غارسيا ناصح
هناك من يردد بثقة أن الحرس الثوري هو من يدير إيران، وأنه صاحب القرار الأول والأخير في كل ما يتعلق بسياسة الدولة. لكنني لا أستطيع أن أتبنى هذا الرأي بهذه البساطة، لأنني أرى أن السياسة الدولية أعقد بكثير من هذا التفسير المختصر.
من وجهة نظري، لا يمكن فهم ما يجري في إيران بمعزل عن المصالح الدولية، ولا عن توازنات القوى الكبرى التي تؤثر في المنطقة منذ عقود. ولهذا أميل إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تمتلك نفوذًا كبيرًا في رسم كثير من مسارات الأحداث، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وأن ما يبدو صراعًا معلنًا قد لا يكشف دائمًا كل ما يدور خلف الأبواب المغلقة.
ولهذا أستغرب عندما أسمع من يقول إن الحرس الثوري وحده هو من يدير إيران. فهل يعقل أن تكون دولة بهذا الحجم، وبهذا التاريخ، وبهذه الأهمية الجيوسياسية، معزولة عن تأثيرات القوى الكبرى؟ وهل من المنطقي أن تُختزل كل معادلاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية في مؤسسة واحدة؟
أنا لا أقلل من نفوذ الحرس الثوري داخل إيران، فهو بلا شك لاعب مؤثر في بنية الدولة، لكنني لا أرى أن ذلك يفسر وحده كل ما يحدث. فالعالم لا يتحرك بهذه البساطة، والسياسة ليست أبيض أو أسود، بل شبكة معقدة من المصالح والضغوط والتفاهمات والصراعات، يظهر بعضها للعلن بينما يبقى كثير منها بعيدًا عن الأنظار.
كما أنني لا أعتقد أن الإيرانيين، وهم أصحاب تجربة سياسية طويلة ومؤسسات تمتلك خبرة كبيرة، يمكن النظر إليهم وكأنهم يتصرفون بسذاجة أو دون حسابات دقيقة. إن الدول، مهما اختلفنا معها، تبني قراراتها وفق حسابات معقدة، لا وفق الانفعالات أو الشعارات.
قد يختلف كثيرون مع هذا الرأي، وهذا حقهم. لكنني أؤمن بأن التفكير النقدي يبدأ من التشكيك في الروايات الجاهزة، وطرح الأسئلة التي لا يجرؤ كثيرون على طرحها. فالحقيقة السياسية ليست دائمًا ما نراه على الشاشات، ولا ما ترويه البيانات الرسمية، بل قد تكون أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
هذه ليست محاولة لإقناع أحد، وإنما دعوة إلى التفكير، وإلى إعادة النظر في المسلمات التي تتكرر حتى تتحول، عند البعض، إلى حقائق لا تُناقش.
12.07.2026











