مادورو.. وحنفية الحمّام

جليل إبراهيم المندلاوي |

منذ شهر كامل، وأنا أعيش مأساة شخصية لا تقل تعقيدا عن أي مشكلة سياسية معاصرة، فحنفية الحمّام معطّلة وتسرب الماء بإصرار سياسي لا يلين، ربما تبدو أنها ليست بالمشكلة الكبيرة، ولا الكارثة المنزلية، مجرد تسريب بسيط.. لكن الكارثة دائما ما تكون في منتصف الليل، حين يظن الإنسان أن العالم هدأ أخيرا، فتبدأ حنفية الحمّام بعقد اجتماع طارئ قطرة واحدة تسقط، ثم ثانية، ثم ثالثة، وكأنها تذكّرك بأن الأعطال الصغيرة لا تنام، بل تنتظر اللحظة المناسبة لتفرض حضورها، في البداية تتجاهلها وتقول لنفسك: “قطرات ستتوقف”.. لكنها لا تتوقف، تماما كالأزمات السياسية، تبدأ هامشية، غير مزعجة، ثم تتحول إلى ضجيج لا يُحتمل، تماما كالحنفية التالفة حيث تبدأ قطرة بعد قطرة، بثبات مثير للازعاج، وتسريب لا يفيض ولا يتوقف، كأنه تعلّم فن الاستنزاف الهادئ.. ولشهر كامل وأنا أخطط، من أين أبدأ؟ هل أحتاج سبّاكا؟ مفتاح إنكليزي؟ فيديو على يوتيوب؟ أم شجاعة مؤجلة؟.. والأهم من هذا كله هل المشكلة في جلدة الحنفية أم في النظام العالمي؟ وهل الوقت مناسب لإصلاحها أم أن الظرف الإقليمي لا يحتمل؟
في الأسبوع الأول، كنت متفائلا فقلت: “غدا أصلحها”.. الغد مرّ، ولم أصلح شيئا، ليمر أسبوع كامل، والحنفية ما زالت تقطر بثبات يُحسد عليه، فالتزامها بالمهمة يفوق التزام كثير من المسؤولين بمناصبهم، لا إضراب ولا عطلة ولا اعتذار، عمل دؤوب، ليلي ونهاري.. في الأسبوع الثاني، دخلت مرحلة التفكير الجاد، درست المشكلة من زوايا متعددة، فتحت الهاتف، شاهدت مقاطع سباكة على اليوتيوب، أغلقت الهاتف وقلت: “الموضوع يحتاج وقتا أكبر، وتركيزا”.. في الأسبوع الثالث، دخلت المشكلة مرحلة التفكير الاستراتيجي، حيث تحولت الحنفية إلى جزء من المشهد اليومي، صوتها صار مألوفا، وجودها طبيعيا، حتى إنني بدأت أتعامل معها بوصفها “أزمة مؤجلة” لا تستحق الاستعجال، تماما كما نفعل مع كل شيء آخر.. وفي الأسبوع الرابع، أدركت أنني لا أعاني من حنفية معطّلة، بل من عطب في اتخاذ القرار، فأنا أعيش عصر السرعة، لكنني شخصيا ما زلت أتحرك بسرعة التسعينات.
كنت أظن أنني أعيش زمن التريث.. لكن يبدو أنني آخر من لم تصله نشرة “التحديث العالمي”، ففي ليلة ما، كان مادورو رئيسا لفنزويلا، الدولة، السيادة، الخطابات، الحرس، القصر، كل شيء في مكانه.. دخلتُ الفراش وأنا أسمع صوت “تك.. تك.. تك” من الحنفية، فنمت على أمل أن أستيقظ إنسانا أكثر حسما، وحين استيقظت صباحا توجهت إلى الحمّام والحنفية التالفة ما زالت تقطر، وأنا ما زلت أفكر، وإذا بالخبر العاجل: “اعتقال مادورو”.. توقفت للحظة ونظرت إلى الحنفية، ثم إلى الهاتف، ثم عدت إلى الحنفية وأنا أردد: “يا لعصر السرعة ويا لها من صفعة حضارية، بالأمس رئيس دولة، اليوم معتقل، وغدا سطر في خبر عاجل”.. يا للمفارقة القاسية، رئيس دولة سقط أسرع من قطرة ماء، ودولة بكامل سيادتها انهارت قبل أن أقرر إن كنت سأشتري مفتاحا إنكليزيا أم لا لأصلح حنفية الحمام أو ربما أغيّرها.
في خضم هذا البطء الشخصي، كان العالم في مكان آخر، فالعالم لا ينتظر من يفكر شهرا في حنفية، ففي الماضي، كانت السياسة تشبه هذه الحنفية، تقطر ببطء، والأحداث تُدار على مهل، وكانت الدول العظمى أكثر تهذيبا حيث تتأنّى قليلا وتتدخل بأناقة، فتدعم انقلابا عسكريا من خلف الستار، أو تموّل ثورة “شعبية” بشعارات جاهزة، أو تُشعل انتفاضة باسم الحرية، مع بيانات شجب ومؤتمرات طويلة ثم تجلس بعيدا، تراقب المشهد، وتترك لك وهم القرار والسيادة كي تنام مطمئنا، كمن يترك لعبة لطفل حتى لا يبكي، فكان التدخل يحتاج صبرا، وقتا، أرشيفا، محللين، بيانات شجب وقلق عميق، ومؤتمرات تُقال فيها أشياء لا تعني شيئا.. مثل التفكير في إصلاح حنفية تالفة.
أما اليوم فلا وقت لكل هذا، فقد تغيّر كل شيء، فنحن لا نعيش عصر السرعة فحسب، بل نعيش عصر الاختصار الوقح، وزمن لا يمنحك ترف التفكير الطويل، لا في السياسة ولا حتى في شؤون السباكة، فكل شيء يحدث فجأة، كما يتسرب الماء من حنفية حمّام متآكلة بلا استئذان، وبإصرار مستفز، زمن تغيّرت فيه المعادلات وصارت فيه الأحداث الكبرى تمرّ علينا بالسرعة ذاتها التي نؤجل فيها إصلاح أعطالنا الصغيرة.
إنه زمن السياسة السريعة، نسخة بلا أخلاق، بلا ديكور، بلا مساحيق دبلوماسية، حيث لم تعد السياسة فن الممكن، بل فن التنفيذ الفوري، عبر ضغطة زر وبلا مقدمات، والدولة التي لا يعجبها مزاجك السياسي لم تعد تنتظر صناديق اقتراع، ولا تتكلف عناء دعم معارضيك أو تحريك الشارع ضدك، ولا تضيع وقتها في الانقلابات الكلاسيكية، فالحل أبسط، حيث ترسل طائرة، وتخطف رئيس دولة يُفترض أنها مستقلة، وتضعه في سجونها ليُحاكم كأنه موظف مخالف للتعليمات، لا انقلاب، لا ثورة، لا بيانات طويلة، يشبه تجاهلي المستمر لإصلاح الحنفية بدل الدخول في تفاصيل مزعجة.. اختصار مذهل للوقت، تماما كما تختصر تطبيقات التوصيل المسافة بين المطعم والباب.
وفي مقابل هذا الجنون العالمي، أقف أنا، مواطن من العصر الحجري البيروقراطي، عاجزا أمام معضلة وجودية: حنفية حمّام تقطر منذ شهر.. شهر وأنا أعيش في حالة تفكير استراتيجي، وأحلل الخيارات، وأُجري تقييم مخاطر، بينما العالم يُسقط رؤساء في ليلة واحدة، وحنفية الحمام ما زالت تقطر، فكنت أعتقد أنني إنسان متأن، عقلاني، لا يتخذ قرارات متسرعة، لكن اتضح أنني ببساطة خارج العصر، بينما العالم يسبقنا بخطوات حيث لم يعد يؤمن بالحلول المؤجلة، كما لم تعد السيادة مفهوما سياسيا، بل اشتراكا قابلا للإلغاء دون إشعار مسبق، فالدول الكبرى لم تعد تؤمن بفكرة “السيادة المؤجلة” فكل شيء مباشر وفوري، بلا مقدمات، حتى التاريخ لم يعد يُكتب على مهل، بل يُدفع إشعارا عاجلا على شاشة الهاتف يختفي بعد دقائق تحت خبر فنان انفصل عن.. أو مباراة أُلغيت، فيما الخرائط تُعدَّل قبل أن نُنهي فنجان القهوة، والرؤساء يُعتقلون أسرع مما نصلح أعطال بيوتنا، فنحن نعيش في زمن تُدار فيه السياسة كسباكة كبرى، لا إصلاح، بل اقتلاع كامل، ولا انتظار، بل تنفيذ فوري، لتُدار الدول كما تُدار التطبيقات، تحديث، حذف، إعادة ضبط المصنع، أما نحن، فنؤجل ونخطط ونفكر، لنعتاد على الأعطال حتى يصبح الخلل طبيعيا، والكارثة مجرد خلفية صوتية.. بينما العالم يضغط زر التنفيذ.

Scroll to Top