياسي والقانوني الذي سبق صدوره. فالإحصاء لم يكن حدثاً معزولاً، بل جاء نتيجة مباشرة للتقلبات الحادة التي شهدتها سوريا في مطلع ستينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال الفترة التي عُرفت بـ”حكومة الانفصال” والتي تلت انهيار الوحدة السورية-المصرية عام 1961.
فبعد الانفصال في أيلول/سبتمبر 1961، دخلت البلاد مرحلة من الاضطراب السياسي. تولّت الحكم حكومات متعاقبة قصيرة العمر، كان آخرها حكومة بشير العظمة التي تولّت السلطة في نيسان/أبريل 1962،[13] في ظلّ تصاعد النزعات القومية ومحاولات السلطة الجديدة تثبيت شرعيتها عبر خطاب “القومية العربية”. في هذا السياق، بدأ التعامل مع الكرد السوريين –الذين يتركزون خاصة في محافظة الحسكة ومناطق من عفرين وكوباني/عين العرب– بوصفهم عنصراً غير عربي، يتطلّب ضبطاً إدارياً وأمنياً واعتُبرت الهوية الكردية تهديداً لنجاح قيام سوريا العربية الموحدة.[14]
وفي 23 آب/أغسطس 1962، أصدرت الحكومة المرسوم التشريعي رقم (93)، الذي نصّ في مادته الأولى على: “يجري إحصاء عام للسكان في محافظة الحسكة في يوم واحد يحدد تاريخه بقرار من وزير التخطيط بناءً على اقتراح وزير الداخلية”. وقد استند المرسوم إلى قرار مجلس الوزراء رقم (106) للعام 1962، وإلى المرسوم التشريعي رقم (1) الصادر في 30 نيسان/أبريل 1962. بهذه الصيغة الإجرائية البسيطة، أُعطي غطاء قانوني لعملية فرز سكاني ذات طابع تمييزي صريح، جرت حصراً في محافظة الحسكة دون أي محافظة أخرى.
بُرِّر حصر الإحصاء في الحسكة بالتحقق من “المتسللين”، لكنه ارتكز فعلياً إلى اعتبارات سياسية وأمنية مرتبطة بالوجود الكردي. نُفِّذ الإحصاء دون مهلة أو ضمانات، وجرى التصنيف وفق التواجد في المنزل وإثبات الإقامة قبل عام 1945،[15] ما ترك عشرات الآلاف بلا جنسية. ترافقت هذه العملية مع حملات سياسية وإعلامية صوّرت الكرد كدخلاء ووافدين من تركيا والعراق، في وقت كانت فيه السلطة تحاول ترسيخ مفهوم القومية العربية كأساس للدولة الحديثة.[16] تعزز هذا التوجه لاحقاً بعد انقلاب 8 آذار/مارس 1963 ووصول حزب البعث إلى السلطة، حيث جرى تحويل الإحصاء إلى أداة قانونية لتكريس التمييز القومي.
توضح هذه الخلفية أن إحصاء 1962 لم يكن مجرد خلل إداري كما أكد لاحقاً الرئيس السابق بشار الأسد،[17] بل سياسة دولة استهدفت فئة قومية محددة على أساس الهوية. وقد أسّست تلك السياسة لمنظومة تمييز متكاملة امتدت لعقود، حرمت مئات آلاف الكرد من أبسط حقوق المواطنة، وخلقت أزمة قانونية وإنسانية ما تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
ويمكن فهم خطورة هذا الإجراء بصورة أوضح عند مقارنته بتجارب دولية مشابهة، حيث تُظهر عدة حالات حول العالم أن التجريد الجماعي من الجنسية يشكل أحد أخطر أنماط الانتهاكات البنيوية. فالروهينغا في ميانمار حُرموا من المواطنة بموجب قانون عام 1982، ما أسّس لعقود من الاضطهاد والعنف الممنهج،[18] بينما يواجه “البدون” في الكويت حالة انعدام جنسية حرمتهم من الوثائق الأساسية والخدمات والاعتراف القانوني.[19] وعلى الرغم من اختلاف السياقات، تكشف هذه الأمثلة عن نمط واحد: انعدام الجنسية يدفع فئات كاملة إلى خارج حماية القانون ويحوّل التمييز إلى واقع متوارث، وهو ما يتقاطع بوضوح مع آثار إحصاء 1962 على الكرد في سوريا.
9. توارث الحرمان من الجنسية بين الأجيال:
تزايدت أعداد المحرومين من الجنسية تدريجياً نتيجة التزاوج داخل الفئتين المتضررتين: “مكتومي القيد” و”أجانب الحسكة”. فكل زواج بين طرفين بلا جنسية كان يُنتج أطفالاً مكتومي القيد تلقائياً، ليتحوّل الحرمان من حالة فردية إلى ظاهرة متوارثة عبر الأجيال. ومع مرور العقود، أصبح التجريد من الجنسية واقعاً وراثياً؛ إذ يُولَد الأطفال بلا قيد رسمي لأن آباءهم محرومون من الجنسية، فيما تُحرم النساء من تسجيل أبنائهن بكل الأحوال لأن الأم لا تعطي جنسيتها لأطفالها بحسب القانون السوري.[20] وهكذا نشأت سلسلة حرمان جماعية امتدت من السجل المدني إلى أبسط الحقوق الأساسية، فأثّرت على التعليم والعمل والزواج والتملّك والميراث والرعاية الصحية، ورسّخت الإقصاء القانوني والاجتماعي للكثير من الأسر الكردية.
يبين الجدول أدناه كيفية انتقال الحرمان من الجنسية من الأهل إلى الأبناء، نتيجة عدم تثبيت الزواج أو عدم تسجيل النسب والأولاد، وذلك بين الفئات المتضرّرة من إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة:
| # | حالة الزوج | حالة الزوجة | حالة تثبيت الزواج | حالة الأولاد |
| 1 | مكتوم القيد | مكتومة القيد | لا يسجل الزواج ويبقى الزوجان عازبين. | غير مسجلين / مكتومي القيد. |
| 2 | مكتوم القيد | من أجانب الحسكة | لا يسجل الزواج ويبقى الزوجان عازبين. | غير مسجلين / مكتومي القيد. |
| 3 | من أجانب الحسكة | مكتومة القيد | لا يسجل الزواج ويبقى الزوجان عازبين. | غير مسجلين / مكتومي القيد. |
| 4 | من أجانب الحسكة | من أجانب الحسكة | يُسمح بتثبيت الزواج وتسجيل نسب الأولاد إلى والدهم مباشرة، من دون الحاجة إلى الحصول على موافقة مسبقة من وزارة الداخلية أو شعبة الأمن السياسي. | مسجلين على أنهم من أجانب الحسكة (بدون جنسية). |
| 5 | مكتوم القيد | مواطنة تحمل الجنسية السورية | لا يُسجل الزواج رسمياً، إلا أن المحاكم الشرعية تصدر قراراً يقر بحدوثه ويذكر فيه أسماء الأولاد، غير أنّ دوائر النفوس تمتنع عن تثبيته، فتظلّ الزوجة مسجَّلة عازبة، ويُبقى الزوج بلا قيد مدني. | غير مسجلين / مكتومي القيد. |
| 6 | من أجانب الحسكة | مواطنة تحمل الجنسية السورية | غالباً لا يُسجل الزواج لعدم حصول الطرفين في معظم الحالات على موافقة شعبة الأمن السياسي، فيُكتفى بالموافقة على تثبيت نسب الأولاد للأب دون توثيق واقعة الزواج نفسها، مما يُبقي الزوجين رسمياً عازبين بسبب عدم تسجيل الزواج في السجلات المدنية. | غير مسجَّلين ومكتومي القيد في حال عدم الحصول على الموافقة الأمنية، أما في حال صدور موافقة أمنية خاصة بتثبيت واقعة النسب فقط، فيُمنح الأولاد البطاقة الحمراء ويُسجَّلون ضمن قيود أجانب الحسكة دون تثبيت الزواج نفسه.[21] |
| 7 | مواطن يحمل الجنسية السورية | من أجانب الحسكة | يُثبت الزواج أولاً في المحكمة، ثم يُحال الملف إلى وزارة الداخلية التي كانت تُصدر في الغالب موافقتها النهائية، ليُستكمل بعد ذلك التسجيل في سجلات النفوس. | مواطنون يحملون الجنسية السورية. |
| 8 | مواطن يحمل الجنسية السورية | مكتومة القيد | يُثبت الزواج أولاً في المحكمة، ثم يُحال الملف إلى وزارة الداخلية التي كانت تُصدر في الغالب موافقتها النهائية، ليُستكمل بعد ذلك التسجيل في سجلات النفوس.[22] | مواطنون يحملون الجنسية السورية. |
10. سياسات التمييز الممنهجة ضد الكرد في سوريا:
لم يتوقف التمييز ضد الكرد السوريين/ات عند حدود إحصاء الحسكة لعام 1962، بل تطوّر لاحقاً إلى سياسات ممنهجة طويلة الأمد، اتخذت طابعاً قانونياً وإدارياً وثقافياً واقتصادياً، هدفت إلى إعادة تشكيل البنية الديموغرافية والثقافية في شمال شرقي البلاد على أسس قومية ضيّقة. هذه السياسات لم تكن عشوائية، بل اعتمدت على مراسيم وتشريعات وأوامر تنفيذية متعاقبة، صاغت ما يشبه منظومة تمييز متكاملة حرمت الكرد من الاعتراف الكامل بمواطنتهم.[23]
يقول بسام الأحمد، مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وكان قد أمضى نحو ثلاثة عقود من حياته محروماً من الجنسية متنقّلاً بين صفة “مكتوم القيد” و”أجنبي الحسكة”، قبل أن يحصل لاحقاً على الجنسية السورية ويختبر شكلاً من “المواطنة المنقوصة” في ظل أنظمة متعاقبة لم تمنحه شعور الانتماء الكامل:
“في سوريا، كان العيش كردياً محروماً من الجنسية من محافظة الحسكة، في ظل حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، يعني التعاطي مع طبقات من الظلم المركّب؛ فمن ناحية، تواجه مظالم مشتركة مع عموم السوريين/ات، لكونك تعيش في بلد ذو نظام سياسي مستبد، قمعي وغير ديمقراطي. وكونك ابن محافظة الحسكة ومنطقة الجزيرة “النامية”، فأنت أيضاً تعاني من التهميش والفقر والإقصاء والبطالة مقارنة مع أبناء عدد من “محافظات الداخل”. وفوق كل ذلك، يتمّ حرمانك من الاعتراف بلغتك الأم والتعلّم بها، وبعيدك السنوي “نوروز”، وحتى من الاعتراف بشخصيتك القانونية، ومن أبسط حقوقك الثقافية واللغوية والمدنية والسياسية، فقط لأنك كردي محروم من الجنسية، ولدت لأب وأم كرديين في محافظة الحسكة.”
10.1. القيود على اللغة والثقافة الكردية:
منذ ستينيات القرن الماضي، فرضت السلطات السورية قيوداً صارمة على التعبير الثقافي واللغوي الكردي، في انتهاك واضح لحرية الرأي والهوية الثقافية التي كفلها الدستور والمواثيق الدولية. فقد حظرت الدولة تدريس اللغة الكردية في المدارس العامة والخاصة، ومنعت الكتب والمجلات الصادرة بها،[24] وجرى ملاحقة المعلمين والكُتّاب الذين حاولوا استخدامها في الفضاء العام ومنع الموظفون العامون من استخدامها خلال تأدية عملهم.[25] حتى الأسماء الشخصية[26] أو أسماء المحال التجارية التي تحمل طابعاً كردياً كانت تُمنع أو تُستبدل بأسماء عربية في السجلات الرسمية.[27] هذا إضافة لتعريب أسماء المدن والقرى الكردية.[28]
كما أُغلقت الجمعيات الثقافية الكردية، واعتُبر أي نشاط ذي طابع قومي انفصالياً. لم يكن مسموحاً بإقامة الاحتفالات العامة بعيد نوروز (رأس السنة الكردية)، وغالباً ما تحوّلت المناسبات الثقافية إلى نقاط احتكاك مع الأجهزة الأمنية.[29]
رغم تغيّر الأنظمة السياسية في سوريا، حافظت الدساتير المتعاقبة ــ من دستور 1950[30] مروراً بدستوري 1973[31] و2012[32] وصولاً إلى الإعلان الدستوري لعام 2025ــ[33] على مقاربة أحادية للهوية الوطنية، إذ ركّزت جميعها على الطابع العربي للدولة والشعب، واستبعدت أي اعتراف بالهويات الإثنية الأخرى، مؤكدة أن سوريا جمهورية عربية والشعب السوري جزء من الأمة العربية.
رسّخت هذه السياسات شعوراً لدى الكرد بأن دولتهم تتعامل مع لغتهم وثقافتهم كتهديد، لا كجزء من التعدد الوطني المشروع، وولدت شعوراً بعدم الانتماء وغياب المواطنة في بلدهم.[34]
10.2. مشروع “الحزام العربي” (1965–1976):
في منتصف الستينيات، انتقل التمييز من الإطار الثقافي إلى الهندسة الديموغرافية. ففي عام 1965، أعدّت الحكومة السورية خطة لما عُرف بـ”مشروع الحزام العربي”،[35] بناءً على دراسة وضعها الضابط “محمد طلب هلال”، رئيس الشعبة السياسية في الحسكة حينها.[36] أوصت الدراسة بإقامة شريط عربي يمتد على طول الحدود مع تركيا بعمق 10 إلى 15 كيلومتراً، لفصل الكرد السوريين عن امتدادهم القومي في تركيا والعراق.
في 24 حزيران/يونيو من عام 1974، أصدرت القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي القرار رقم (521)، مُعلنة بدء تنفيذ المشروع. تم تهجير آلاف العائلات الكردية من قراها الزراعية في الشمال الشرقي،[37] وتوطين ما يقارب 4000 عائلة عربية ممن كانت أراضيهم قد غُمرت بالماء أثناء بناء سد الطبقة على نهر الفرات، في 41 “مزرعة نموذجية” في قلب المنطقة الكردية.
ورغم تجميد الحكومة لمشروع “الحزام العربي” في عام 1976، لكنها لم تسحب القرى النموذجية ولا هي أعادت الأكراد النازحين من أراضيهم. ورافق ذلك منع الكرد من تملك الأراضي في تلك المنطقة أو استعادتها لاحقاً. أُطلقت على القرى الجديدة أسماء عربية، واستُبدلت أسماء القرى الكردية القديمة في الخرائط والسجلات الرسمية، في خطوة هدفت إلى محو الطابع الكردي عن الشمال السوري.[38]
بهذا، كان “الحزام العربي” أداة هندسة سكانية هدفت إلى تفكيك الوجود الكردي وإعادة رسم هوية المنطقة قسراً. وما تزال آثاره قائمة اليوم في الذاكرة الجماعية والخريطة الديموغرافية، شاهدة على طابع التمييز البنيوي الذي مارسته الدولة.
11. المرسوم التشريعي رقم (49) لعام 2011 ومحاولة التصحيح الجزئية:
بعد قرابة نصف قرن من الصمت الرسمي، صدر المرسوم التشريعي رقم (49) لعام 2011،[39] الذي نصّ على منح الجنسية السورية لفئة “أجانب الحسكة” المسجّلين في السجلات المدنية. جاء المرسوم في 7 نيسان/أبريل 2011، في ذروة الاحتجاجات الشعبية الأولى، واعتُبر حينها خطوة استدراكية تهدف إلى امتصاص الغضب الكردي المتراكم منذ إحصاء 1962. وفي تفسير هذه الخطوة، يوضح بسام الأحمد، مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”:
“كان واضحاً أنّ أسباب منح الجنسية للكرد المحرومين منها من قبل النظام السوري السابق عام 2011، ما هي إلا محاولة سياسية لاستمالة الكرد، أكثر من كونها فتح صفحة إصلاحية جديدة في بلاد ممزقة. أو أنها كانت محاولة لمنعهم على الأقل من المشاركة بكثافة في الاحتجاجات ضدّ نظام الحكم، وهو ما أثبتت الأشهر والسنوات التالية بأنها استراتيجية غير ناجحة، فقد شهدت معظم المدن والمناطق الكردية أو ذات الكثافة الكردية، مظاهرات مستمرة ضدّ نظام الحكم بالتزامن مع تظاهرات باقي المناطق السورية”.
جاء المرسوم رقم (49) في ثلاث مواد ونص على ما يلي: “1-يُمنح المسجلون في سجلات أجانب الحسكة الجنسية العربية السورية. 2-يصدر وزير الداخلية القرارات المتضمنة للتعليمات التنفيذية لهذا المرسوم”. وبالفعل، بدأت مديريات النفوس في الحسكة والقامشلي والدرباسية بتلقي الطلبات، لكن التنفيذ واجه عراقيل إدارية كبيرة، منها اشتراط “موافقات أمنية” مسبقة قبل منح الجنسية إضافة لتعقيدات إجرائية عطّلت العديد من ملفاتٍ المتقدمين للحصول على الجنسية.[40]
من أعمق أوجه القصور في المرسوم أنه لم يشمل مكتومي القيد، أي من لم ترد أسماؤهم في أي سجل مدني. وهكذا، وُلد جيل جديد بعد عام 2011 ما زال بلا هوية قانونية.[41] علماً أنه وبعد عدة أشهر من صدور المرسوم رقم (49)، تسرّبت أنباء عن قرار وزاري يقضي بمعاملة فئة مكتومي القيد معاملة أجانب الحسكة من حيث إمكانية الحصول على الجنسية. غير أنّ العديد من مكتومي القيد الذين راجعوا دوائر السجل المدني أفادوا بأنّ الموظفين لم يعرفوا الجهة المسؤولة عن تنفيذ القرار أو آلية تطبيقه عملياً.[42]
ذكر المصدر الرسمي الخاص داخل مديرية النفوس في محافظة الحسكة لـ”سوريون” إلى أن مجموع الحاصلين على الجنسية السورية من أجانب الحسكة بلغ 326,489 فرداً[43] (من أصل 346,242).[44]
أمّا فيما يخصّ فئة مكتومي القيد،[45] فقد نفى المصدرُ الادعاءات التي تزعم أنّ الحكومة السورية لا تملك بيانات دقيقة عن عددهم، موضحاً أن مديرية النفوس في الحسكة كانت تعتمد، على مدى عقود، على سجلات “المخاتير”، التي كانت تمنح وثائق تعريفية لفئة مكتومي القيد، مثل شهادات التعريف الشخصية.
لم يُحقّق المرسوم (49) لعام 2011 العدالة المطلوبة، إذ عالج الأثر الإداري للإحصاء دون الاعتراف بجريمته. فلم يصف القانون ما جرى عام 1962 كحرمان جماعي من الجنسية، ولم ينصّ على تعويض المتضررين أو إعادة الاعتبار لهم، كما لم يشمل جميع الفئات المتضرّرة. كذلك لم يعالج المرسوم الآثار القانونية المترتبة على عقود الزواج أو الميراث أو التملك السابقة، إذ لم تُعدّل السجلات المدنية بأثر رجعي، ما يجعل عملية التجنيس ناقصة الأثر القانوني والعملي.
12. الحرمان من الجنسية بعد 2011:
تجدر الإشارة إلى أنه ورغم أنّ الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 شكّل المنعطف الأخطر في تاريخ الحرمان من الجنسية في سوريا، إلا أنّ سنوات الحرب منذ عام 2011 أعادت إنتاج الظاهرة بأشكال جديدة طالت فئات مختلفة من السكان. فبفعل الانهيار الإداري، وتشتّت السلطات، وغياب السجلات الرسمية، وانقسام المناطق السورية بين القوى المسيطرة، ظهرت حالات متزايدة لانعدام الجنسية أو التهديد بها، تجاوزت الكرد في الحسكة إلى شرائح أوسع من المجتمع السوري.
من بين هؤلاء أبناء السوريات من آباء أجانب أو مجهولي الهوية، الذين ما زالوا يُحرمون من التسجيل الكامل بسبب غياب حق الأم في نقل جنسيتها، إضافة إلى الأطفال المولودين في بعض دول اللجوء أو خارج مناطق سيطرة الحكومة ممن لم يُعترف بوثائق ولادتهم في الخارج. كما فُقدت الصفة القانونية لآلاف الأطفال المولودين لحالات زواج غير مثبتة أو نتيجة اختلاف الطوائف، ما جعلهم في نظر القانون بلا نسب مدني. إلى جانب ذلك، أسهمت الخسائر المادية الناتجة عن الحرب –كاحتراق المنازل والسجلات الرسمية وفقدان الوثائق والنزوح المتكرر– في محو السجلات الشخصية والعائلية لمئات الآلاف. أما العائدون من اللجوء بوثائق أجنبية، فيواجهون عراقيل إدارية طويلة لإعادة إدخال قيودهم في السجل المدني.
وتُظهر هذه التطورات أنّ قضية انعدام الجنسية في سوريا لم تنتهِ مع إحصاء 1962، بل اتّسعت خلال سنوات الصراع، ما يجعل معالجة إرث التجريد من الجنسية وإدماج المتضررين ضمن مسار العدالة الانتقالية الحالي شرطاً ضرورياً لبناء منظومة مواطنة عادلة وشاملة في سوريا الجديدة، ومعياراً لقياس شكل الدولة السورية القادمة، وحدود عقد المواطنة الذي يجمع جميع السوريين.
13. التحليل القانوني:
لم يكن إحصاء الحسكة لعام 1962 مجرّد إجراء إداري، بل خرقاً واضحاً للمبادئ الواردة في الدساتير السورية المتعاقبة، وللالتزامات الدولية التي تعهّدت بها الدولة منذ منتصف القرن العشرين. فقد أسّس لتجريد جماعي من الجنسية على أساس قومي، دون مسوّغ قانوني أو رقابة قضائية، في مخالفة صريحة لجوهر سيادة القانون ومبدأ المساواة أمامه.
نص دستور عام 1950،[46] النافذ وقت الإحصاء، على عدد من القواعد الأساسية التي عارضها الإحصاء الاستثنائي لعام 1962. من أهمها:
- “المواطنون متساوون أمام القانون في الواجبات والحقوق وفي الكرامة والمنزلة الاجتماعية” (المادة 7).
- “تكفل الدولة الحرية والطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين” (المادة 8).
- “حرية الفرد مصونة” (المادة 10).
- “الملكية الخاصة مصونة” (المادة 21).
لقد أُصدر المرسوم التشريعي رقم (93) لعام 1962 من قبل حكومة الانفصال دون سند دستوري، إذ منح السلطة التنفيذية صلاحية نزع الجنسية عن فئة واسعة من المواطنين دون أي قرار قضائي أو آلية طعن.
يخالف حرمان أجيال من الجنسية أيضاً قانون الجنسية رقم 276 لعام 1969،[47] والذي لم يُجز إسقاطها إلا بحكم قضائي فردي ولأسباب محددة، لا لأسباب جماعية أو قومية (المواد 20-24)، كما أنّ ممارسات الحكومة اللاحقة خالفت أحكام قانون الجنسية ذاته، إذ تنصّ المادة (3) منه على اعتبار كل من وُلد في سوريا من والدين مجهولين أو مجهولي الجنسية أو عديمي الجنسية سوريًا حكماً. وبمقتضى ذلك، كان يفترض منح الجنسية تلقائياً لكل من وُلد لأسرة ينتمي أحد أبويها أو كلاهما إلى فئة “أجانب الحسكة” أو “مكتومي القيد”، سواء كانت الأم مواطنة أو كان الأبوان كلاهما من الفئتين المحرومتين، بما ينسجم مع النص القانوني وروحه في حماية الفرد من انعدام الجنسية.
هذا وقد اتخذ التمييز ضد الكرد بُعداً جندرياً خاصاً، حيث أدى حرمان المرأة من نقل جنسيتها إلى أبنائها (المادة 3) إلى إنتاج طبقات مضاعفة من انعدام الجنسية، ما يجعل معالجة هذا الملف مدخلاً جوهرياً لتحقيق العدالة الجندرية في سوريا.
أما من الناحية الدولية، فيُعدّ حرمان الأفراد من الجنسية بصورة جماعية تعسفية انتهاكاً لعدة مواثيق أساسية أهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان[48] الذي ينص على أن “1-لكل فرد حق التمتع بجنسية ما. 2-لا يجوز، تعسُّفاً، حرمانُ أيِّ شخص من جنسيته ولا من حقِّه في تغيير جنسيته.” (المادة 15). كما يخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية[49] الذي يؤكد على أن “لكل طفل حق في اكتساب جنسية.” (المادة 24) و“لكل إنسان، في كل مكان، الحق بأن يعترف له بالشخصية القانونية” (المادة 16). كذلك يشكّل الحرمان من الجنسية الذي تعرّض له عشرات الآلاف من الكرد انتهاكاً صريحاً لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965،[50] التي تحظر أي تمييز قائم على الأصل القومي أو الإثني ويكفل المساواة في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، بما في ذلك الحق في الجنسية. ويُعدّ حرمان المرأة السورية من نقل جنسيتها لأولادها أسوةً بالرجل مخالفة صريحة لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو).[51] كما أن التحفّظ السوري على الفقرة الثانية من المادة (9) من الاتفاقية —التي تضمن حقاً مساوياً للمرأة في نقل جنسيتها لأبنائها—يُعدّ غير منسجم مع الدستور، إذ يتعارض مع المبدأ الدستوري القاضي بالمساواة بين جميع المواطنين والمواطنات وعدم التمييز بينهم على أي أساس، بما في ذلك الجنس. كذلك يتعارض هذا التحفّظ مع الالتزامات الدولية المترتبة على سوريا بموجب العهود والمواثيق العديدة التي انضمت إليها، والتي توجب احترام مبدأ المساواة وعدم التمييز.
إن الإجراء الذي استهدف فئة قومية محددة دون غيرها، وأدى إلى حرمانها من الاعتراف القانوني كشعبٍ ذي انتماء وحقوق، يجسد تمييزاً مؤسسياً مخالفاً لالتزامات سوريا بموجب هذه المواثيق، ويُعدّ شكلاً من الاستبعاد القومي الممنهج الذي يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون.
______________________________________________________________________________________________________
[1] هيومن رايتس ووتش. Syria: The Silenced Kurds. بتاريخ 1 تشرين الأول/أكتوبر 1996.
[2] بعد انتهاء الوحدة بين سوريا ومصر في 28 أيلول/سبتمبر 1961، تولّى حكم البلاد ما عُرف بـ”حكومة الانفصال”، التي تشكّلت تحت اسم “القيادة العربية الثورية العليا للقوات المسلحة”. وقد اتسمت تلك المرحلة باضطراب سياسي وتعدد الانقلابات العسكرية في ظل صراع النفوذ داخل الجيش. انتهى عهد الانفصال فعلياً بانقلاب 8 آذار/مارس 1963، ساعده في ذلك التنظيم العسكري الذي كان قد تشكّل في مصر خلال فترة الوحدة، وضمّ مجموعة من الضباط أبرزهم محمد عمران، وصلاح جديد، وحافظ الأسد، وأحمد المير، وعبد الكريم الجندي.
[3] موقع مجلس الشعب السوري. المرسوم التشريعي 49 لعام 2011 منح الجنسية العربية السورية للمسجلين في سجلات أجانب الحسكة. 7 نيسان/أبريل 2011.
[4] هيومن رايتس ووتش. إنكار الوجود. قمع الحقوق السياسية والثقافية للأكراد في سوريا. 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2009.
[5] سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. “المواطنة السورية المفقودة” كيف دمر إحصاء عام 1962 حياة الكرد السوريين وهويتهم. 15 أيلول/سبتمبر 2018.
[6] رويترز. كندا تعيد فتح ملف انتهاكات ارتكبتها بحق السكان الأصليين. 29 أيار/مايو 2008.
[7] نص اتفاقية عام 1961 التي تسعى إلى خفض حالات انعدام الجنسية.
[8] حتى عام 2004، لم يكن يحق للمجردين من الجنسية الالتحاق بالجامعات بقصد الدراسة، لكن بعد ذلك تم قبولهم في الجامعات بشكل شرطي يتضمن عدم منح وثيقة التخرج/الشهادة لهم، كما كانوا محرومين من العمل والتوظيف في القطاع العام.
[9] جاء بأسباب ومبررات صدوره ما يلي: “بالنظر للمخاطر التي تنشأ عن تملك أشخاص مشبوهين لعقارات متاخمة للحدود، ولضمان سلامة الدولة، وكفالة الأمن فيها فقد كان هذا المرسوم. حيث جاء بمادته الأولى بأنه لا يجوز إنشاء أو نقل أو تعديل أي حق من الحقوق العينية على الأراضي الكائنة في مناطق الحدود وكذا استئجارها أو تأسيس شركات أو عقد مقاولات لاستثمارها زراعياً لمدة تزيد عن ثلاث سنوات”.
[10] اللجنة القانونية لحزب يكيتي الكردي في سوريا. المرسوم التشريعي رقم 49 الصادر بتاريخ 2008/9/10 وخلفياته التاريخية والعملية وآثاره وغاياته. 12 تشرين الأول/أكتوبر 2008.
[11] تجدر الإشارة إلى أن اللجوء للمحكمة بحد ذاته شكّل تحدياً حيث توجّبَ على المدعي الحصول على موافقة امنية لتوكيل محامٍ.
[12] سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. “عندما كنا نبرز البطاقة الحمراء كانوا يسخرون منا ويقولون هذه مخصّصة للحيوانات“. 19 أيلول/ديسمبر 2018. أنظر أيضاً: سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. “كانوا يتحدثون عن مكتومي القيد بنوع من الازدراء والشفقة“. 5 تشرين الأول/أكتوبر 2019.
[13] هاشم عثمان. تاريخ سوريا الحديث. دار رياض الريس للكتب والنشر. بيروت-لبنان.
[14] هيومن رايتس ووتش. Syria: The Silenced Kurds. بتاريخ 1 تشرين الأول/أكتوبر 1996.
[15] زهراء البرازي. The Stateless Syrians. ورقة بحثية في الدراسات القانونية في كلية الحقوق جامعة تيلبرخ-هولندا. 2013
[16] هيومن رايتس ووتش. Syria: The Silenced Kurds. بتاريخ 1 تشرين الأول/أكتوبر 1996.
[17] أجرى تلفزيون سكاي نيوز التركية -آنذاك- لقاءً مع رئيس الجمهورية بشار الأسد، وفي معرض الحديث عن “المشكلة الكردية” في تركيا، قال: “المشكلة الكردية هي مشكلة تقنية لها علاقة بإحصاء حصل في عام 1962 ولم يكن هذا الإحصاء دقيقاً من الناحية التقنية.. ولم تكن هناك مشكلة سياسية، ولو كانت هناك مشكلة سياسية تجاه الموضوع الكردي لما حصل الإحصاء في الأساس.. لذلك بالنسبة لنا في سورية نقوم بحل هذه المشكلة أيضاً تقنياً لأنه لا توجد أية موانع سياسية”. سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. “المواطنة السورية المفقودة” كيف دمر إحصاء عام 1962 حياة الكرد السوريين وهويتهم. 15 أيلول/سبتمبر 2018.
[18] أعاد قانون المواطنة في ميانمار لعام 1982 تعريف الجنسية بطريقة إقصائية، إذ حصرها في 135 جماعة معترف بها، مستبعداً الروهينغا الذين يعيشون تاريخياً في ولاية راخين. وبذلك أصبح الروهينغا فعلياً عديمي جنسية، محرومين من الوثائق والحقوق الأساسية، وهو ما مهد لاحقاً لاضطهادهم الواسع.
[19] يعيش البدون في الكويت منذ عقود دون اعتراف رسمي بجنسيتهم، إذ لا يعترف بهم قانون الجنسية الكويتي باعتبارهم كويتيين، ولا يمنح أطفالهم الجنسية، حتى لو كانت الأمهات كويتيات. يُقدَّر عددهم بنحو 100 ألف شخص، ويُحرمون من الحقوق الأساسية بسبب غياب الوثائق الرسمية، كما تُصدر الدولة قرارات تمنع تجنيسهم أو تثبيت أوضاعهم القانونية، ما يتركهم في حالة مزمنة من انعدام الجنسية. للمزيد من المعلومات أنظر: هيومان رايتس واتش. الكويت: حرمان البدون من الحقوق. 13 حزيران/يونيو 2011. أنظر أيضا: منظمة العفو الدولية. الحكم بالسجن على ناشط كويتي من البدون خلال الاستئناف. 2 شباط/فبراير 2024.
[20] تنص المادة 3 من قانون الجنسية السوري رقم 276 لعام 1969 على أن الجنسية تُمنح عن طريق الأب دون الأم. وبذلك، يحرم القانون المرأة من حقٍّ أساسي في المساواة في منح الجنسية لأبنائها أسوة بالرجل، مما يفاقم حالة الحرمان من الجنسية.
[21] عادةً لا تُسجل الولادات تلقائياً في سجلات النفوس. ومنذ عام 2000، بدأ الوالدان بتوكيل محامٍ يتولى إرسال عقد الزواج وشهادات الولادة مرفقة بضبط الشرطة إلى وزارة الداخلية، التي تحيلها بدورها إلى شعبة الأمن السياسي، وقد كانت الأخيرة توافق أحياناً على تثبيت واقعة الولادة فقط دون تسجيل الزواج نفسه.
[22] لكنها حالة معقدة جداً مقارنة مع حالة الزوجة “الأجنبية” حيث يبدأ التعقيد من تثبيت الزواج في المحكمة الشرعية.
[23] هيومن رايتس ووتش. إنكار الوجود. قمع الحقوق السياسية والثقافية للأكراد في سوريا. 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2009.
[24] كانت المطبوعات الكردية محظورة رسمياً منذ عهد الرئيس أديب الشيشكلي، واستمر الحظر خلال فترة الوحدة السورية–المصرية (1958–1961). كما فرض حزب البعث القيود نفسها بعد استلامه السلطة، ما اضطر الكتّاب الأكراد إلى طباعة منشوراتهم في لبنان وتهريبها إلى سوريا بشكل غير قانوني.
[25] صدر تعميم سري من محافظ الحسكة مستنداً إلى قرار القيادة السياسية يحمل رقم 1865/س/25 تاريخ 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1989 يمنع فيه التكلم باللغة الكردية وخاصة للموظفين، مؤكداً على ضرورة تنفيذ قرار سابق صدر بهذا الخصوص يحمل رقم 2013/س/25 تاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1986. المصدر: موقع الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا. عفرين الجرح الذي لا يندمل. 2 أيار/مايو 2020.
[26] ميدل إيست واتش. Middle East Watch. Syria Unmasked: The Suppression of Human Rights by the Asad Regime. 1991.
[27] منظمة العفو الدولية. سوريا: الأكراد في الجمهورية العربية السورية بعد مرور عام على أحداث آذار/مارس 2004. 10 آذار/مارس 2005.
[28] أنظر مثلاً: القرار رقم 580 لعام 1998 الذي نص على تعريب 329 قرية وبلدة ومزرعة في عفرين.
[29] منظمة العفو الدولية. سوريا: الأكراد في الجمهورية العربية السورية بعد مرور عام على أحداث آذار/مارس 2004. 10 آذار/مارس 2005.
[30] موقع مجلس الشعب السوري. دستور الجمهورية العربية السورية 1950. 5 أيلول/سبتمبر 1950.
[31] نص دستور الجمهورية العربية السورية. 1973.
[32] موقع مجلس الشعب السوري. دستور الجمهورية العربية السورية 2012. 27 شباط/فبراير 2012.
[33] الوكالة السورية للأنباء سانا. الإعلان الدستوري للجمهورية العربية السورية 2025. 13 آذار/مارس 2025.
[34] سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. أشعر دائماً بأن “عمري المواطني” في بلدي الأم لم يكن سوى عاماً واحداً!. 5 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
[35] سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. سلب الوجود: سياسة “القوننة المقنّعة” كأداة للاستيلاء على الأملاك من قبل الحكومات المتعاقبة على سوريا. 9 تشرين الأول/أكتوبر 2020.
[36] العقيد محمد طلب هلال. دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية. 1963.
[37] لا تتوافر إحصاءات دقيقة حول عدد الأكراد الذين غادروا منطقة الجزيرة نتيجة سياسات الحكومة المتعلقة بالنزوح. غير أنّ منظمة حقوق الأقليات (Minority Rights Group) قدّرت في عام 1985 أنّ نحو 60 ألف كردي من سكان الجزيرة غادروها، مع الإشارة إلى أنّ جزءاً من هذه الهجرة كان لأسباب اقتصادية طبيعية وليست بالضرورة نتيجة مباشرة لسياسات حكومية. للمزيد، يمكن الاطلاع على:
Minority Rights Group, 1985 مقتبس في الصفحة 186 من تقرير: Middle East Watch (التي أصبحت لاحقاً Human Rights Watch/MENA): Syria Unmasked: The Suppression of Human Rights by the Asad Regime (and London: Human Rights Watch Books/Yale University Press) 1991.
[38] رابطة تآزر للضحايا. مشروع “الحزام العربي” في سوريا: 51 عاماً من التمييز البنيوي وغياب العدالة. 24 حزيران/يونيو 2025.
[39] موقع مجلس الشعب السوري. المرسوم التشريعي 49 لعام 2011 منح الجنسية العربية السورية للمسجلين في سجلات أجانب الحسكة. 7 نيسان/أبريل 2011.
[40] رابطة تآزر للضحايا. خارج السجلّ: ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة منذ إحصاء 1962. 5 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
[41] سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. سوريا: “عديمو الجنسية” عقود مستمرة من انعدام الحقوق الأساسية. 6 تموز/يوليو 2021.
[42] سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. “المواطنة السورية المفقودة” كيف دمر إحصاء عام 1962 حياة الكرد السوريين وهويتهم. 15 أيلول/سبتمبر 2018.
[43] سوريون من أجل الحقيقة والعدالة. “المواطنة السورية المفقودة” كيف دمر إحصاء عام 1962 حياة الكرد السوريين وهويتهم. 15 أيلول/سبتمبر 2018.
[44] وقد جرى تمييز الهويات الشخصية الصادرة لفئة أجانب الحسكة بعلامة خاصة، إذ أُضيف الرقم (8) بعد رقم الخانة أو القيد فكان من السهل تمييزهم حتى بعد أن أصبحوا مواطنين/ات سوريين/ات رسمياً.
[45] حصل نحو 50,400 من مكتومي القيد لاحقاً على الجنسية السورية بعد تصحيح أوضاعهم القانونية، عبر نقلهم أولاً من فئة مكتومي القيد إلى فئة أجانب الحسكة، ثم إلى فئة المواطنين السوريين.
[46] موقع مجلس الشعب السوري. دستور الجمهورية العربية السورية 1950. 5 أيلول/سبتمبر 1950.
[47] موقع مجلس الشعب السوري. المرسوم التشريعي 276 لعام 1969 الجنسية العربية السورية + التعليمات التنفيذية. 24 تشرين الثاني/نوفمبر 1969.
[48] نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
[49] نص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
[50] نص الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري.
[51] نص اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو).
المصدر: سوريون من أجل الحقيقة والعدالة
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=80405




