ئاريان كركوكي
تُعد كلمة “البيشمركة” (Pêşmerge)، والتي تعني حرفياً “أولئك الذين يواجهون الموت”، رمزاً تاريخياً للهوية النضالية الكردية. منذ ظهورها الرسمي في فترة جمهورية مهاباد عام 1946، لم تكن مجرد تسمية عسكرية، بل كانت تجسيداً لتضحيات المقاتل الكردي الذي نذر حياته للدفاع عن أرضه. لقد انتقلت هذه التسمية من وجدان الكفاح المسلح إلى المؤسسة، لتصبح مع مرور العقود هوية وطنية لا تضاهى.
لكن، وبالعودة إلى واقعنا الحالي، نجد أن لكل جهة تعريفها الخاص لمفهوم القوة. إن التعريف الأكثر انسجاماً للميليشيا هو أنها قوة مسلحة تتبع حزباً معيناً وتُستخدم لأغراض سياسية، وهو ما يتناقض جذرياً مع تعريف الجيش الوطني، الذي يستمد شرعيته من الدستور ويدين بالولاء للوطن وحده.
وبناءً على هذه التعريفات، تبرز البيشمركة كقوة عسكرية دستورية أصيلة؛ فهي جيش إقليمي وجزء لا يتجزأ من القوات المسلحة العراقية وفقاً للمادة (121/ خامساً) من الدستور العراقي التي تسميها “حرس الإقليم”. إن البيشمركة في جوهرها الدستوري تمثل درعاً للوطن، إلا أن الواقع يفرض تحدياً يتمثل في محاولات جرها إلى مربع الانقسام الحزبي.
إن الأمن والحرية لا يتحققان إلا بوجود جيش نظامي يوحد ولاء المواطن للدولة. وعندما تمتلك الدولة جيشاً موحداً، تترسخ الثقة؛ أما إذا انقسمت المؤسسة العسكرية، فإنها تتحول من حامٍ إلى تهديد. ومن هنا، فإن البيشمركة، بما تمتلكه من إرث نضالي، تجد نفسها اليوم أمام استحقاق مصيري يتطلب فك ارتباطها بالأجندات الحزبية التي شوهت تاريخها النضالي.
لقد عانت البيشمركة من ارتهانٍ تاريخي لسياسات الأحزاب وتغلغل القوى الإقليمية، مما أدى إلى تصدعات هيكلية وتعدد في الولاءات. إن هذا الانقسام الذي يظهر في تعدد الوحدات والأسماء والرواتب لا يعكس هوية البيشمركة الحقيقية، بل هو انعكاس لأخطاء تاريخية وتنافس حزبي أدى في مراحل سابقة إلى الاقتتال الداخلي. إن وجود “قوات حزبية” تحت مسمى البيشمركة يفرغها من قيمتها الوطنية ويهدد استقرار الإقليم والعراق على حد سواء.
إن النهوض بـ البيشمركة كقوة وطنية موحدة هو واجب أخلاقي ووطني. والجميع اليوم بات يدرك أن استمرار نهج الميليشيا الحزبية ليس سوى طريق مسدود. ورغم العقبات، فإن الحل يكمن في إرادة سياسية شجاعة تضع مصلحة الشعب فوق المصالح الحزبية، وتنتقل بـ البيشمركة من كونها “قوات أحزاب” إلى كونها “قوات حرس إقليم” مهنية ومنظمة.
إن الوعي الجوهري بأحكام الدستور العراقي، وبالمادة (121) تحديداً، هو البوابة التي ستعيد لـ البيشمركة هيبتها كقوة نظامية، لتكون الركيزة الأهم والمستقبل الأفضل لعراق قوي وموحد.











