لزكين إبراهيم: أردوغان من حلم الإمبراطورية إلى اتفاقية أضنة المنتهية الصلاحية!

لزكين إبراهيم: أردوغان من حلم الإمبراطورية إلى اتفاقية أضنة المنتهية الصلاحية!

بعد انطلاقة الثورة السورية بفترة قصيرة وتحولها إلى مسلحة دخلت تركيا بقيادة رئيسها أردوغان معترك الأزمة السورية من أوسع أبوابها ووجد فيها فرصة ذهبية لتحقيق حلم إحياء الإمبراطورية العثمانية وتنصيب نفسه سلطاناً جديداً للعالم الإسلامي، وعليه ركب ظهر الثورة السورية حتى أركعها للمجموعات المتطرفة والجهادية بدءا من الإخوان وانتهاء بتنظيم داعش، وجبهة النصرة, لتتحول الثورة إلى أزمة وبلاء على الشعب السوري.

وعقب عدة سنوات من العلاقات الحميمية بين تركيا والنظام السوري والتي تحسنت على وقع توقيع اتفاقية أضنة بين الطرفين عام 1998 في عهد حافظ الأسد، الهادفة للتضييق ومحارية الحركات الكردية وعلى رأسها حزب العمال الكردستاني، خرج أردوغان خلال الأزمة السورية ليعلن العداء لنظام الأسد والدعوة لإسقاط حكمه، وضرب كل الاتفاقيات المبرمة بينهما طيلة عقود عرض الحائط، لأنه لم يعد بحاجة إلى تلك الاتفاقات مادام هدفه اسقاط النظام وتسليم حكم سوريا للمجموعات الإسلامية المؤتمرة بأمرهم احتلال سوريا بشكل مباشر أو غير مباشر “بحسب مخططاته”.

ولكن مالم يكن بالحسبان أن يبرز الكرد في سوريا كقوة عسكرية وسياسية تقف بوجه كل ما خطط له أردوغان، خاصة بعد سيطرتهم على الشريط الحدودي مع تركيا من الحدود العراقية وحتى مدينة كوباني بالإضافة إلى منطقة عفرين، الأمر الذي رأت فيه تركيا عائقاً للتواصل مع مجموعاتها المسلحة داخل سوريا، بالإضافة إلى خوف تركيا من تنامي القوى الكردية وتأثيراتها على الكرد داخل تركيا ما تعتبرها تهديدا لأمنها القومي، لذا وجهت تركيا بوصلة الجهاديين والمتطرفين من دمشق صوب مناطق الكرد في الشمال السوري، ولكن المفاجأة كانت هزيمة كل تلك المجموعات وآخرها تنظيم داعش الذي أرهب العالم بأسره أمام القوات الكردية وقوات سوريا الديمقراطية، الأمر الذي نسف كافة مخططات أردوغان السابقة.

وزاد تعقيد الملف السوري بتحول سوريا إلى بؤرة للصراع العالمي بعد تدخل التحالف الدولي بقيادة أمريكا والتي دعمت القوات الكردية في حربها ضد داعش، والتدخل الروسي الداعم للنظام وإيران، وهنا بدأ التخبط التركي،إذ أنها لم تعد قادرة على اختيار حليف معتمد، لأن كل من تلك الأطراف يمكنها القضاء على أحلام أردوغان على حدا في حال أظهر لهم العداء المباشر، فتركيا لا تستطيع الانضمام إلى التحالف الدولي لأنها لا تريد القضاء على داعش،لذا رفضت المشاركة في قتال داعش رغم أنها عضو في حلف الناتو. فكيف لها أن تقاتل من تدعمهم وتستخدمهم لتنفيذ مخططاته؟، ولم تستطع الانضمام إلى الحلف الروسي أيضاً لأنها عضو في الناتو وتدعم كافة المجموعات المسلحة ضد النظام السوري، وعليه لم تجد تركيا حلاً سوى اتباع سياسة اللعب على الحبلين، فتارة تتقرب من امريكا وأخرى من روسيا، وهذه السياسة الازدواجية جعلتها تستخدم المعارضة السورية والمجموعات المسلحة التابعة لها والاسلامية منها كأوراق للمقايضة وبيعهم في صفقات متتالية مقابل محاربة الكرد والقضاء على مشاريعهم وطموحاتهم في سوريا، ووصل الحال بأردوغان اليوم بأن يتخلى عن حلم الإمبراطورية، والعودة إلى نقطة الصفر والمطالبة بإعادة تفعيل اتفاقية أضنة ضد الكرد.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، من سيكون المستفيد والخاسر من إحياء هذه الاتفاقية في الوضع الراهن وبعد كل التغيرات والتحالفات التي جرت في سوريا وتبدل مواقع القوى؟

لو تمعنا في بنود تلك الاتفاقية وقارنناها بالوضع الراهن سندرك أن المستفيد الوحيد منه حاليا هو النظام السوري ويشكل مصدر قلق للكرد على المدى البعيد ولكن تركيا هي حتما من ستكون الخاسر الأول لدى تطبيقه، لعدة أسباب.

أولاً أن تلك الاتفاقية عندما جرت عام 1998 كانت تركيا في مركز القوة والنظام السوري في موقف الضعف، لذا قبل النظام بشروط الاتفاقية التي كان واضحا أنها بنيت بموجب المصالح التركية حينها، ولكن اليوم الأمر معكوس تماماً، فالنظام اليوم هو القوي –على صعيد التفاوض على الأقل- أما تركيا فهي مجبرة اليوم على قبول شروط النظام وإلا فإن النظام سيلوح بورقة الكرد ويهدد بمنحهم حكماً ذاتيا أو نوعا من الاستقلالية وهذا الأمر يشكل بحد ذاته كابوساً للحكومة التركية، لذا فإن النظام لو عاد إلى تطبيق الاتفاقية سيقلب تلك الشروط بشكل معاكس، أي أن كل ماطُلب من النظام تنفيذه تحت بند “مكافحة الإرهاب” في الاتفاقية سيُطالب النظام من تركيا بتطبيق مثيلها.

فمثلاً قبل تطبيق الاتفاقية عملياً سيتوجب على الحكومة التركية الاعتراف مجدداً بشرعية الأسد ونظامه، وهذا سيحتم عليه إعادة علاقاتها مع النظام السوري وفتح سفارتها في دمشق والقبول بإعادة فتح دمشق سفارتها في أنقرة.وعليه ستجبر تركيا على الانسحاب الكامل من الأراضي السورية، والانسحاب ستجعلها تضطر للتخلي عن كافة المعارضة المسلحة والسياسية وكافة المجموعات المسلحة المدعومة من قبلها أو اجبارهم لتسوية أوضاعهم في حال قبل النظام توبتهم، بالإضافة إلى إغلاق كافة معسكرات الجيش الحر وغيرها على الأراضي التركية لأن النظام يعتبرهم أيضا إرهابيين مثلما تصف تركيا حزب العمال الكردستاني بالإرهاب، وعليه يتوجب على تركيا تسليم قادة الجيش الحر وباقي المجموعات المسلحة للنظام إذا كانت تريد التمسك ببند الاتفاقية القائل “وينبغي على سوريا محاكمة مجرمي «حزب العمال الكردستاني» وتسليمهم إلى تركيا” إذا بالمثل ستطالب سوريا تسليم كل قادة الجيش الحر التي تعتبرهم إرهابيين إلى الحكومة السورية.

أما تأثيرات الاتفاقية على الكرد في هذه المرحلة ستكون ضئيلة لأنهم يتوجهون للتفاوض مع النظام أيضاً وبأيديهم أوراق قوية تمكنهم من اجبار النظام على فتح الحوار، وحددوا مسبقاً نقاطهم الأساسية للتفاوض، وفي حال التوصل لاتفاق مع النظام واعتبار قواتهم العسكرية جزء من الجيش السوري وتم الاعتراف بإدارتهم الذاتية او المحلية في الدستور السوري فهذا سيفرغ بنود اتفاقية أضنة من مضمونها،وتنسف حجة تركيا بمحاربة القوات الكردية باعتبارهم إرهابيين تابعين لحزب العمال الكردستاني، وفي حال لم يتوصل النظام والكرد لأي اتفاق فإن تركيا حينها لن تكون بحاجة لاتفاقية أضنة وستواصل تهديدها لمناطق شرقي الفرات والمطالبة بالمنطقة الآمنة، ولكن مطلبها هذا يصطدم حالياً بالرفض الروسي وعدم استعداد أمريكا لإقامة هذه المنطقة باعتبارها تقول أنها ستنسحب من سوريا ولا تريد عودة الحرب إلى المنطقة المحررة من يد داعش، وفي حال لم تنسحب فلن تجد ضرورة لإقامة هذه المنطقة أيضاً، أي في كل الأحوال لن يكون لاتفاقية أضنة أي تأثير على وضع الكرد في المرحلة الراهنة على الأقل.

ومن هنا نستنتج أن هذه الاتفاقية لو أعيد تطبيقها فإنها تعتبر كانقلاب السحر على الساحر، وستكون بداية لنهاية المعارضة السورية وكافة الفصائل المسلحة المدعومين من تركيا قبل الجميع وانهاء الاحتلال التركي لسوريا، وهدم حلم أردوغان في إعادة امجاد الإمبراطورية العثمانية وإعادته لوضع ما قبل الأزمة السورية، والمستفيد الوحيد منها سيكون النظام السوري، وقد يستخدم الاتفاقية لاستفزاز الكرد مستقبلا بعد الاتفاق معهم والاعتراف بإدارتهم وقواتهم العسكرية، وذلك في حال جرى أي خلاف بين الطرفين بعد الاتفاق، وتستخدمها للتملص من الدفاع عن مناطق الكرد في حال تعرضت لأي هجمة تركيا بحجة أنها تلتزم ببنود الاتفاقية.

“تموز نت”

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top