هل ننجز عن خصومنا مهمتهم بأيدينا؟

تكبير الصورة

د. محمود عباس

من أكثر ما أثار انتباهي في الأحداث الأخيرة أن بعض الإخوة الكورد انساقوا، من حيث لا يشعرون، وراء سلّم الأولويات الذي رسمه الإعلام السوري والعربي. انشغلوا بإقدام شابين كورديين على إسقاط العلم السوري، وارتفعت أصوات الإدانة وكأن هذه الحادثة هي جوهر ما جرى، بينما تراجعت إلى الخلفية الجريمة التي سبقتها وأسهمت في إشعال الاحتقان: الاعتداء على المهجّرين الكورد العائدين إلى بيوتهم في سري كانيه بعد أكثر من سبع سنوات من التهجير القسري.

لا أدافع عن إسقاط العلم، ولا أرى الإساءة إلى الرموز الوطنية وسيلة صحيحة للاحتجاج. لكن الأخطر هو أن نسمح لحادثة كهذه بأن تقلب ترتيب الوقائع: فتُقدَّم النتيجة بوصفها أصل المشكلة، ويُدفن السبب تحت ضجيجها. وهكذا يتصدر شابان أسقطا علمًا المشهد، بينما تتراجع مأساة عائلات عادت إلى أرضها وبيوتها لتجد الاعتداء والتحريض بانتظارها.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

ليس الخطر في أن ينتقد الكوردي خطأ ارتكبه كوردي آخر؛ فهذا حق، بل ضرورة. الخطر أن يتبنّى، من حيث لا يدري، المعيار الذي وضعه خصمه، يضخّم ما يريد الخصم تضخيمه، ويسكت عمّا يريد له أن يُنسى. عندها لا يعود الإعلام المعادي بحاجة إلى إخفاء الجريمة؛ بعضنا يقوم بالمهمة عنه.

وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب ليس أن يمتلك خصومه السلاح والإعلام، بل أن تنجح، لغتهم في اختراق وعيه؛ فنستخدم مفرداتهم ضد بعضنا، ونستعير تصنيفاتهم، ونحوّل خلافاتنا الداخلية إلى ذخيرة مجانية في حملاتهم علينا.

وهذا ما نراه، للأسف، لدى شرائح من الحركة السياسية والثقافية الكوردية، ومعها عدد من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي. بفعل الخصومة الحزبية أو ضعف القراءة السياسية، نكرر أحيانًا الخطاب الذي صاغه خصومنا، ثم نقدمه لهم بأصوات كوردية يستطيعون استخدامها بوصفها «شهادة من الداخل».

نختلف مع قسد؟ من حقنا.

ننتقد الإدارة الذاتية؟ من واجبنا عندما تخطئ.

نختلف مع حزب العمال الكوردستاني أو المجلس الوطني الكوردي أو أي قوة كوردية أخرى؟ هذا جزء طبيعي من السياسة.

لكن أن يتحول النقد إلى تبنٍّ لخطاب الخصم، وتخوين شامل، وشيطنة طرف كوردي بما يبرر استهداف المجتمع الكوردي نفسه، فهذه لم تعد معارضة سياسية؛ إنها مساهمة مجانية في تفكيك الذات.

هناك فارق جوهري بين أن نقول إن حزبًا كورديًا أخطأ، وبين أن نتبنى الرواية التي تجعل خطأه ذريعة لإنكار القضية الكوردية. وفارق أكبر بين نقد تجربة سياسية وبين ترديد خطاب يريد إقناع العالم بأن كل قوة كوردية منظمة مشروع انفصال أو إرهاب أو عمالة.

وعندما يضيع هذا الحد الفاصل، لا يعود خصوم الكورد بحاجة إلى صناعة حججهم؛ نحن نصنعها لهم.

لقد وصل الانقسام أحيانًا إلى درجة أصبح فيها مجرد الحديث عن التفاهم بين أطراف الحراك الكوردي يثير حساسية لدى البعض. كل طرف يحاول إثبات وطنيته بنزعها عن الآخر، فيما القوى المتربصة بالجميع تراقب المشهد بارتياح.

بهذه الطريقة لا نهزم خصومنا؛ ننجز عنهم مهمتهم.

نهدم الجسور بين القوى الكوردية، ونحوّل الخلاف السياسي إلى قطيعة، ثم نتساءل لماذا لا توجد مرجعية كوردية قادرة على مخاطبة العالم بصوت يمتلك الحد الأدنى من التوافق.

ولا يعني هذا الدعوة إلى وحدة مصطنعة، ولا إسكات النقد، ولا تحصين قسد أو المجلس الوطني أو حزب العمال أو غيرهم من المساءلة. على العكس؛ الحركة السياسية التي تخشى النقد تتآكل من الداخل. لكن المطلوب أن يكون نقدنا نابعًا من مصالح شعبنا، لا من قاموس القوى التي تنكر حقوقه.

من المؤلم أن تقع جرائم وعمليات تهجير واعتداءات بحق الكورد، ثم يخرج بعض الكورد ليقدموا، من حيث لا يدرون، المبررات السياسية والفكرية للخطاب الذي أنتجها، فقط لأنهم يريدون الانتصار على حزب كوردي آخر.

هنا لا نكون أمام خلاف طبيعي، بل أمام تآكل داخلي يتحول إلى حليف مجاني للعامل الخارجي.

والتاريخ الكوردي مليء بالدروس القاسية. لم تكن قوة خصومنا وحدها هي التي حسمت مراحل كثيرة من تاريخنا؛ قدرتهم على استثمار انقساماتنا كانت جزءًا من قوتهم. تتغير الدول والأنظمة والتحالفات، لكن القاعدة تبقى واحدة، عندما يتحول الخلاف الداخلي من تنافس على الوسائل إلى صراع لإلغاء الآخر، يصبح الخارج هو المنتصر.

ويزداد الأمر خطورة اليوم لأن المنطقة نفسها تدخل مرحلة تحولات كبرى، من الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى إعادة ترتيب التحالفات وموازين النفوذ. وفي مثل هذه المراحل لا تنتظر القوى الدولية والإقليمية الشعوب حتى تحل خلافاتها؛ تتحرك وفق مصالحها، ومن يدخل هذه التحولات مفككًا يدفع الثمن مضاعفًا.

لهذا فإن القضية ليست المقولة المستهلكة: «الكورد لا يتفقون». لا توجد أمة بلا خلافات. القضية هي: كيف ندير خلافاتنا، وأين نرسم الخط بين الصراع الحزبي والمصلحة القومية؟

يمكن لقوتين كورديتين أن تختلفا جذريًا في المشروع السياسي وشكل الإدارة والتحالفات، لكن يجب أن تستطيعا الاتفاق على أن التهجير الديمغرافي مرفوض، وإنكار الوجود الكوردي مرفوض، والتحريض العنصري مرفوض، وأن حقوق الشعب الكوردي ليست ملكًا لحزب كي يحتكرها أو يساوم عليها.

هذا ليس إلغاءً للتعددية، بل، حد أدنى قومي، لا ينبغي أن يصبح مادة للمساومة في الصراعات الحزبية.

الخطر الأكبر على الكورد، إذن، ليس فقط في القوى التي تعاديهم من الخارج، بل في أن ينجح خطاب تلك القوى في السكن داخل وعينا نحن. فعندما نستخدم لغتهم ضد بعضنا، ونقبل تقسيماتهم لنا، ونكرر اتهاماتهم، نكون قد منحناهم ما قد يعجزون عن تحقيقه بأدواتهم وحدها.

المطلوب ليس إلغاء الخلاف ولا صناعة وحدة زائفة، بل شيء أبسط في صياغته وأصعب في ممارسته: أن نختلف ككورد من داخل قضيتنا، لا من داخل خطاب خصومها.

أن ننقد بعضنا بلغتنا نحن، وبمعايير مصالح شعبنا، وأن ندرك أن إسقاط حزب كوردي لا يستحق إسقاط قضية، وأن هزيمة خصم حزبي ليست انتصارًا إذا كان المنتصر الحقيقي هو من يعادي الجميع.

فالأمم لا تبدأ هزيمتها فقط عندما يهزمها أعداؤها؛ أحيانًا تبدأ الهزيمة في اللحظة التي تنجح فيها لغة الخصم في أن تصبح اللغة التي يتحدث بها أبناؤها عن بعضهم.

الولايات المتحدة الأمريكية

11/8/2026م

× Zoomed Image
Scroll to Top