د. محمود عباس
تأملات في الغياب الإلهي والإنسان المسكون بالمطلق
وكأني أقف إلى جوار الحلاج حين صرخ “أنا الحق” ومزّق الحُجب بين الإنسان والإله، أو كأني أُنصت لابن الراوندي، وهو يُمعن في الشك، لا كمن يهدم، بل كمن يفتّش عن الإله الذي غاب حين حضرت الجريمة، وسكت حين بكت الإنسانية تحت أنقاض المجازر.
أين الله من الدم المسفوك؟ على صفحة كوردستان، وسوريا، والعراق، بل على وجه الشرق الأوسط الجريحة بأسره.
هل خُلق الإنسان ليُلقى في أرضٍ لا تشبه الجنّة إلا في الحكايات؟
أم خُلق ليختبر الحياة في عالمٍ أقرب إلى الجحيم؟
جحيم لا بناره، بل بمآسيه، بأحزانه التي لا تنطفئ، وبمواسم الفقد التي تتكرّر كأنها طقس يومي.
فأي معنى للخلق إذا كانت الأرض التي نُفي إليها تضجّ بالظلم أكثر من الرحمة، وتفيض بالقسوة أكثر من الحنان؟
هل نُسجت فكرة الله على مقاس الخوف، ليَعبد الإنسان ظله المرتجف؟
أم أن الله كما تصوّره العقل البشري، ليس إلا محاولة لتبرير العجز، وتأليه المجهول، وإسقاط الرحمة على وجودٍ غير مُتحقق؟
كما قال دوستويفسكي ذات مرة:
إن لم يكن الله موجودًا، فكل شيء مباح.”
ولكن، إن كان موجودًا، وكل شيء ما يزال مباحًا، فأيُّ صورة هذه عن الله؟ أليس الأسوأ من غيابه هو حضوره بلا فعل؟
إن كان الله عند الإنسان، كاحتمال لا يُطاق، سينطلق السؤال الصارخ:
هل الله جريمة؟
ليست الجريمة في ذاته، بل في صورته التي صاغتها الأديان، حين جعلت منه ديّانًا، ثم صامت حين هُتكت الأعراض، وسُفكت الأرواح، وحُرقت المدن.
الإنسان، في لحظة خوفه القصوى، اخترع الإله، لا ليحب، بل ليخاف، جعل منه قاضيًا، ثم عبد أحكامه، وجعل من الجحيم مرآة لذنوبه، لم يكن الله حضورًا شافيًا، بل رعبًا قادمًا من اللا معلوم.
وها نحن، في هذا العبث، نعيد صياغة الجريمة على هيئة طقس ديني، ونطلب الغفران من غياب لا يستجيب.
إذا كانت قوانين الكون من خلق الله، فهل الجريمة جزء من القانون الإلهي؟
وهل الجريمة مُشفّرة في نسيج الخلق؟
هل الشر ضرورة كونية، أم اختلال في التصميم؟
وإذا كانت “الرحمة” هي صفته الكبرى، فأين تتجلى في طفلة تُذبح، أو أمٍّ تُحتَضَر تحت الأنقاض؟
“إن الشرّ مشكلة منطقية لمن يؤمن بإله كلي القدرة وكلي الرحمة” كما أشار ديفيد هيوم، فكيف تفسر وجود الشر إن لم يكن الله عاجزًا، أو غير مبالٍ، أو أن الصورة التي رسمناها له لا تنتمي للواقع بل للرغبة؟
وحين نسأل، أين الله من كل هذا الدم؟
يجيب المتدين، إنه يختبرنا.
لكن أيُّ إله هذا الذي يختبر أبناءه بالنار؟
وأيّ أبٍ يرضى أن يَشرب أولاده من كأس الموت كي يثبتوا ولاءهم؟
نحن أمام معضلة وجودية أكثر مما هي دينية.
كما قال كامو:
المشكلة الفلسفية الجادة الوحيدة هي الانتحار، الحكم ما إذا كانت الحياة تستحق أن تُعاش أم لا، هو الجواب على الأسئلة الفلسفية.”
وكذلك نقول، المشكلة الإلهية الوحيدة هي العدالة، فإن لم تكن عدالته حاضرة، فما جدوى وجوده؟
نرفع أيدينا نحو السماء، في عالم لا يسمع.
نُصلي لسماءٍ تسبح فيها مجرّات لا تعنينا، وأكوان لا ترى دموعنا.
الله، كما صوّرته الفلسفات، ليس شخصًا في العلو، بل هو سؤال، هو القلق، هو غياب المعنى في مواجهة الألم.
وهنا، تعود الأسئلة القديمة بثياب جديدة:
هل الإله خلقنا أم نحن من خلقنا الإله؟
هل الإيمان به هو خوفنا من العدم؟
هل نعبده لننجو، أم لأننا لا نطيق أن نكون وحدنا في هذا الفراغ المترامي؟
هل الله بريء من الجريمة، أم أنه منطقها الأعلى؟
أم أن الجريمة ليست سوى نتيجة لحرية أُعطيت للإنسان، دون أن تُعطى له أدوات ضبطها؟
في كُنه هذا السؤال، نُدرك حجم المأساة، فإمّا أن الله عاجز، أو أنه لا يبالي، أو أن صورة الله في أذهاننا مشوهة، مفصّلة على مقاس الخوف، وليست انعكاسًا للمطلق.
“السماء لا تهمها دموعنا” كما قال جان بول سارتر، فهل كان على حق حين أعلن:
الإنسان محكوم عليه بالحرية”؟
حرية تؤلمه، لا ترفعه، حرية يصرخ بها وهو يركع لصنم صنعه من رعبه.
ومن على عتبات هذه الحرية أراد الحلاج أن يرى الله في الإنسان، فانتهى على الصليب.
ورأى ابن الراوندي في الله فكرة فاسدة تُستعمل لإرهاب العقل، فصار ملعونًا في كتب التراث.
أما الإنسان المعاصر، فصار بينهما، لا يجرؤ أن يُحب الله كما الحلاج، ولا أن يهدمه كما الراوندي.
وهنا يحضرنا مقولة نيتشه:
لقد مات الله، ونحن من قتلناه.”
لكنه لم يكن احتفالًا، بل رثاءً لعالم فقد حريته ومركزه الأخلاقي، عالم تُرك للضياع دون خريطة.
إننا اليوم نعيش وسط انفجار المعرفة، وانهيار المعنى، لنحكم على سعة وعي الحاضر.
الله لم يمت، بل انسحب، من رؤية منظر شلالات دم الإنسان.
أو ربما تماهى مع صمت الكون، واختبأ في عمق وعينا، في تلك الزاوية حيث لا يدخل الضوء.
لكننا، نحن البشر، لا نزال نحفر في الظلام، نكتب على جدران الكهوف الحديثة أسئلتنا القديمة:
من أنا؟ لماذا أموت؟ وأين هو الله؟”
وكل إجابة محتملة، ليست إلا سؤالًا جديدًا متنكرًا، يوسّع من دوائر الحيرة، ويعمّق ظلال الشك، فكلما اقتربنا من يقينٍ ما، تكشّف عن هشاشته، وكلما نطقنا باسم الله دفاعًا، وجدناه يُستدعى ذريعةً للذبح.
أهي الأسئلة التي تُخطئ؟ أم أن الأجوبة فُصّلت على مقاس القتلة؟
في الشرق الجريح، لا تُطرح الأسئلة بحثًا عن الحقيقة، بل تُكمم حتى لا تُربك الولاءات، وتُدان إن لامست المعنى.
لكن، ماذا لو كان الشك هو بداية الإيمان الحقيقي؟ وماذا لو أن الله، لا يسكن في الفتاوى، بل في صرخة الضحية؟
الولايات المتحدة الأمريكية
25/3/2025م
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd.ws/?p=66598