رمزي ميركاني
أثارت تصريحات النجم الفرنسي كيليان مبابي عن الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ جدلاً واسعاً في الصين، بعدما فُهمت عباراته على أنها وصف له بالديكتاتور. ولم تتوقف ردود الفعل عند الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتدت إلى الجانب التجاري، إذ أنهت شركات صينية شراكاتها مع اللاعب، وتأثرت أيضاً تغطية مباريات الدوري الإسباني داخل البلاد. واضطر مبابي وريال مدريد ورابطة الدوري الاسباني إلى الاعتذار في محاولة لاحتواء الأزمة.
قد تبدو هذه الحادثة بعيدة عن واقع كوردستان، لكن التأمل فيها يكشف قاسماً مشتركاً بين الشعوب: لكل شعب شخصيات تاريخية تحتل مكانة في ذاكرته، وترتبط بتجاربه وتضحياته وآماله. وقد يختلف الناس في تقييم تلك الشخصيات، لكن التعامل معها باستخفاف لا يمحو أثرها من التاريخ، بل قد يثير حساسيات كان يمكن تجنبها بالحوار والمعرفة.
ومن هنا، فإن ما حدث في الصين يدعونا نحن الكورد أيضاً إلى مراجعة الطريقة التي نتعامل بها مع زعمائنا التاريخيين. فالمقصود ليس تقليد الصين في مواقفها، وإنما الاستفادة من درس واضح: احترام الرموز التاريخية جزء من احترام ذاكرة الشعب نفسه.
حين نتحدث عن الشيخ محمود الحفيد، نستحضر مرحلة مبكرة من السعي إلى الحكم الكوردي في السليمانية. وحين نذكر الشيخ سعيد بيران، نتذكر انتفاضة عام 1925 في شمال كوردستان وما ارتبط بها من تطلعات قومية. أما القاضي محمد، فيبقى اسمه مرتبطاً بإعلان جمهورية كوردستان في مهاباد عام 1946، وهي محطة بارزة في التاريخ السياسي الكوردي انتهت بإعدامه في العام التالي.
وفي مراحل لاحقة، برز الملا مصطفى بارزاني بوصفه أحد أبرز قادة الحركة الوطنية الكوردية، فيما دافع الدكتور عبد الرحمن قاسملو عن حقوق الكورد في شرق كوردستان قبل اغتياله عام 1989. كما يحتل مام جلال، مكانة مهمة في التاريخ الكوردي والعراقي؛ فقد جمع بين النضال السياسي والعمل الدبلوماسي، وأصبح عام 2005 أول رئيس للعراق بعد عام 2003 من الكورد، وأسهم في بناء علاقات بين القوى السياسية المختلفة. أما مسعود بارزاني، فقد ارتبط اسمه بمراحل مهمة من النضال السياسي وتطور تجربة إقليم كوردستان العراق.
لكل واحد من هؤلاء القادة ظروفه ومواقفه وتجربته التي ينبغي فهمها في سياقها التاريخي. وتقديرهم لا يتطلب الاتفاق مع جميع قراراتهم، ولا يعني إعفاءهم من النقد أو وضعهم فوق المساءلة. فالتاريخ لا يُقرأ بالشعارات وحدها، بل بالدراسة وفهم الظروف التي صنعت الأحداث. لكن ثمة فرقاً بين نقد قرار سياسي، وبين الإساءة إلى شخصية ارتبطت بمرحلة من نضال شعبنا أو إنكار كل ما قدمته بسبب خلافات حزبية.
وهنا تكمن أهمية الدرس الصيني بالنسبة إلى كوردستان. فإذا كانت قضية مبابي قد أظهرت أن المساس برمز تاريخي يمكن أن يتحول إلى أزمة تتجاوز الشخص نفسه، فإن خلافاتنا السياسية ينبغي ألا تجعلنا نستخف بتاريخنا أو نحول أسماء قادتنا إلى أدوات للتجريح المتبادل. فالاختلاف بين الأحزاب حق طبيعي، لكن الذاكرة الوطنية أوسع من أي حزب، فتاريخ الكورد ملك لشعب بأكمله، وليس حكراً على حزب أو تيار سياسي أو شخص بعينه.
تتعامل الشعوب مع تاريخها بطرق مختلفة؛ فالألمان والإيطاليون مثلاً لا ينكرون تاريخ هتلر وموسوليني، بل يدرسون تجاربهما وأخطاءهما وجرائمهما، ويميّزون بين تاريخ بلادهم وبين تمجيد الديكتاتورية. والدرس الذي يمكن أن نستفيده نحن الكورد هو أن نقرأ تاريخ زعمائنا بإنصاف، فنقدّر ما قدموه لشعبنا، ونناقش أخطاءهم بموضوعية، من دون أن تتحول الخلافات الحزبية إلى وسيلة لمحو التاريخ أو إنكار التضحيات.
ولا يكون الوفاء للزعماء برفع صورهم وترديد أسمائهم فحسب، بل بحماية اللغة والثقافة والحقوق، وتعزيز وحدة المجتمع، والاستفادة من النجاحات والأخطاء معاً. فالقادة يرحلون، لكن مسؤولية الحفاظ على ما تحقق والعمل من أجل مستقبل أفضل تبقى على عاتق الأجيال اللاحقة.
فلنتعلم من الصين أن احترام الرموز لا يعني تقديس أصحابها، وأن الاختلاف لا يبرر الجحود. ولنجعل تاريخ زعمائنا الكورد، من الشيخ محمود الحفيد والقاضي محمد والشيخ سعيد بيران إلى الملا مصطفى بارزاني وقاسملو ونورالدين زازا وعبدالحميد درويش ومام جلال ومسعود بارزاني وغيرهم، مصدر معرفة واعتزاز ومسؤولية، لا سبباً لمزيد من الانقسام. فالشعب الذي يحترم تاريخه يستطيع أن يختلف في حاضره من دون أن يفقد بوصلته نحو المستقبل.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






