ئاريان كركوكي
سوسيولوجيا السبات الذهني وأخلاقيات البقاء في أتون الصراع يتأتى فهم الديناميات المعقدة للصراع البيني في المجتمعات المركبة من تجاوز لحظات المواجهة المباشرة إلى رصد التحولات الخفية التي تطرأ على البنية النفسية والاجتماعية للجماعات المتصارعة. وحين تضع أوزار الحرب المادية المؤقتة، لا تنتهي بالضرورة جذور التصدع، بل تتقوقع الأطراف في حالة من «السبات الذهني»؛ وهي مرحلة حرجة تتجمد فيها الأحقاد التاريخية وتتحور لتصبح جزءاً من المنظومة الأخلاقية والمجتمعية التي تُبرر بها الجماعة استمرارها وتماسكها الداخلي. في هذه البيئة، تختلط مفاهيم المقاومة والبقاء بولاءات عصبية ضيقة، وتتحول الأخلاقيات المتصارعة إلى أدوات حادة لإدارة الخصومة بدلاً من حلها. من هنا، يسعى هذا الجزء من الدراسة إلى استنطاق أبعاد هذا السبات الذهني، وتفكيك كيف تستثمر القوى السياسية والحزبية في ذاكرة الأحقاد المتبادلة، باحثةً عن مخرج فلسفي وسوسيولوجي يعيد الاعتبار للعقلانية التشاركية ويحرر المجتمع من أسر البقاء القائم على الإقصاء.
البنيات التاريخية والسيكولوجية للصراع البيني
من احتكار الحقيقة إلى تشكل العصبيات الحزبية يتأتى فهم الديناميات المعقدة للصراع البيني في المجتمعات المركبة —لا سيما في العراق وإقليم كردستان وعموم الإقليم— من ضرورة الغوص في الجذور التاريخية والنفسية التي أفرزت ثقافة “الإلغاء المتبادل”. فالتاريخ السياسي الحديث لم يكن مجرد تعاقب لتنظيمات مدنية أو حركات تحررية، بل كان في جوهره مسرحاً لاصطدام هويات مغلقة تتغذى على وهم احتكار الحقيقة المطلقة وتستثمر في اقتصاد الذاكرة المجروحة.
تتغذى الأحزاب والتشكيلات السياسية في بيئات الصراع المزمن على ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد الذاكرة المجروحة”؛ حيث يُعاد إنتاج المظالم التاريخية، والندوب، والخيبات، وتوريثها للأجيال المتعاقبة بوصفها مقدسات لا تقبل المراجعة. في هذا المناخ، تتحول الذاكرة الجماعية من فضاء لاستخلاص العبر إلى خندق دفاعي يستنفر العصبيات القومية والحزبية عند كل مفترق طرق. هذا التكلس التاريخي يجعل من الصعب بمكان إحداث خرق نحو التسوية، لأن أي تنازل أو مرونة سياسية يُنظر إليها داخل النسق الحزبي المغلق باعتبارها “خيانة” للدم التاريخي والتضحيات السابقة، مما يكرس استمرارية الاستقطاب العنيف ويمنع انبثاق وعي نقدي جديد.
وفي نشأتها الأصلية، وُجدت الأحزاب والتشكيلات السياسية لكي تكون أدوات للتنظيم المدني والتعبير عن التعددية الفكرية والاجتماعية. غير أن المسار التاريخي في المنطقة شهد انحرافاً بنيوياً خطيراً؛ إذ تقوقعت الأحزاب وتحولت إلى ما يشبه “القبائل الحديثة” أو “العصبيات المقدسة”. في ظل هذا التحول، غدا الولاء الحزبي هوياتياً مطلقاً، يسبق الانتماء الوطني والإنساني، وبات القائد أو الرمز الحزبي مقدساً لا يقبل النقد. هذا الانغلاق التنظيمي يفرز بالضرورة ثقافة “الاستئصال السياسي”؛ حيث لا يُتعامل مع الخصم الحزبي بوصفه شريكاً في الوطن يخطئ ويصيب، بل كخطر وجودي أو عميل ينبغي محوه من الخريطة السياسية والمجتمعية برمتها.
ولا يمكن لعصبيات الصراع أن تستمر وتتغذى دون ترسانة إعلامية وثقافية تشرعن الإقصاء. وهنا يبرز دور “الخطاب الاستئصالي” الذي يعتمد على شيطنة الآخر، وتشويه تاريخه، وتحويل الاختلافات في الرؤى السياسية إلى معارك أخلاقية ودينية وقومية فاصلة. إن استخدام الإعلام الموجه والمنصات الحزبية لضرب الوعي الجمعي وإذكاء نار الكراهية يعطل بفاعلية أي إمكانية للحوار العقلاني. ومن هنا، فإن كسر حلقة الصراع البيني العبثي لا يتأتى إلا بتفكيك آليات هذا الخطاب المهيمن، وإيجاد بدائل تواصلية عقلانية تعيد الاعتبار للغة الحجة والبرهان في الفضاء العام، لتتحول طاقة الانقسام والحروب الإعلامية إلى مساحات للتنافس الفكري البناء من أجل السلام والاستقرار.
التداعيات الجيوسياسية والامتدادات الإقليمية للصراع البيني في كردستان والمنطقة
لا ينفصل الصراع البيني الداخلي والانقسامات الحزبية في أي مجتمع عن بيئته الإقليمية المحيطة، بل يتبادلان التأثير والتأثر في جدلية معقدة تكشف عن هشاشة البنى الداخلية عندما تتقاطع مع المشاريع الجيوسياسية الكبرى. وفي حالة الحركة القومية والسياسية في كردستان وعموم العراق والمنطقة، تشكل الامتدادات الإقليمية امتداداً عضوياً للأزمات المحلية، مما يجعل أي تسوية داخلية معلقة بشرط إدراك الأبعاد الإقليمية الخطرة.
تُعد قضية سلاح حزب العمال الكردستاني وانعكاساتها العسكرية والسياسية واحدة من أعقد أزمات الإقليم وأكثرها استنزافاً للاستقرار. فالصراع المسلح الممتد عبر الحدود لم يقتصر على مواجهة الأنظمة الإقليمية فحسب، بل تحول إلى فتيل توتر دائم يعيق الاستقرار الداخلي في إقليم كردستان، ويخلق تقاطعات ميدانية وسياسية حادة بين القوى الكردستانية نفسها. هذا الملف يستحضر إشكاليات السيادة، وتبريرات التدخلات العسكرية الخارجية، ويفرض ضغوطاً هائلة على مسار القرار السياسي المحلي، مما يبرز الحاجة الملحة إلى مقاربة عقلانية تتجاوز لغة السلاح إلى آليات التفاوض والحلول الدبلوماسية المستدامة.
وفي الجغرافيا السورية والتركية الملتهبة، تقدم تجارب الإدارة والحركة الكردية هناك نماذج فريدة ومحفوفة بالمخاطر الجيوسياسية. لقد واجهت الحركة الكردية مخاضات قاسية وسط صراع دولي وإقليمي طاحن، جعلها رهينة لمعادلات القوى الكبرى والتهديدات المستمرة. إن تداعيات هذه الملفات لا تقتصر على الداخل الميداني فحسب، بل تلقي بظلالها العميقة على الوجدان والمصير الكردي العام في المنطقة، وتكشف بوضوح عن الكلفة الباهظة للانقسام وغياب المظلة الاستراتيجية الموحدة التي تحمي المكتسبات في لحظات التحول التاريخي الحرجة.
ويشكل الملف الإيراني وتفاعلاته المعقدة —في ظل احتمالات التغيير المفاجئ أو سيناريوهات “الفراغ المستدام” عقب انهيار النظام الحالي للملالي— التحدي الوجودي الأكبر الذي قد يواجه المكونات والقوى في المنطقة. إن أي فراغ سياسي أو أمني واسع النطاق في إيران، دون ترتيبات مسبقة وتفاهمات استراتيجية بين القوى الكردستانية والوطنية، ينذر بكارثة حقيقية وفوضى عارمة ستدفع ثمنها باهظاً المجتمعات المحلية. من هنا، فإن استمرار العقلية الصراعية والتوترات البينية في ظل هذه الخرائط الإقليمية المشتعلة يعني أن أي زلزال سياسي مقبل سيجد القوى مفككة وعاجزة عن حماية وجودها أو تقديم مشروع ديمقراطي وازن.
آليات الصلح والتفاوض والدقائق الأولى ما بعد الصراع
هندسة العقد الاجتماعي الجديد تبدأ أولى خطوات الصلح المستدام بالانتقال الجذري من منطق التسويات الفوقية الهشة والصفقات التكتيكية إلى تطبيق عدالة هوياتية حقيقية مستوحاة من فلسفة أكسل هونيث. ويتطلب هذا المسار رد الاعتبار للذاكرة وتضميد ندوبها التاريخية دون تحويلها إلى أداة لتأجيج الصراع، فضلاً عن إقرار القوى السياسية المتبادل بحق بعضها في الوجود والتمثيل دون تخوين للرموز، وصولاً إلى المأسسة القانونية والدستورية التي تضمن عدم شعور أي مكون بالازدراء أو التهميش. وعلى مستوى سوسيولوجيات اللحظة التاريخية الحرجة الدقائق الأولى ما بعد انتهاء الصراع، تكمن خطورة الفراغ النفسي والاجتماعي الذي يعقب توقف لغة السلاح؛ فهي اللحظة الأكثر هشاشة التي تتنازعها غريزة الانتقام وثقافة الثأر من جهة، وإرادة البناء والاعتراف المتبادل من جهة أخرى. تتطلب هذه الدقائق الأولى تدخلاً واعياً وعاجلاً لتفكيك البنى السيكولوجية للعداء، ومنع أمراء الحرب والمنتفعين من تدوير الأزمات، وتحويل صدمة انتهاء الاقتتال إلى طاقة إيجابية لتأسيس السلم الأهلي عبر مبادرات شجاعة تعيد صياغة الوعي الجمعي على أساس أن الشراكة هي البديل الوحيد للدمار.ولتحويل هذا الإطار النظري والسوسيولوجي إلى ممارسات عملية على الأرض، ولتجسير الهوة وإحداث التقارب الحقيقي بين الأحزاب والقوى المتنازعة، يتعين سلك مسارات إجرائية متسلسلة ومنهجية ودقيقة، يمكن إيجازها وفق الآتي
إعلان الهدنة الإعلامية وتهيئة المناخات بناء الثقة المبدئية
الخطوة الأولى والملحة تتمثل في الوقف الفوري للحملات الإعلامية المتبادلة وخطاب الكراهية والتخوين، وإيقاف عمليات الشيطنة السياسية، لتخفيض حدة التوتر النفسي والسيكولوجي المتبادل وتهيئة بيئة صالحة لأي حوار مستقبلي.
تشكيل مجالس الحكماء والوسيط النزيه
إيجاد مظلة مستقلة تضم شخصيات وطنية، وثقافية، وفكرية مشهود لها بالنزاهة والحياد، لتلعب دور الوسيط المقبول من كافة الأطراف، وتتولى رعاية المبادرات وتقريب وجهات النظر بعيداً عن الحسابات الحزبية الضيقة.
صياغة وتوقيع “ميثاق شرف أخلاقي وسياسي
إلزام جميع الأطراف بقواعد ناظمة للتنافس السلمي، تتضمن التعهد بنبذ العنف، ورفض الاستقواء بالخارج، والالتزام بحل النزاعات البينية عبر آليات سلمية بحتة دون فرض إرادات قسرية.
الاعتماد على الرأي الجماهيري وتحرير الوعي الشعبي فلسفة السلام من القاعدة إلى القمة
استثمار طاقة الجماهير وإرادتها الحية كقوة ضاغطة وموجهة نحو السلم؛ وذلك بتفكيك “عقدة السيطرة” والخوف المتأصلة في الوجدان الجمعي بطرق فلسفية وتنويرية تعيد تذكير المواطن بأن الحزب في جوهره الإنساني والمدني وُجد ليكون أداة للبناء والإعمار والتنمية لا آلة للخراب والتقويض، مما يخلق رأياً عاماً أفقياً يرفض الانجرار خلف صراعات النخب الحزبية.
إطلاق مؤتمرات الحوار الشامل الطاولة المستديرة المؤسسية
عقد لقاءات دورية ومأسسة لا تقتصر على القيادات العليا فحسب، بل تمتد لتشمل القواعد الشعبية، والشباب، والأكاديميين، وممثلي منظمات المجتمع المدني، لضمان أن يكون التقارب مجتمعياً وشعبياً لا مجرد صفقة نخبوية عابرة.
الإدماج والعدالة التوزيعية والسلطوية
ترجمة مخرجات الحوار إلى خطوات عملية تضمن الشراكة الحقيقية في إدارة الشأن العام والموارد، وعدم استئثار طرف على حساب بقية المكونات، مما يحقق استقراراً مستداماً.
واستلهاماً لنظرية الفعل التواصلي عند يورغن هابرماس، يتأتى بناء هذه البيئة التفاوضية النظيفة والمتحررة من هيمنة العصبيات عبر كسر احتكار المنابر، ومنح جميع الأطراف —بما فيها القوى الوطنية واليسارية— حق المشاركة المتساوية في صياغة الرؤى والمصير المشترك. كما تستوجب هذه البيئة تخليص طاولات الحوار من لغة الإكراه والتهديد والابتزاز المسلح، لتغدو الحجة العقلنة والمصلحة العليا للمجتمع هما الحاكم الوحيد للعملية السياسية والتفاوضية.
ولا يهدف هذا المسار إلى إلغاء الاختلاف أو فرض مطابقة سياسية مصطنعة، بل يسعى إلى إحداث نقلة نوعية تتمثل في تحويل التنافس الحزبي والقومي من صراع استئصالي مدمر إلى صراع فكري وثقافي واجتماعي سلمي يُدار بالعقل والبرهان. وعندما تصبح التعددية رافداً للتكامل لا مبرراً للاقتتال، وتنجح القوى في ترميم جبهتها الداخلية عبر هذه الطرق الإجرائية المنهجية، فإنها ترسخ أركان السلام المستدام وتكتسب المناعة الكافية لمواجهة التحديات الاستراتيجية الكبرى وحماية مجتمعاتها من مخاطر الانهيار والفراغ المستدام.
آفاق المستقبل
نحو استراتيجية وطنية للسلام المستدام تُقدّم هذه الدراسة في منتهى مطافها قراءة تحليلية عميقة لمألات الصراع البيني في العراق وإقليم كردستان وعموم المنطقة، لتخلص إلى حقيقة دامغة مفادها أن الخروج من دائرة الاستنزاف التاريخي والعصبيات الحزبية لم يعد مجرد خيار تكتيكي يمكن تأجيله، بل هو ضرورة وجودية لا غنى عنها لضمان البقاء. فالتحديات الكبرى التي تحيط بالمشهد —بدءاً من تعقيدات الحركة الكردية وإشكاليات السلاح، مروراً بتبعات الرمال المتحركة في سوريا وتركيا، وصولاً إلى سيناريوهات الفراغ المستدام ومخاطر الانهيار الإقليمي— تفرض على مجتمعاتنا مغادرة عقلية الإقصاء والحروب الاستئصالية والتوجه نحو فضاء العقلانية والتوافق.
إن بناء استراتيجية وطنية فاعلة للسلام المستدام يتطلب إرادة سياسية شجاعة تتبنى “العدالة الهوياتية” وتؤسس لتواصل عقلاني خالٍ من الإكراه والابتزاز، لتتحول الذاكرة المجروحة من عائق تاريخي مأزوم إلى عبرة واعية تبني المستقبل. وعندما ترتقي القوى السياسية والأحزاب —بتاريخها الوطني والعريق— من خنادق الصراع العبثي إلى رحاب “الصراع الفكري من أجل السلام”، فإنها لا تحمي مكتسباتها فحسب، بل تعيد الاعتبار للإنسان وتصنع عقداً اجتماعياً حياً يكفل الاستقرار والعيش المشترك.
وهنا ينبغي التأكيد على قاعدة جوهرية تحكم مسار أي تحول ديمقراطي حقيقي وتتوج الدقائق الأولى ما بعد انتهاء الصراع لابد أن تنتهي كل كمية من الصراع المدمر، والعصبيات الحزبية المغلقة، وسياسات الإلغاء المتبادل عند حد فاصل من الوعي العقلاني والتسوية التاريخية؛ فالتاريخ الإنساني يثبت يقيناً أن الصراعات البينية مهما اشتدت وتعاظمت أدواتها، فإن مآلها الحتمي إلى طاولة التفاوض والاعتراف المتبادل، ما لم ترتضِ الجماعات الحذر والانهيار الشامل. إن جغرافيتنا الملتهبة تستحق بحق أن تغادر أتون الاقتتال والتمزق، لتنعم بالأمان والسلام، ولتتحول التعددية فيها من فتيل للانهيار إلى رافد حضاري للتكامل والازدهار.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





