هجار أمين
في خطوة تاريخية تؤسس لمرحلة جديدة في مفهوم المواطنة والوحدة الوطنية، أصدر الرئيس المرسوم رقم (13) لعام 2026، والذي يضع حجر الأساس القانوني لوضع أكثر عدالة للمواطنين الكورد السوريين، يأتي المرسوم كتصحيح لجزء من تركة ثقيلة من القوانين المجحفة، أبرزها إلغاء كافة الآثار الناجمة عن إحصاء 1962 المشؤوم وإعادة الجنسية الكاملة للمحرومين منها، (وليس منح) كما يعترف للمرة الأولى باللغة الكردية كلغة وطنية، (يجب ان تكون لغة رسمية) ويسمح بتدريسها في المناطق ذات الكثافة الكردية، (على كامل الاراضي السورية)
هذا التحول الجوهري في الخطاب الرسمي، من إنكار الحقوق إلى الاعتراف بها وتضمينها في مرسوم رئاسي، يمثل لحظة فارقة، إلا أن هذه اللحظة تطرح، بحدة، مسألة ملحة تتجاوز النص القانوني إلى الواقع الإنساني والمعيشي: مصير آلاف الطلبة الذين تلقوا تعليمهم خلال سنوات الصراع في مدارس الإدارة الذاتية، والذين تقف شهاداتهم اليوم في حالة من “اللامعترف بها”، مما يهدد مستقبلهم ويحولهم إلى جيل محاصر بين مطرقة السياسة وسندان الإهمال.
إن معالجة قضية هؤلاء الطلاب ليست مجرد تبعية إدارية لقرار تدريس اللغة الكوردية؛ بل امتحان عملي حقيقي لإرادة الدولة في تحويل مبادئ المرسوم من كلمات على ورق إلى سياسات تنفذ على الأرض، وهو امتحان يتطلب جرأة وحكمة، ويمكن اجتيازه من خلال النقاط التالية:
المطالبة بوضع إطار زمني عاجل وآلية واضحة، كما يجب أن تتحول الوزارات المعنية، وعلى رأسها وزارة التربية، بنود المرسوم إلى خطط عمل فورية، لا يكفي الإعلان عن مبدأ تدريس اللغة الكوردية، بل يجب الإفصاح عن:
الجدول الزمني المحدد لبدء هذه الخطوة في المدارس الحكومية، ضمن المعايير الواضحة لتحديد “المناطق ذات النسبة الملحوظة” من الكورد، وايضاً آلية إعداد المناهج وتأهيل المدرسين، هذا الوضوح وحده كفيل ببناء جسر من الثقة مع الشعب الكوردي، ويظهر أن القرار استراتيجي وليس تكتيكياً مرحلياً.
كذلك الامر بالنسبة لـ معادلة شهادات طلاب الإدارة الذاتية: سابقة إدلب نموذجاً:
كون تمتلك الدولة سابقة عملية يمكن البناء عليها، وهي تجربة معادلة شهادات الطلاب الذين درسوا في مناطق سيطرة فصائل المعارضة في إدلب وشمال غرب سوريا، ينبغي تطبيق منطق مماثل، وإن مع ضرورة التكيف، على شهادات طلاب الإدارة الذاتية، يمكن ذلك من خلال:
تشكيل لجان مهنية متخصصة (وغير سياسية) من الخبراء التربويين في الوزارة، وتقييم المناهج التي تم تدريسها في تلك المدارس، وخاصة في المواد العلمية الأساسية (الرياضيات، العلوم، اللغات)، كما وضع امتحانات “تكاملية” أو “تصحيحية” في المواد التي توجد فيها فجوات، كاللغة العربية أو التاريخ الوطني، لضمان المستوى الأكاديمي المطلوب دون معاقبة الطالب على ظروف خارجة عن إرادته.
إهمال هذا الملف يعني خلق أزمة اجتماعية جديدة، حيث سيجد جيل كامل من الشباب المؤهلين أنفسهم خارج دائرة التعليم العالي وسوق العمل النظامي، مما يغذي الإحباط ويهدد الاستقرار المجتمعي المنشود.
في نفس السياق ضرورة الفصل بين الملفين، الحقوق التعليمية والصراع السياسي، يجب التأكيد بشكل قاطع أن حق الطالب في الاعتراف بشهادته وتعليمه هو حق إنساني وأكاديمي خالص، لا يجوز رهنه بالصراع السياسي أو العسكري بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لقد دفع هؤلاء الطلاب ثمناً باهظاً لظروف الحرب، والعدالة تقتضي عدم جعلهم رهائن للمفاوضات مستقبلاً، الخطاب الرسمي للمرسوم نفسه، الذي يؤكد أن الكورد “جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري”، يفرض منطقياً معاملة أبنائه الطلاب على هذا الأساس.
بالحديث حول النظرة الاستراتيجية من تكلفة مؤقتة إلى استثمار دائم، قد تبدو عملية المعادلة والتأهيل هذه مكلفة على المدى القصير، لكن النظر إليها كاستثمار إستراتيجي يغير المعادلة، إن دمج هذا الجيل في منظومة التعليم والعمل الرسمية يعني:
تحويل طاقات شبابية هائلة من حالة التهميش والإحباط إلى قوة منتجة تساهم في إعمار سوريا، تقوية الانتماء الوطني العملي، عندما يشعر الفرد أن دولته تعترف به وتفتح له الأبواب، تجفيف منابع الخطاب الانقسامي، بإثبات أن الدولة قادرة على احتواء جميع أبنائها بإنصاف.
كذلك لا بد من القول بأن المرسوم رقم (13) لعام 2026 يمثل بوابة أمل قانونية، لكن قيمة هذه البوابة تُقاس بعدد القادرين على العبور عبرها إلى مستقبل آمن، الاعتراف باللغة الكوردية خطوة للأمام، لكنها ستظل ناقصة إذا ظل جيل كامل من الناطقين بها محروماً من الاعتراف بعلمه وجهاده، معالجة ملف شهادات طلاب الإدارة الذاتية ليست منّة، بل هي واجب وطني وأخلاقي، وتطبيق عملي لأسمى مبادئ العدالة والوحدة التي ينص عليها المرسوم ذاته، إنها الفرصة لتحويل مسار تاريخي من الإقصاء إلى مسار من الاندماج العادل، الذي تقف عليه سوريا المستقبل.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=82266





