مجزرة كوباني (25 حزيران/يونيو 2015): دراسة توثيقية في السياق والوقائع والمسؤولية القانونية الدولية

إعداد: مصطفى عبدي

مجلة الحوار – العدد /84/ – السنة 32 – 2025م.

الملخص:

تستعرض هذه الدراسة مجزرة كوباني التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في الخامس والعشرين من حزيران/ يونيو 2015، والتي أسفرت عن استشهاد 274 شخصاً، بينهم نساء وأطفال. يهدف التقرير إلى توثيق الوقائع بالتفصيل، وتحليل الجريمة من منظور القانون الدولي الإنساني، مع التركيز على استهداف المدنيين بشكل مباشر، وتبيان مسؤولية الأطراف المتواطئة، خاصة حكومة تركيا، التي سمحت بمرور قسم من المهاجمين عبر أراضيها. كما يناقش التقرير الآثار الإنسانية والاجتماعية للمجزرة، ويقدم توصيات لمحاسبة المسؤولين وحماية المدنيين في المستقبل.

أولاً: مقدمة

تُعد مجزرة كوباني واحدة من أبرز الجرائم التي شهدتها سوريا منذ اندلاع الحرب في عام 2011، وذلك بسبب استهدافها المباشر للمدنيين وتصاعد العنف المنهجي ضد السكان المحليين. فقد شنت خلايا تنظيم داعش هجومًا على مدينة كوباني وريفها في ساعات الفجر الأولى من يوم 25 حزيران/ يونيو 2015، ما أدى إلى سقوط 274 ضحية، بينهم 37 طفلاً و77 امرأة، وجرح المئات. هذه الجريمة تشكل نقطة سوداء في تاريخ النزاع السوري، وتعكس أساليب الإرهاب المنهجي الذي استخدمه تنظيم الدولة الإسلامية ضد المدنيين.

وهذا هو التوثيق الدقيق لعدد الضحايا:

274 شخصا فقدوا حياتهم في المجزرة بينهم 37 طفلا و77 امرأة منهن 3 حوامل.

بلغ مجموع عدد العائلات: ٣٧ عائلة شملتهم المجزرة وعدد العائلات التي استشهد فيها الوالدين: ١٨ عائلة. مجموع عدد الأيتام الذين فقدوا الوالدين: ٩٣ ولد.

عدد الجرحى: ٢٦٧ جريح.

ثانياً: السياق العام للمجزرة

وقعت المجزرة في فترة حساسة، بعد خسارة داعش مناطق استراتيجية في شمال سوريا أمام وحدات حماية الشعب (YPG) وقوات التحالف الدولي. كانت كوباني رمزًا للمقاومة المدنية والعسكرية، ما جعلها هدفًا انتقاميًا للتنظيم. تسلل أكثر من 160 من مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية إلى المدينة، بعضها متخفٍ بزي وحدات حماية الشعب أو الجيش الحر، وبعضها عبر الأراضي التركية تحت تغاضٍ من الجندرمة التركية، وفق شهادات السكان المحليين.

ثالثاً: تفاصيل يوم المجزرة

بدأ الهجوم عند الساعة الرابعة صباحًا باستخدام أسلحة خفيفة وسكاكين، واستمر في اقتحام المنازل وقتل المدنيين دون تمييز. تزامن الهجوم مع انفجار سيارة مفخخة عند بوابة مرشد بينار الحدودية. انقسم المهاجمون إلى مجموعتين، الأولى توغلت في المدينة، والثانية ارتكبت مجزرة في قرية برخ باتان غرب كوباني.

نصبت المجموعات المسلحة حواجز على مداخل المدينة، ووزعت القناصين في مناطق عديدة وأطلقت النار عشوائياً على المدنيين في الشوارع، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا. وتمكنت وحدات حماية الشعب من تطويق المهاجمين بعد حوالي تسع ساعات من الهجوم، وقتل جميع المهاجمين تقريبًا، فيما لاذ عدد قليل بالفرار ليُقتل لاحقًا.

رابعاً: التحليل القانوني للجريمة

تعد المجزرة جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي الإنساني، إذ كان الاستهداف الدولي على حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة، ومن أبرز النصوص المعمول بها:

-اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية لعام 1977، والتي تحظر استهداف المدنيين وتحمي حقوقهم، وتؤكد على مبدأي «التمييز والتناسب» بين الأهداف العسكرية والمدنية.

-نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يعتبر استهداف المدنيين أو تنفيذ هجمات ممنهجة ضدهم جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.

في مجزرة كوباني، تبين أن الهجوم كان متعمدًا ومنهجيًا، حيث استهدف المدنيين في منازلهم قتلوا الأطفال والنساء وهم في أسراهم نائمين، ما يشكل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، ويعد من الجرائم ذات الطبيعة الواسعة والممنهجة التي تدخل في نطاق الجريمة ضد الإنسانية.

خامساً: تواطؤ الحكومة التركية والمسؤولية الدولية

تشير الأدلة والشهادات إلى أن بعض مسلحي داعش تسللوا عبر الأراضي التركية إلى كوباني، مستفيدين من غياب الرقابة أو من تعاون ضمني من عناصر الجندرمة التركية.

وسجلت عدة هجمات لاحقة في شمال سوريا، استخدم فيها مسلحو داعش قواعد خلفية على الأراضي التركية، ما يؤكد نمطًا مستمرًا من التغاضي أو التواطؤ. هذا يشكل انتهاكًا متكررًا للالتزامات الدولية ويدعم النظرية القائلة بأن الحكومة التركية لم تتخذ التدابير الكافية لوقف التنظيم، سواء عبر المراقبة الحدودية أو التعاون الاستخباراتي مع قوات التحالف أو الجهات السورية المحلية.

وفقًا لمبادئ القانون الدولي، تتحمل الدولة المسؤولية إذا ساعدت أو سمحت أو تغاضت عن ارتكاب جريمة دولية، وفق ما ورد في مشروع لجنة القانون الدولي حول مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا (2001).

وبالتالي، يمكن تحميل حكومة تركيا مسؤولية قانونية وسياسية عن دورها في هذه الجريمة، بما يشمل التواطؤ المباشر أو التغاضي عن عمليات التسلل التي أدت إلى سقوط المدنيين، وهو ما يعزز الحاجة لمساءلة الأطراف المتواطئة دوليًا.

سادساً: الآثار الإنسانية والاجتماعية

تجاوزت آثار مجزرة كوباني الخسائر المباشرة في الأرواح لتشمل أبعادًا نفسية واجتماعية عميقة أثرت على المجتمع بأكمله. أصيب السكان بصدمة كبيرة نتيجة رؤية الموت والعنف المباشر، وتشردت العديد من العائلات التي فقدت أحد أو كلا والديها. على سبيل المثال، أكثر من 25 طفلاً استشهد والديهم معًا، وباتوا بلا والدين أو معيل، ما وضعهم في مواجهة صعبة مع الواقع والاعتماد على المساعدات الإنسانية. كما شهدت عشرات العائلات استشهاد أحد الوالدين فقط، تاركًا الأطفال بلا حماية لفترة أيام، مع تفتت الروابط الأسرية وتأزم استقرارهم النفسي والاجتماعي.

تضاعفت هذه الصدمة النفسية من خلال التوتر المستمر والخوف من الهجمات المستقبلية، ما أدى إلى اضطرابات نفسية حادة، مثل القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة بين الناجين، بما في ذلك الأطفال الذين شاهدوا أعمال العنف مباشرة.

أما الأبعاد الاجتماعية، فتجلت في تفكك المجتمعات المحلية وتهجير السكان نحو المناطق الآمنة، ما أضعف النسيج الاجتماعي وأدى إلى فقدان الروابط التقليدية والتعاونية بين الجيران.

الأبعاد الاقتصادية للمجزرة كانت أيضًا كارثية، إذ فقدت العائلات مصدر رزقها نتيجة وفاة المعيل أو تدمير ممتلكاتهم، كما توقفت الأنشطة التجارية والزراعية في المنطقة، ما أدى إلى شلل اقتصادي مؤقت وارتفاع معدلات الفقر.

علاوة على ذلك، زادت المجزرة من شعور المجتمعات الكردية بالاستهداف على أساس الهوية، مما يوضح الطابع التمييزي للعنف الممارس من قبل التنظيم، وساهم في تعزيز الخوف والاغتراب النفسي داخل المجتمع الكردي. هذه الآثار الإنسانية والاجتماعية المستمرة تعكس مدى الطابع الشامل والدموي للمجزرة، وتؤكد الحاجة الماسة لبرامج دعم نفسي واجتماعي واقتصادي لإعادة بناء المجتمع بعد الصدمة.

سابعاً: التوصيات

تؤكد هذه الدراسة أن مجزرة كوباني لم تكن عملاً معزولاً، بل جاءت نتيجة تواطؤٍ واضح بين عدة أطراف، وفي مقدمتها حكومة تركيا ونظام بشار الأسد وبعض فصائل المعارضة المسلحة، الذين غضّوا الطرف عن تحركات تنظيم الدولة أو سهلوا عملياته بطرق مباشرة وغير مباشرة. يمثل هذا النمط من الانتهاكات تهديدًا خطيرًا للسلم الأهلي ولحقوق الشعب الكردي في سوريا، إذ جاء الهجوم كردّ فعل انتقامي على الدور المحوري للكرد في هزيمة داعش في كوباني والانتصارات اللاحقة. لقد كان الهدف من المجزرة تحجيم صعود الكرد وضرب نموذج الإدارة الذاتية الناشئ بعد الانتصار على الإرهاب.

“مقبرة ضحايا المجزرة في كوباني”

بناءً على ما سبق، توصي الدراسة بما يلي:

  1. اعتبار مجزرة كوباني جريمة إبادة جماعية (Genocide) ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية ضد المدنيين الكرد، نظراً للطابع المنهجي والاستهداف القومي الواضح في الهجوم.
  2. تحميل المسؤولية السياسية والقانونية لكل من حكومة تركيا ونظام الأسد وأطراف المعارضة المتواطئة في تسهيل مرور المهاجمين أو التغاضي عن نشاطهم، والمطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل بإشراف الأمم المتحدة.
  3. إصدار تشريعات وقوانين دولية تضمن تعويض ذوي الضحايا عن الخسائر المادية والمعنوية، ومعالجة الآثار النفسية والاجتماعية التي لحقت بالعائلات المتضررة.
  4. الاعتراف بالدور الذي قامت به كوباني في محاربة الإرهاب نيابة عن العالم، وضرورة تكريم ودعم المجتمع المحلي الذي تصدى لتنظيم الدولة وحمى الإنسانية من تمدده.
  5. الضغط الدولي لتأمين حماية كاملة للكرد والمدنيين السوريين في شمال سوريا، باعتبارهم لا يزالون عرضة لهجمات متكررة من جماعات مسلحة ودولية، مع العمل على إنشاء آلية دائمة لحمايتهم تحت إشراف الأمم المتحدة.
  6. إدراج مجزرة كوباني ضمن ملفات العدالة الانتقالية السورية المستقبلية، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب وضمان التوثيق التاريخي الدقيق لهذه الجريمة.

خاتمة

تظهر مجزرة كوباني مدى هشاشة حماية المدنيين في النزاعات المسلحة، وتبرز الحاجة الماسة للمساءلة القانونية الدولية. إن العدالة للضحايا تتطلب فتح تحقيقات مستقلة، محاسبة المسؤولين المباشرين وغير المباشرين، وضمان حماية المدنيين في المستقبل، حتى لا تتكرر مثل هذه المأساة الإنسانية.

———-

المراجع:

  1. اتفاقيات جنيف الأربع، 1949، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بروتوكولات إضافية 1977.
  2. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، 1998.
  3. مشروع لجنة القانون الدولي حول مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا، 2001.
  4. مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا، تقرير عن مجزرة كوباني، 2019.

[1]:https://www.theguardian.com/world/2015/jun/26/kurdish-forces-have-besieged-isis-fighters-in-kobani-say-activists?utm_source=chatgpt.com «Kurdish forces besiege Isis fighters in Kobani after …»
[2]:https://www.businessinsider.com/pro-kurdish-party-in-turkey-kobani-massacre-shows-how-turkey-supports-isis-2015-6?utm_source=chatgpt.com «Pro-Kurdish Party in Turkey: Kobani ‹Massacre› Shows …»
[3]:https://www.congress.gov/115/meeting/house/105842/witnesses/HHRG-115-FA14-Wstate-PhillipsD-20170405-SD001.pdf?utm_source=chatgpt.com «Research Paper: ISIS-Turkey Links By David L. Phillips …»

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top