فلسفة الوجود والعدم : بارزان والأنفال بين قسوة المحو وخلود الذاكرة

تكبير الصورة

ئاريان كركوكي

جذور القمع التاريخية ومكانة عشيرة البارزاني

منذ أتون الحرب العالمية الأولى ونشأة الخرائط المصطنعة في الشرق الأوسط، دأبت الأنظمة القمعية المتعاقبة على انتهاج أعتى أساليب الهندسة الديموغرافية والبطش المنهجي ضد مواطنيها، متخذةً من سياسات التطهير، والعقاب الجماعي، وطمس الهويات أدواتٍ تثبت بها دعائم استبدادها المطلق كلما شعرت بتصدع في شرعيتها أو بحجم التحديات الوجودية التي تواجهها. وفي قلب هذه السلسلة التاريخية المظلمة، تبرز مأساة عشيرة البارزاني؛ تلك العشيرة العريقة التي شكلت عبر تاريخها الطويل رمزاً وطنياً وثورياً متجذراً في الحركة التحررية الكردية، وحصناً متقدماً للدفاع عن حقوق الشعب الكردي وكرامته، مما جعلها الهدف الأبرز والأكثر استهدافاً لسياسات الاستئصال والاضطهاد.

طبيعة العلاقة مع النظام: بين جولات التفاوض ومعارك المواجهة

ولفهم جذور المأساة بدقة، لا بد من استحضار طبيعة العلاقة المعقدة التي ربطت عائلة الزعيم الراحل ملا مصطفى البارزاني بالنظام الحاكم في تلك الفترة؛ فلم تكن العلاقة مجرد مواجهة عسكرية مستمرة، بل مرت بمحطات متقلبة تراوحت بحسب الظروف الإقليمية والمحلية بين جولات من المفاوضات السياسية المتعثرة واتفاقيات الحكم الذاتي المغدورة، وبين معارك ضارية ومواجهات مسلحة عنيفة. وحين اناندلعت حرب الخليج الأولى واتخذت الحركة الكردية مساراً تحالفياً مع إيران واختترقت مناطق استراتيجية مثل حاجي عمران، وجد النظام نفسه عاجزاً عن كسر إرادة البيشمركة في ساحات الوغى، فعكس هزيمته العسكرية ونقمته السياسية على الحاضنة المدنية العزلاء لعشيرة البارزاني، ليحول صراع السلطة والسياسة إلى حرب إبادة شعواء تستهدف الجذور والوجود

تفاصيل الواقعة والضحايا والمكان

لقد وقعت جريمة الإبادة الجماعية والإخفاء القسري التي استهدفت هذه العشيرة في فجر الواحد والثلاثين من شهر يوليو لعام ألف وتسعمائة وثلاثة وثمانين، حيث بلغ عدد الضحايا الموثقين نحو ثمانية آلاف من الذكور الممتدين من الأطفال فوق سن العاشرة وحتى الشيوخ. تولى تنفيذها وحدات من الجيش العراقي النظامي وقوات الأمن ومخابرات النظام، وتمت في المجمعات القسرية كقوشتبة وبحركة وحرير في إقليم كردستان، لتنتهي آخر مراحلها بعمليات التصفية الجسدية والإخفاء في المقابر الجماعية السرية بصحراء جنوب العراق وتحديداً خلال الأشهر اللاحقة لعملية الاعتقال في العام ذاته.

مفارقة المكان وظروف المعيشة في المجمعات القسرية

وتتجلى المفارقة المؤلمة في عدم وقوع الجريمة في قرى بارزان الجبلية الأصلية، بل في المجمعات القسرية مثل قوشتبة وبحركة وحرير؛ حيث هجّر النظام العراقي السابق الأهالي قسراً من موطنهم الأصلي قبل ذلك بسنوات طويلة، جاعلاً إياهم يعيشون كمدنيين عزل تحت رقابة أمنية مشددة تشبه المخيمات المغلقة، الأمر الذي ألغى أي فرصة للدفاع عن النفس أو الهروب وسهل على الجيش وقوات الأمن تطويقهم واعتقالهم جماعياً في ليلة واحدة وكأنهم في سجن كبير.

الدوافع السياسية والأبعاد الفلسفية للمكر التاريخي

وتتوزع الأسباب والدوافع على عاملين رئيسيين؛ أولهما السبب العسكري المباشر باندلاع حرب الخليج الأولى وتحالف الفصائل الكردية مع إيران واختراق منطقة حاجي عمران الحدودية الاستراتيجية، وثانيهما السبب السياسي والرمزي المتمثل في رغبة النظام في الانتقام الساحق من الرمزية التاريخية لعشيرة البارزاني وعائلة ملا مصطفى عبر تبني سياسة العقاب الجماعي وقطع النسل واستئصال الوجود الديموغرافي والعسكري لكسر إرادة المعارضة بأكملها وإرسال رسالة ردع دموية لكل من يعارض سلطته. وعلى المستوى الفلسفي العميق، ومن منظور المكر التاريخي والديالكتيك الإنساني، فإن محاولات الاستفادة من هذه الواقعة أو توظيفها تجاوزت حدود السلطة الغاشمة؛ فبينما أراد الجلاد منها تثبيت دعائم استبداده المطلق، وتحت رماد الألم العميق، وُلدت مفارقة فلسفية تتمثل في تحول هذه الدماء إلى طاقة روحية ورمزية كبرى أعادت صياغة الوعي الجمعي الكردي ووَحّدت صفوفه متجاوزة الخلافات الضيقة، بل وحتى على مستوى دول الجيران والقوى الإقليمية والدولية التي نظرت بصمت براغماتي بارد للحدث محاسبةً لموازين القوى، فإن هذه الواقعة تحولت بمرور الزمن إلى مرآة فاضحة لكل من تواطأ أو صمت، وإلى وثيقة أخلاقية عالمية تسقط شرعية الطغيان وتؤكد أن دماء الأبرياء لا تضيع في مهب العبث بل تتحول إلى قوة تاريخية قادرة على إسقاط عروش الظالمين من حيث لا يحتسبون.

 

 السيناريو العملي والتنفيذي للعملية

وقد نُفذت الآلية والسيناريو العملي التنفيذي عبر خطوات هندسية صارمة بدأت بالحصر الديموغرافي الشامل لكافة الأسماء والأعمار للذكور عبر السجلات الإدارية للمجمعات، تلا ذلك التطويق المباغت بحصار المجمعات فجراً بقوات عسكرية ضخمة وآليات ثقيلة لقطع أي طريق للفرار. ثم جاءت مرحلة الفرز والخداع الإداري بفصل الرجال والأطفال عن النساء تحت ذريعة “نقلهم للقاء ذويهم أو لتسوية أوضاعهم القانونية”، أعقب ذلك تكديس المعتقلين في شاحنات عسكرية مغلقة وسط حراسة مشددة ونقلهم برحلات موت طويلة إلى معتقلات مؤقتة، وصولاً إلى المحطة الأخيره المتمثلة في التصفية الجسدية الجماعية والإخفاء في مقابر جماعية سرية بعيدة في صحراء جنوب العراق

الأدلة والتوثيق القانوني والاعتراف الدولي بعد السقوط

وتتجسد الأدلة والتوثيق القانوني بعد عام ألفين وثلاثة من خلال الاستيلاء على أرشيف الأجهزة الأمنية والمخابراتية الموثقة لصدور الأوامر بالتصفية وقرارات المحكمة الجنائية العراقية العليا التي أصدرت أحكاماً رسمية وباتة تعتبر جريمة الأنفال وعشيرة البارزاني “إبادة جماعية” و”جرائم ضد الإنسانية”. وعلى الصعيد الدولي، نالت هذه الجرائم اعترافاً وتوثيقاً رسمياً من خلال تقارير المنظمات الدولية ومقرري حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فضلاً عن إقرار برلمانات دولية عدة (مثل برلمانات إقليمية ووطنية) بتصنيف عمليات الأنفال كجرائم إبادة جماعية مكتملة الأركان، لتصبح واقعة كلاسيكية تختص بها آلة البطش لنظام استبدادي واجه خصمه اللدود في ساحة المعركة فعجز عن مواجهته شرفاً وكرامةً، فلجأ غيلةً وغدراً إلى تصفية الحاضنة المدنية وقطع دابر الأهل والعشيرة في الخلف، مؤكدة عظمة الضحية وخزي الجلاد…

.

سقوط امتيازات الخصوصية: حين توحدت أقدار العامة والخاصة في الموت

 

وفي مشهد يختزل أقسى مفارقات القدر الإنساني وأعمقها، لم ترحم آلة البطش العمياء فارق المكانة ولا هيبة الوجاهة؛ فلم يكن مصير “الخاصة” من أهل الفكر، أو الوجهاء، أو الشيوخ، أو أصحاب المكانة الخاصة في المجتمع البارزاني بمنأى عما حل بعامة الناس البساطة. فحين دقت ساعة الجريمة وسقطت اعتبارات الخصوصية والرمزية أمام جبروت آلة الاستئصال، وجد الجميع أنفسهم مساقين في ذات القوافل المظلمة، مكتظين في شاحنات الموت ذاتها، ومرتحلين نحو المصير الأخير ذاته في صحراء الجنوب الموحشة. لقد أسقطت محارق الأنفال كل الفوارق الاجتماعية والطبقية بوحشية مطلقة، ليتساوى شيخ العشيرة والوجيه الموقر مع الفلاح البسيط والراعي المغمور في حفر الموت الجماعي؛ مسجلةً بذلك شهادة دامغة على أن الطغيان حين يستهدف الوجود، فإنه لا يفرق بين راعي رعية وعالم دين، بل يمحو الجميع في بوتقة واحدة من الدم والوجع، لتتحول هذه المساواة القسرية إلى برهان قاطع على شمولية الكارثة وعمق المأساة التي طالت العشيرة برمتها دون استثناء أو تمييز

 

× Zoomed Image
Scroll to Top