حوار: عطا درغام
“في المشهد الروائي المعاصر، يبرز قلم يبني عوالمه بدقة متناهية تكاد تشبه دقة المشرط الصيدلاني؛ حيث لا تولد الكلمات صدفة، بل تولد وفق أبعاد هندسية ونفسية محددة. نلتقي بالكاتب عبد الرحمن صلاح القط، لنحلل معاً معالم النص لديه، ونبحث عن فارس الحكاية وحارس المعنى في رواياته التي تتفرق فيها الشخوص لتعيد تركيب واقعها من جديد.”
- النوع الأدبي (مساءلة القالب والهوية السردية)
حين تشرع في كتابة عمل جديد، هل يشغلك تصنيف “النوع الأدبي” والالتزام بحدوده، أم ترى أن الكتابة الحقيقية هي التي تكسر هذه القوالب لتصنع هويتها الخاصة؟
أري أن الكتابة هي أجنحة لشخص فقد كل طرق الرفاهية , هي مكان مريح لعقل و قلب الكاتب , الكتابة أفق لا محدود و أصدقاء مخلصون لم يجدهم الكاتب في حياته , فحين يمسك هذا الباحث عن الحرية قلمه كل ما يحتاجه وقتها هو الحرية …تلك القةالب و القواعد و المحدودية تعيده مرة أخري لاحساس غرفة الأرشيف , لإحساس الحكومة و القوالب , الكاتب انسان حر و هو يكتب لنفسه قبل اي شيء ،ثم يأتي نشر ما يكتبه و كأنه قدم طبخة أدبية قد تعجب أحد ما أو لا تعجبه ..فأنا لا التزم الا بأمانة ما يمليه علي خيالي و عقلي , و هذا ما يصنع الصدق الذي يخترق القاريء كالرصاصة
الرواية الاجتماعية المعاصرة تقع أحياناً في فخ المباشرة والتقريرية؛ كيف استطعت حماية نصوصك من هذا الفخ لترتقي بها إلى مساحة إنسانية ونفسية أعمق؟
الاجابة دائمًا هي التركيز علي الإنسان , معاناته و دوافعه النفسية هي التي تقودني دائما , مع احترام لكل تلك الدوافع الحلال منها و الحرام الطيب منها و الشرير ،و الذهاب مع الانسان و الانحياز له هو الضمان الوحيد والناقد الوحيد و السور الوحيد تلك النفس اضعها بصلة أمام عيني و هي كافية لي بالنأي عن أي تقريرية و إضفاء بعد سيكولوجي لأي شخصية.
هل تجد في نفسك حارساً للرواية الكلاسيكية ببنائها المألوف، أم أنك تميل إلى التمرد على الشروط التقليدية للقصة؟
ذكرت أن الكتابة أجنحة , و القصة هي سماءنا و أيما طارت القصة طرت خلفها ..و العجيب أن كتابتي اليومية تختلف اختلافًا شاسعًا بحالتي المزاجية و هذه النقطة قصور أعالجه عند المراجعة و لكن تلك الحالة الطائرة دائما خلف خيالي تجعلني متمردا علي أي قانون ..فالنفس التي هي موضوع كتابتنا لا قانون لها , بل هي أقرب للوحة تجريدية لا قانون لألوانها فقط خيالي و الأمانة في نقله و بهذا أنصح زملائي المبتدئين بالكتابة , لا تضع حدود , ألقي ما في قلبك علي ورقة , ثم يرضي من يرضي و يتركها من يتركها .
المشاهد في أعمالك تتسم بروح سينمائية لافتة؛ هل تكتب نصاً مقروءاً فحسب، أم أنك تهندس رؤية بصرية واضحة يتخيلها القارئ كشريط سينمائي؟
لا أكتب إلا بعد أن يكتمل المشهد أمامي , أراه و أشم رائحة ما فيه من عطر , طعام , رائحة عرق , أراه و ألمسه و أعيشه طوال اليوم قبل كتابته و أشكر كاتب صديق قال لي ذات مرة ( أعمل الحواس الخمسة ) فمتبت نصيحته علي ورقة معلقة أمامي دائمًا ..و هكذا تعلمت من أستاذتي و محبوبتي أليف شافاك , التي تحضرك معها في حانة, أو في قصر , أو في جلسة صوفية، فتشم البخور و تستطعم الحلو و المالح من الطعام الذي تقدمه لشخصياتها ..أعتقد أن هناك جزء من المخ يستمتع بتلك الكتابة المعتمدة علي الحس البصري و قد تعلمت من أحمد مراد هذا و ذلك لخلفيته في مجال التصوير .
ما الذي يقتل النص الأدبي في نظرك: استسلام الكاتب للموجات السائدة لإرضاء السوق، أم التجريب المفرط الذي يعزل القارئ تماماً عن النص؟
الذي يقتل الكاتب في نظري عنصرين :
أولهما : البحث عن الكمال و الرعب من فقد الموهبة
ثانيهما و أشرسهما : حساسيته المفرطة
لا مانع من كتابة نص يحوز رضا أغلبية السوق لكن هذا يحتاج لمستوي احترافي مذهل يستطيع فيه الكاتب خلق احساسه ..أما موضوع التجريب المفرط فأراه تخص قد يخلق للكاتب سوق خاص به مثل ما فعل أستاذنا العقاد حتي في الفن تجد منير / يوسف شاهين / يخلقون بانعزالهم و تفردهم سوقا جديدة .
- الأعمال وتحليلها(تفكيك “عزبة الأشلة” و”ابن النجار”)
اختيارك لعنوان “عزبة الأشلة” يحمل هندسة بنيوية واضحة للمجتمع المصغر؛ لماذا اخترت الانطلاق من فكرة “الجماعة أو الشلة”، وكيف أدرت نقطة الصراع الأساسية؟
عزبة الأشلة أولي أعمالي , يوميات صيدلي يأتمنه الناس بحكي أسرارهم له ثم يبيع الصيدلية و يترك المنطقة و يصدر كتابا فيه كل مشاكلهم فاضحًا كل الأسرار ..كانت تجربتي الأولي و ظلت علي هاتفي عام كامل .
هي البداية البسيطة و كسر الجليد بين الكاتب و أول أعماله , لا أنصح بقراءتها أبدا فهي كتابة بدائية لكنها خفيفة قد تفيد في معرفة كيف يبدأ الكاتب الإمساك بالقلم
الأشلة هي حي في المنوفية ..الصراع دائما نفسي يتسبب فيه الجهل و ضعف النور , فتضيع الشخصيات بين نوازعها الطبيعية و صرامة المجتمع و تقاليده ..فمثلا كانت شخصية الشيخ الملتزم لكنه ممتليء بالشهوة و الجموح و المكافحة التي تستسلم للغواية بضغط المادة و غيرها.
لو جردنا رواية “ابن النجار” من تتابعها الحكائي المشوق، ما هي النواة الصلبة أو الصدمة المعرفية التي أردت تركها في وعي المتلقي عند النهاية؟
لو أن لابن النجار رسالة أود أن تصل للقاريء هي أن الطفل يجب أن يعيش طفولته , فلا ذنب له بضعف المادة , التي تضعه بمستوي تعليمي أقل أو تضطره للعمل كحرفي ؛فتضيع أجمل أيام عمره
تبدو شخوصك في العملين وكأنها تعيش حالة تشظي وانقسام داخلي مستمر؛ هل هذا التشظي انعكاس لروح العصر الراهن، أم أنه ضرورة حتمية لنمو الشخصية درامياً؟
دائما أكتب ما أشعر به و كل انطباع هو شعور لي خاص وقت الكتابة ،فأنحاز للرأي الثاني و هو حتمية نمو الشخصية التي أنبأني بها خيالي .
كيف توظف المساحات الفاصلة بين بطولة المجموعة وبطولة الفرد؟ بمعنى: كيف تمنع صراع “الأشلة” من سرقة الضوء عن المعاناة الذاتية للبطل؟
بتسليط الضوء علي الاثنان معًا فالفرد يحمل معه مجتمعه بكل ما صبه فيه من اعتقادات و آثام و أوهام و أحلام ..فالفرد هو تلخيص للجماعة و الاثنان مخلوطين ممزوجين معًا .
إذا قمنا بعملية تفكيك نقدية للروابط الإنسانية في أعمالك؛ ما هو الخيط الخفي الذي يجمع مصائر أبطالك رغم تباين دوافعهم وأنانيتهم؟
أميل دائما للنهايات المفتوحة ،و ترك القاريء للحكم و التوقع ،و إن كنت ذا نظرة مأسوية في كثير من الأحيان فأغلب الشر علي الخير و الفوضي علي النظام .
- القضايا المطروحة (صراع الوجود وتعرية الواقع)
في زمن أصبحت فيه الروابط الإنسانية هشة للغاية؛ هل تسعى في رواياتك إلى إدانة التفكك الاجتماعي، أم تفضل دور الراصد المحايد الذي يترك الحكم للقارئ؟
نعم، القاريء هو الهدف الوحيد و الناقد الوحيد و المعلم الوحيد ..
الخوف من التهميش والبحث عن مكان في هذا العالم قضية بارزة في أعمالك؛ لماذا يسيطر القلق الوجودي على الإنسان البسيط في نصوصك؟
أعتقد أن طفولتي الصعبة هي السبب , فقد عانيت كثيرا للوصول لأقل المقدرات , فإيصال ما قد يواجه الانسان البسيط للناس أسمى رسائلي .
أبطالك ينبتون من عمق الطبقة المتوسطة؛ كيف تجعل قضاياهم اليومية تنمو بذكاء داخل الحكاية دون أن تتحول الرواية إلى خطاب وعظي مباشر؟
الفكرة هي البطل , اختيار فكرة حقيقية صادقة و واقعية هو الأساس .
هل يملك أبطالك ترف الاختيار والنجاة، أم أنهم محاصرون ببيئة صلبة وقاسية تدفعهم نحو حتفهم الاجتماعي مرغمين؟
كل بطل قصة داخل القصة , تعلمت هذا من الدراما السورية , لا يوجد بطل مطلق , كل الأشخاص أبطال في دورهم مهما كان محدوًدا
كيف وظفت جدلية “الطمع والوفاء” التقليدية لتعكس من خلالها تلك الانهيارات الصغيرة الصامتة التي تحدث داخل بيوتنا وعلاقاتنا؟
وظفتها باحترامها , فكل طابع انساني قلنا عنه أنه خير أو شر عند الكاتب دافع محترم , فالنفس الإنسانية بما فيها من رغبة بقطف تفاحة الشجرة المحرمة و بما فيها من التوق إلي الطهر .. كلاهما فيها ..أنا أحترم الانسان بكل نوازعه
- الأسلوب الفني (سادن الجغرافيا وصرامة البناء)
المكان في نصوصك يتجاوز فكرة الديكور؛ يبدو وكأنك سادن لجغرافيا النص وحارس للمكان، فكيف تجعل البيئة (كالعزبة مثلاً) تفرض سلطتها المطلقة على مصائر الشخوص؟
أنا كتب ما عشته فعلا ., لا أكتب عن عالم لا يستند إلا للخيال .
يتسم أسلوبك بـ صرامة لغوية واضحة لكنها تمتاز بالسلاسة؛ كيف تصل إلى هذه التوليفة التي تجمع بين رصانة الصياغة وحيوية الحوار على لسان شخوص بسيطة؟
أقرأ قبيل الكتابة في مادة تقترب مما سأكتبه .
يتصاعد التوتر والتشويق في أعمالك فصلاً بعد آخر؛ كيف تصنع هذا الإيقاع الجاذب دون التضحية بالعمق الفكري أو الفلسفي للرواية؟
الرواية مشروع بحثي له هدف و نقطة نهاية، يجب أن تصل لها ,, و طالما هذه النقطة واضحة أمامي ،لا أخاف من تفرعات الخيال يمينًا و يسارًا طالما أنا أسعي في اتجاه تلك النقطة.
هل تعتبر لغتك الأدبية هي الإجابة النهائية الشارحة لكل شيء، أم أنك تترك فجوات ومساحات بيضاء عمداً ليملأها القارئ بوعيه الخاص؟
القاريء هو كاتب معي و مشارك بل هو بطل ما أكتبه ،يجب أن تكون نهاية كل مشهد هو جلسة من القاريء مع نفسه .. هذا هو معيار النجاح .
كيف تفلت من أسر أسلوبك الخاص من عمل إلى آخر، لكي لا يجد القارئ نفسه في “ابن النجار” مستمراً داخل جغرافيا “عزبة الأشلة”؟
هذا السؤال صعب جدًا ،و لا أجد إجابة عليه , أنا الآن أكتب عن ابن عربي باسلوب و لغة مختلفة ،و كأنني قد تلبسني شخص آخر و لا أفهم حتي الآن آلية حدوث هذا الفصام .
- النشاط الأدبي (سوق النشر والتحول الرقمي)
خيارك بالتوجه نحو النشر المستقل والرقمي في بداياتك؛ هل كان محاولة لكسر احتكار دور النشر التقليدية، أم أنه اعتراف حتمي بتغير جغرافيا القراءة المعاصرة؟
دور النشر , لقد لمس سؤالك الجرح يا استاذنا , دور النشر التي لا قانون لها في اختيار الأعمال فقط تجري خلف سوق معظمه شباب يستهويه الرعب و المحتوي الخفيف ..فنجد أعمالا غاية في السوء سمعتها تطبق الآفاق فيضيع كتاب كثيرون و تضمحل أعدادهم .
حين تتابع تفاعل القراء وتحميلهم لأعمالك على منصات مثل “مكتبة نور”؛ هل يمنحك هذا الفضاء الافتراضي اكتفاءً يغنيك عن حفلات التوقيع والمعارض التقليدية؟
أنا شخص منعزل جدا أميل للبراوية ..لا أصدقاء لي، و شديد الخجل في مواجهة الجمهور، لكني بالطبع افرح بالتعبيرعن حبهم لي علي منصات التواصل، لكن لا أميل لحضور الندوات .
هل يمنح النشر الرقمي الكاتب حرية حقيقية بعيداً عن مقص الرقيب ومتطلبات السوق التجاري، أم أنه يضعه في مواجهة مباشرة وقاسية مع النقد الفوري للجمهور؟
الجمهور هو أحن النقاد،الجمهور هم أسيادنا الحقيقيون , هم أصحاب الفضل و منزلتهم للكاتب كمنزلة الأب الداعم المربي ،مهما كان انتقادهم فهو مقبول و مرحب به .
كيف تقيم تجربة النشر المستقل (مثل منصة كتبنا) كداعم لتطور قلمك، وهل تراها المستقبل الحقيقي للأدب الشبابي في مصر؟
شكرا لكل من ساهم في تقديم عمل لي ،و بالتأكيد الشكر موصول لإدارة كتبنا .
نشاطك الإبداعي يتوزع بين الورقي والرقمي؛ أين يجد عبد الرحمن صلاح نفسه أكثر: كـ سادن للكتاب المطبوع، أم كمواكب للموجة التكنولوجية الجديدة؟
الموجة التكنولوجية هي الواقع القادم الذي يجب علي الكاتب مواكبته و إلا سيندثر كما اندثر هاتف نوكيا في مواجهة الساميونج ،أحدهما قبل التطور و الآخر استمسك بالقوالب
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






