“غَمٌّ وسَأمٌ”: دراسة نقدية متعددة المناهج في شعر جواد غلوم

سهيل الزهاوي |

المقدّمة النظرية: القصيدة بوصفها تفكيرًا في الوجود

لا تُقرأ قصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» لجواد غلوم بوصفها تعبيرًا عن حالة نفسية عابرة، ولا بوصفها شكوى ذاتية من تعب فردي، بل بوصفها خطابًا شعريًا كينونيًا يتشكّل عند تقاطع التجربة الشخصية مع التاريخ السياسي، والزمن النفسي مع الذاكرة الجمعية. فالقصيدة لا تكتب الحزن، بل تكتب استقرار الألم، ولا تصف السأم، بل تفكّكه بوصفه شرطًا وجوديًا يلازم الذات في زمن فقد معناه.

ينتمي هذا النص إلى نمط من الشعر الذي لا يبحث عن الخلاص، بل عن التسمية الدقيقة للخراب. وهو ما يضعه في تماس مباشر مع الأسئلة الفلسفية الكبرى التي اشتغل عليها الفكر الكينوني والنقدي في القرن العشرين، ولا سيما عند ألبير كامو، بول ريكور، وثيودور أدورنو. فالسأم هنا لا يُفهم بوصفه مللًا نفسيًا، بل بوصفه ما سمّاه كامو “الوعي الفجائي بعبث العالم”، بينما يتحوّل الغمّ إلى أثر زمني جريح، قريب من مفهوم ريكور عن الذاكرة التي لا تُشفى، وعن الزمن الذي لا يُستعاد.

تنطلق هذه الدراسة من وعيٍ نقدي يرى أن التجربة الشعرية لا تنفصل عن شروطها التاريخية، دون أن تُختزل فيها، وهو ما ينسجم مع ما تشير إليه بعض القراءات المادية النقدية التي تؤكد استقلالية الشكل الجمالي رغم تشبّعه بالتناقضات الاجتماعية. (1)

أفق التجربة الشعرية تعتمد الدراسة منهجًا نقديًا تكامليًا، يجمع بين:

– التحليل البنيوي الداخلي

– القراءة السيميائية

– المقاربة الفلسفية الكينونية

– والتحليل السياسي–التاريخي

وذلك بهدف الكشف عن البنية العميقة للنص، دون اختزاله في بعد واحد، أو إخضاعه لقراءة أحادية.

نص القصيدة

غـمٌّ وسأمٌ

 

على حين غرّة

أطللتَ عليّ ؛ أيّها السأم

مادّاً عنقَك فضولاً

حاملاً زفراتِك الحرّى

رافعاً خيمتَك المهلهلة الوسِخة

واضعاً ظِلَّك الثقيل وسط دارتي

تعجّلتَ الحضور

أنت حللتَ وحلاً ونزلتَ قحلا

فذا اليومُ ليس يوم نحسي

كنتُ أتفجّرُ فرحا

منتشياً بقصيدةٍ اصطدتُها توّاً

وسط أسراب القوافي الهائمة فيَّ

أراك تخبئ ضحكاتي في أقبيةٍ مظلمة!

وتُظهر شجني كمرايا أوجعها الشرَخ

أيّها السأم الزائر الثقيل الظِّل

لِمَ تعثرْ رِجلاك بعتبة شيخوختي!!؟

تزيدُ من أنقاض وجعي

إن أردتَ زيارتي

أطرق الباب بتوئدة

واسترق النظر يمنة ويسرة

ترقّب الريح هنا وهناك

خشيةً أن تراك مندسّا

بين ثقوب الديدان

وشِباك العناكب

فيشتدّ هبوبها ويعلو صفيرها غضباً

ولتكن السماء غبراء مكفهرّة

والهلال ضائعا في أقاويل حلول الأعياد

وتآويل دعاة الباحثين …

عن أيام السعْد

كن وديعا هادئا كالذكريات النائمة

لاتقف كالطود الراسخ قبالتي

هازئا بوحدتي وشرودي

أدري بأني فقدتُ ظِلِّي

ورفيقي التوأم

في الليالي الحالكة السّواد

حين أغضبْتُ الشمس

ولم تعدْ تزورني

وتشرقُ لي بدفئِها وابتسامتها المعهودة

ليس لي سوى خيالٍ جانح

يأخذني بعيدا… بعيدا

إلى ملاعب صباي

حيث وجه حبيبتي يترقب وقْع أقدامي

وننسلّ معا إلى شقاوات الفتوة

نتدفق مع ميعة الصِّبا

نتبادل القبلات

يحفُّ بنا قطيعٌ من الهمسات

تتناجى بين شفاهنا

وفي أوّل المساء

ننزوي في الحدائق المعتمة

تفتحُ أبوابها للعشاق شاحذي الأرصفة

ومتأبطي الصحف والكتب الصفر

تضللهم من اللصوص الرقباء

ذوي العيون الفاضحة الوقحة

ندسُّ أجسادنا في زحام الأشجار

وتشابك الغصون في جسدينا

نغيب في المعاصي والآثام

كما يدّعون كذبا وميْنا

نفترشُ عشب الخطايا

نكبو معاً في الموبقات

حتى يأذن لنا الظلام بالرحيل

أولًا: العنوان بوصفه عتبة دلالية وفلسفية

«غَمٌّ وسَأمٌ»: من التسمية إلى الشرط الكينوني

لا يأتي عنوان قصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» بوصفه تسمية انفعالية أو توصيفًا نفسيًا مباشرًا، بل يعمل بوصفه عتبة دلالية كثيفة تؤسّس أفق القراءة منذ اللحظة الأولى. فالغمّ والسأم لا يُقدَّمان كحالتين عارضتين، بل كشرطين متلازمين يحدّدان طبيعة الوجود داخل النص.

من منظور فلسفي، يمكن قراءة هذا العنوان في ضوء ما يطرحه ألبير كامو حول السأم وصفه لحظة انكشاف فجائي لعبث العالم، حيث لا ينبع السأم من الفراغ، بل من انهيار المعنى. أما الغمّ، فيحيل إلى أثر زمني متراكم، قريب مما يسميه بول ريكور «الذاكرة الجريحة»، أي الذاكرة التي لا تُشفى، بل تستمر في إعادة إنتاج الألم.

الواو في العنوان ليست أداة جمع محايدة، بل تؤسّس علاقة تراكبية:

الغمّ يولّد السأم، والسأم يعمّق الغمّ، في حركة دائرية مغلقة. وبذلك يتحوّل العنوان إلى بنية مولِّدة تتحكّم في حركة القصيدة، لا إلى لافتة خارجية.

ثانيًا: تفسير وتحليل الأبيات – الحركة الداخلية للنص

1- السأم بوصفه اقتحامًا وجوديًا

“على حين غرّة   أطللتَ عليّ؛ أيّها السأم   واضعًا ظِلَّك الثقيل وسط دارتي”

يفتتح الشاعر النص بنداء مباشر، يُشخّص السأم بوصفه كائنًا دخيلًا، لا حالة نفسية. هذا التشخيص ينقل السأم من الداخل النفسي إلى الفضاء الكينوني، حيث تتحوّل الدار (الذات) إلى مكان مُحتلّ.

السأم هنا لا يأتي نتيجة تعب، بل يقتحم لحظة الحياة نفسها، ما يمنحه طابعًا قدريًا.

2-  المفارقة البنيوية: الفرح بوصفه لحظة هشّة

“كنتُ أتفجّرُ فرحًا    منتشيًا بقصيدةٍ اصطدتُها توًّا”

تتشكّل هنا مفارقة مركزية: السأم لا يظهر بعد الحزن، بل في ذروة الامتلاء الإبداعي.

هذه المفارقة تُخرج السأم من سياقه النفسي التقليدي، وتضعه في أفق العبث الكينوني كما عند كامو، حيث يصبح الفرح نفسه هشًّا، قابلًا للانكسار في أي لحظة.

3- تراكب الغمّ والسأم

“أراك تخبّئ ضحكاتي في أقبيةٍ مظلمة   وتُظهر شجني كمرايا أوجعها الشرخ”

في هذا المقطع، يتحقّق الاندماج الكامل بين مفهومي العنوان.

السأم لم يعد حالة مستقلة، بل صار مولّدًا للغمّ.

سيميائيًا، الأقبية والمرايا المشروخة علامات على ذاكرة معطوبة وذات منقسمة.

4- السأم والشيخوخة: الزمن بوصفه عبئًا

«لِمَ تعثرْ رِجلاك بعتبة شيخوختي!!؟»

لا تُقدَّم الشيخوخة بوصفها مرحلة بيولوجية، بل بوصفها مرحلة تاريخية– كينونية، حيث تتراكم الخسارات، ويغدو الزمن نفسه مصدرًا للغمّ. هنا يتحوّل العنوان إلى توصيف لمسار حياة كامل.

5- محاولة ترويض السأم

«إن أردتَ زيارتي   أطرق الباب بتؤدة…»

ينتقل النص من المواجهة إلى المساومة.

هذا التحوّل يعكس وعيًا فلسفيًا باستحالة طرد السأم، فيُعاد تعريف العلاقة معه بوصفها تنظيمًا للحضور لا مقاومة له.

6- الذروة الوجودية: فقدان الظل

“أدري بأني فقدتُ ظِلِّي ورفيقي التوأم”

الظلّ رمز للهوية والاتكاء الكينوني.

فقدانه يعني انكشاف الذات أمام العدم، وتحويل الغمّ من حزن إلى فقدان للذات كما كانت.

7- الذاكرة بوصفها ملاذًا مؤقتًا

“ليس لي سوى خيالٍ جانح   يأخذني بعيدًا…”

الذاكرة هنا لا تُنتج خلاصًا، بل تعليقًا مؤقتًا للألم.  وهي، وفق ريكور، ذاكرة لا تشفي الجرح، بل تؤجّل حضوره.

8. الخاتمة الشعرية: القبول الحذر

«حتى يأذن لنا الظلام بالرحيل»

تبلغ القصيدة في هذا المقطع ذروتها التأملية، حيث لا تُختتم بخلاص أو انتصار، بل بما يمكن تسميته القبول الحذر. فالرحيل هنا لا يتمّ بفعل إرادة حاسمة، ولا نتيجة تحوّل جذري في الوعي، بل يظلّ معلّقًا على «إذن» يمنحه الظلام ذاته، بوصفه القوة التي أحكمت سيطرتها على التجربة منذ بدايتها.

لا يُقدَّم الظلام في هذا السياق بوصفه نقيضًا أخلاقيًا للنور، ولا باعتباره شرًّا مطلقًا، بل بوصفه سترًا أخيرًا، يسمح بانسحاب هادئ من صخب المعنى المنهار. إنه فضاء كفٍّ عن المواجهة، لا فضاء هزيمة، حيث تتخلّى الذات عن وهم السيطرة، وتكتفي بإدارة حضورها داخل عالم لم يعد قابلًا للفهم أو التبرير.

بهذا المعنى، لا تمثّل الخاتمة انكسارًا نهائيًا، ولا مصالحة مكتملة، بل لحظة وعي بحدود الإمكان الكينوني، حيث يصبح الصمت، والانسحاب، والقبول المشروط أشكالًا بديلة للبقاء. وتغدو القصيدة، في نهايتها، شهادة على استنفاد المعنى لا على تجاوزه، وعلى حكمة التوقّف لا على وعد الاستمرار.

الفصل الثالث

الدراسة متعددة المناهج: تفكيك الغمّ والسأم عبر مستويات القراءة

تمهيد منهجي

تقتضي طبيعة قصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» اعتماد مقاربة نقدية متعددة المناهج، نظرًا لتراكب مستوياتها البنيوية، والدلالية، والنفسية، والسياسية. فالنص لا يكتفي بتسجيل حالة شعورية عابرة، بل يبني رؤية كينونية تتقاطع فيها الذات مع الزمن، والذاكرة مع التاريخ. ومن ثمّ، لا تُعتمد المناهج هنا بوصفها أدوات متجاورة أو قراءات منفصلة، بل بوصفها مسارًا تحليليًا متدرّجًا، يبدأ من الداخل النصّي، وينفتح تدريجيًا على الأفق الفلسفي–التاريخي الأوسع.

وانطلاقًا من هذا التصوّر، تعتمد الدراسة توزيعًا منهجيًا مرنًا للمقاربات الفلسفية، بحيث تُستثمر أطروحات ألبير كامو ضمن القراءة البنيوية، بوصفها كاشفة عن البنية الدائرية للعبث والسأم، حيث لا يتقدّم النص نحو انفراج دلالي، بل يعيد إنتاج حالته الكينونية في حركة مغلقة. وفي المقابل، تُوظَّف مفاهيم بول ريكور داخل القراءة السيميائية، نظرًا لاهتمامه بالرمز والذاكرة والدلالة الزمنية، بما يسمح بقراءة العلامات الشعرية بوصفها حوامل لمعنى جريح لا يُستعاد خارج الزمن. أما المقاربة النفسية– الكينونية، فتستند إلى تصوّر ثيودور أدورنو للألم بوصفه معرفة سلبية، حيث لا يُقرأ الانكسار النفسي بوصفه حالة فردية معزولة، بل بوصفه أثرًا تاريخيًا مستقرًا في الوعي، يكشف عن فشل الوعود الخلاصية لا عن إمكان تجاوزها.

كما تنفتح الدراسة، في أحد مستوياتها، على المنهج المادي الديالكتيكي، لا بوصفه أداة تفسير أيديولوجية مباشرة، بل بوصفه أفقًا نقديًا يكشف عن العلاقة الجدلية بين التجربة الشعرية والبنية التاريخية التي أنتجتها. فالنص لا يُقرأ هنا بوصفه انعكاسًا آليًا للواقع، بل بوصفه شكلًا جماليًا مشحونًا بتناقضات الواقع، حيث يتحوّل الألم الفردي إلى أثر تاريخي، وتغدو القصيدة شهادة على فشل الوعود الخلاصية لا على تحققها.

أولًا: المنهج البنيوي الداخلي

العنوان بوصفه بنية مولِّدة

من منظور بنيوي داخلي، يعمل عنوان القصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» بوصفه بنية مولِّدة تتحكّم في حركة النص بأكمله، لا بوصفه عتبة خارجية فحسب. فالثنائية العنوانية لا تقوم على التضاد، بل على التراكب، حيث لا يقود النص إلى تحوّل نوعي أو انفراج دلالي، بل يعيد إنتاج الحالة نفسها بصيغ شعورية مختلفة.

ويتجلّى ذلك في الحركة الدائرية للقصيدة، التي تنتقل من لحظة امتلاء إبداعي، إلى اقتحام السأم، ثم تحوّله إلى غمٍّ متجذّر، قبل أن تنتهي بمحاولة ترويض هذا الحضور عبر الارتداد إلى الذاكرة بوصفها ملاذًا مؤقّتًا.

هذه الحركة المغلقة تؤكّد أن القصيدة لا تسرد تطوّرًا نفسيًا، بل تكتب استقرار الحالة، ما يجعل العنوان مركزًا بنيويًا لا يمكن تجاوزه. (2)

ثانيًا: المنهج السيميائي

الغمّ والسأم بوصفهما شبكة علامات

في القراءة السيميائية، يتحوّل الغمّ والسأم من مفهوميْن مجرّدين إلى شبكة علامات تنتشر داخل النص، وتعيد تنظيم فضائه الدلالي. فالقصيدة مشبعة بعلامات مثل: الظل، الخيمة، الأقبية، والظلام، وكلّها تحيل إلى ثقل الإقامة القسرية، وإلى احتلال داخلي لا عابر.

الظلّ، على سبيل المثال، لا يعمل بوصفه عنصرًا بصريًا، بل بوصفه علامة على فقدان الحماية والاتكاء الكينوني، فيما تشير الخيمة المهلهلة إلى إقامة هشّة داخل الذات نفسها. وبهذا المعنى، تتحوّل الذات إلى فضاء منفيّ، لا إلى مأوى للمعنى. وهذا يتقاطع مع ما يذهب إليه بول ريكور حول قدرة العلامة على حمل أثر الزمن والذاكرة الجريحة، بحيث لا تُقرأ العلامة بوصفها صورة، بل بوصفها أثرًا دلاليًا يتجاوز ظاهرها. (3)

ثالثًا: المنهج النفسي– الكينوني

من الصدمة إلى الاعتياد

من منظور نفسي– كينوني، يمكن قراءة الغمّ بوصفه أثر الصدمة الأولى المرتبطة بالقمع والمنفى والفقد، بينما يمثّل السأم مرحلة ما بعد الصدمة، حين يتحوّل الألم من حدث طارئ إلى حالة اعتيادية مستقرة. ويتجلّى ذلك في فقدان الظل والرفيق التوأم، بما يحمله هذا الفقد من دلالة على انقسام الذات وتفكّك تماسكها الداخلي.

أما اللجوء إلى الخيال والذاكرة، فلا يُقرأ بوصفه خلاصًا، بل بوصفه آلية دفاع نفسي تؤجّل الانهيار دون أن تلغيه، وتؤكّد استحالة العودة إلى زمن غير مثقل بالوعي بالخسارة. وهذا يتقاطع مع ما يطرحه ثيودور أدورنو حول استقرار الألم بوصفه معرفة سلبية، لا تُفضي إلى تجاوز، بل تكشف عن عمق الجرح واستمراره. (4)

رابعًا: المنهج السياسي–التاريخي

الغمّ والسأم بوصفهما خلاصة مسار تاريخي

لا تنفصل التجربة الشعرية في «غَمٌّ وسَأمٌ» عن سياقها السياسي–التاريخي. فالغمّ يحيل إلى ذاكرة القمع والمنفى، بينما يحيل السأم إلى خيبة ما بعد التغيير، حيث لم يُفضِ التحوّل التاريخي إلى خلاص، بل إلى شكل جديد من الإحباط وانسداد الأفق. وفي هذا السياق، لا يظهر السأم بوصفه نقيضًا للغمّ، بل امتدادًا له، ما يجعل القصيدة شهادة على فشل الوعود التاريخية، لا على تحققها. وهذا يتقاطع مع ما يشير إليه مهدي عامل حول كون الشكل الجمالي مشروطًا دائمًا بالبنية التاريخية التي تنتجه، وبأن الوعي الفردي لا ينفصل عن شروطه الاجتماعية والسياسية. (5)

خامسًا: التركيب الفلسفي للمناهج

الغمّ والسأم بوصفهما شرطًا وجوديًا

في ضوء تلاقي هذه المقاربات، يتّضح أن الغمّ والسأم في القصيدة لا يعملان بوصفهما حالتين نفسيّتين، بل بوصفهما شرطين وجوديين يتقاطع فيهما العبث، والذاكرة الجريحة، والمعرفة السلبية. فالسأم، كما عند ألبير كامو، لا ينبع من الفراغ، بل من انكشاف عبث العالم في لحظة الامتلاء، حين يعجز المعنى عن تبرير ذاته. أما الغمّ، فيتجلّى بوصفه أثرًا زمنيًا متراكمًا، قريبًا مما يصفه بول ريكور بالذاكرة الجريحة، التي لا تشفي الألم، بل تعيد إنتاجه عبر الزمن. وفي الأفق الأوسع، يكتسب هذا الألم بعده التاريخي، حيث يصبح، على نحو ما يذهب إليه ثيودور أدورنو، معرفة سلبية تشهد على فشل اليوتوبيا، لا على إمكان تجاوزها.

وفي هذا السياق، يقتضي التمييز بين الأفق الكينوني الذي اعتمدته الدراسة في تحليل التجربة الشعرية، وبين المنهج المادي الديالكتيكي بوصفه إطارًا تفسيريًا أوسع للسياق التاريخي.

يختلف المنهج المادي الديالكتيكي عن المنهج الكينوني في زاوية مقاربته للتجربة الشعرية؛ فبينما ينظر الأول إلى النص بوصفه شكلًا جماليًا مشروطًا بتناقضات الواقع التاريخي والاجتماعي، يركّز الثاني على كيفية انكشاف الكينونة الإنسانية داخل اللغة الشعرية. ولا يقوم هذا الاختلاف على التعارض، بل على التكامل، إذ يفسّر المنهج الديالكتيكي شروط إنتاج الألم، فيما يصف المنهج الكينوني أنماط عيشه داخل الوعي واللغة.

وهو ما ينسجم مع ما يشير إليه مهدي عامل من أن الشكل الجمالي مشروط دائمًا بالبنية التاريخية التي تنتجه. (6)

 

خاتمة

خلصت هذه الدراسة إلى أن عنوان قصيدة «غَمٌّ وسَأمٌ» لا يعمل بوصفه تسمية انفعالية أو توصيفًا نفسيًا مباشرًا، بل يتشكّل بوصفه مركزًا بنيويًا ودلاليًا تتحرّك القصيدة في فضائه، وتعيد إنتاجه عبر مستوياتها المختلفة. فالعنوان لا يظلّ خارج النص، بل يتحوّل إلى بنية مولِّدة تتحكّم في حركته الداخلية، وتكشف عن طبيعة التجربة الشعرية بوصفها تجربة وجودية–تاريخية مركّبة.

وقد أظهر التحليل البنيوي، في ضوء التصوّر الكاموي للعبث والسأم، أن الثنائية العنوانية (الغمّ/السأم) تُعاد إنتاجها داخل النص من خلال حركة دائرية مغلقة، لا تقود إلى انفراج دلالي أو خلاص نهائي، بل تؤكّد استقرار الحالة الوجودية وتكرارها. فالسأم لا يظهر بوصفه نقيضًا للفرح، بل بوصفه بنيته الخفيّة، التي تنكشف في لحظة الامتلاء نفسها، حين يعجز المعنى عن تبرير ذاته.

وفي المقابل، بيّنت القراءة السيميائية، المستندة إلى أفق بول ريكور التأويلي، أن العنوان يتحوّل إلى علامة على المنفى الداخلي، تتجسّد عبر شبكة من الرموز مثل الظل، والثقل، والخيمة، والظلام. وهي علامات لا تُقرأ بوصفها صورًا معزولة، بل بوصفها حوامل لمعنى جريح، يتشكّل داخل زمن غير قابل للشفاء، حيث لا تعمل الذاكرة على استعادة الماضي بقدر ما تعيد إنتاج أثره المؤلم في الحاضر.

أما المقاربة النفسية–الوجودية، في ضوء تصوّر ثيودور أدورنو للألم بوصفه معرفة سلبية، فقد كشفت أن اقتران الغمّ بالسأم لا يشير إلى حالة نفسية فردية عابرة، بل إلى انكسار ذاتي مستقر، ناتج عن تراكم الصدمة التاريخية. فالألم في القصيدة لا ينفجر، بل يستقرّ، ويتحوّل إلى اعتياد صامت، فيما تغدو الذاكرة والخيال آليات دفاع مؤقّتة، لا تفضي إلى شفاء، بل تؤجّل الانهيار دون أن تلغيه.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن القصيدة لا تكتب الغمّ والسأم بوصفهما شعورين ذاتيين، بل تعيد تشكيلهما بوصفهما شرطًا وجوديًا يلازم الذات الشاعرة داخل وطن لم يستعد معناه بعد. وهكذا تغدو «غَمٌّ وسَأمٌ» شهادة شعرية على مأزق العودة، حيث ينتهي المنفى الجغرافي ليبدأ منفى أعمق، يسكن الوعي واللغة معًا، ويحوّل الشعر إلى فعل معرفة، لا وعدًا بالخلاص.

نص الق

الهوامش

1- مهدي عامل، في الدولة الطائفية، دار الفارابي، بيروت، ط 3، 1991، ص 52–65.

مهدي عامل يؤكّد في كتاباته على فكرتين مركزيتين:

اولًا- أن الوعي الفردي مشروط بالبنية التاريخية والاجتماعية

ثانيًا- وأن الشكل الجمالي مستقلّ نسبيًا، لكنه مشبع بالتناقضات البنيوية

 

2- ألبير كامو، أسطورة سيزيف، ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت، 2006، ص 23–30.

3- بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009، ص 78–90

4-   ثيودور أدورنو، نظرية جمالية، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، 1995، ص 34–45.

5- مهدي عامل، نقد الفكر اليومي، دار الفارابي، بيروت، 1988، ص 40–55

مهدي عامل يطرح ثلاث أفكار تتطابق تمامًا مع تحليل المنهج السياسي–التاريخي:

اولًا- الألم الفردي هو أثر تاريخي وهذا يتطابق مع «الغمّ يحيل إلى ذاكرة القمع والمنفى…»

ثانيًا – خيبة ما بعد التغيير جزء من البنية التاريخية وهذا ينسجم مع: «السأم يحيل إلى خيبة ما بعد التغيير…»

ثالثًا – فشل الوعود التاريخية وهذا هو جوهر العبارة: “القصيدة شهادة على فشل الوعود التاريخية…”

6- مهدي عامل، في الدولة الطائفية، دار الفارابي، بيروت، ط 3، 1991 ص 52–65.

 

Scroll to Top