اللغة والثقافة الكردية في سوريا.. من سياسات الإقصاء إلى معركة تثبيت الحقوق

تكبير الصورة

أحمد عبد الرؤوف 

اللغة المادة الأولى في تكوين الثقافات والحضارات لما لها من جرس سماعي، وتأثير يقوم على التواصل وتجسيد المعاني والعلوم والآداب وبالتالي رسم ثقافة متكاملة ومترامية الأطراف تثبت جذور أصحابها في أرضهم وتصنع منهم تاريخاً لمن سيأتي بعد حين، ومن هنا تكتسب الثقافة بجزئياتها التي تعتبر اللغة من أوائل ما يصنعها ويحفظها أهمية جليلة عند الشعوب، تبذل في الدفاع عن وجودها وتثبيتها المهج والأرواح، وربما أن الثقافة الكردية شهد تكوينها منعطفات عديدة وتحديات جمة.

وفي حديث خاص لصحيفة “روناهي” أشار الكاتب والصحفي “ميرخان عمادي” إلى أن معاناة الكرد في سوريا لم تكن محصورة في الجانب السياسي أو في حرمانهم من بعض الحقوق المدنية، بل امتدت لعقود إلى اللغة والثقافة والتراث والذاكرة الجماعية، فمنذ وصول حزب البعث إلى السلطة، اتبعت الأنظمة الحاكمة سياسات قومية مركزية تعاملت مع التنوع الكردي باعتباره قضية سياسية وأمنية، وسعت إلى الحد من حضور اللغة الكردية في التعليم والإدارة والإعلام والحياة العامة، إلى جانب تعريب أسماء المناطق والقرى، والتضييق على النشاط الثقافي والنشر باللغة الكردية، وبلغت هذه السياسات مستويات أعمق مع مشاريع التغيير الديموغرافي ومصادرة الأراضي وإعادة توزيع السكان في المناطق الكردية، ما جعل الصراع على اللغة مرتبطاً بالصراع على الأرض والهوية والذاكرة، ورغم الممارسات القمعية استمر المجتمع الكردي في نقل لغته وأدبه وموسيقاه وتراثه شفهياً واجتماعياً، ليبقى الكردي حاضراً رغم محاولات إبعاده عن المجال الرسمي

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

مرحلة البعث ومحاصرة الهوية الكردية 

عاشت اللغة والثقافة الكردية لعقود تحت سياسات رسمية هدفت إلى حصر المجال العام باللغة العربية وإبعاد الكردية عن التعليم والإدارة والإعلام والمؤسسات الثقافية، وفي هذا المضمار أضاف الكاتب والصحفي “ميرخان عمادي”: “لم تقتصر الإجراءات على اللغة، بل طالت مظاهر الهوية الكردية، من التضييق على النشر والنشاط الثقافي إلى تعريب أسماء القرى والبلدات والمواقع، وترافقت هذه السياسات مع إجراءات ديموغرافية، أبرزها مشروع الحزام العربي، الذي ترك آثاراً عميقة على السكان والأرض والذاكرة المحلية، وبذلك أصبحت اللغة جزءاً من سياسة أوسع استهدفت إضعاف حضور الهوية الكردية في الحياة العامة، وربطت بين التعريب الثقافي والتغيير الديموغرافي والسيطرة على المجال الجغرافي”.

الثقافة الكردية ومواجهة التعريب 

وتابع “ميرخان عمادي”: “رغم سياسات المنع والتضييق، لم تختفِ اللغة الكردية من المجتمع، بل استطاعت العائلات والمثقفون والكتاب والفنانون الحفاظ على اللغة من خلال التداول الاجتماعي والأدب والموسيقى والتراث الشعبي والتعليم غير الرسمي، وأصبح الحفاظ على اللغة أكثر من مجرد ممارسة ثقافية، إذ تحول إلى وسيلة لحماية الذاكرة والهوية ونقلها من جيل إلى آخر، فالحكايات والأغاني والأمثال والأسماء والتراث الشفهي شكلت كلها مساحةً حافظ من خلالها المجتمع الكردي على خصوصيته الثقافية في ظل غياب المؤسسات الرسمية التي تستطيع حماية اللغة وتطويرها”

الكردية من الحصار إلى التعليم والمؤسسات 

شهدت اللغة الكردية بعد عام 2012 تحولاً كبيراً، حيث انتقلت من المجال الاجتماعي المحدود إلى المجال المؤسساتي، وبدأت مرحلة تأسيس المدارس والمعاهد والمؤسسات التعليمية والثقافية، وإعداد المناهج باللغة الكردية، وصولاً إلى التعليم العالي وافتتاح الجامعات، وهنا يشير الكاتب والصحفي “ميرخان عمادي” إلى أن التجربة لم تقتصر التعليمية على الكردية وحدها، إذ تبنت الإدارة الذاتية نموذجاً متعدد اللغات، اعتمد الكردية والعربية والسريانية كلغاتٍ رسمية للتعليم، مع إعداد المناهج والوسائل التعليمية بمختلف هذه اللغات في مراحل التعليم الأساسي والثانوي والتعليم العالي والأكاديميات، بما يعكس توجهاً نحو ربط التعليم بالخصوصية اللغوية للشعوب والمناطق، وفي مجال التعليم العالي تم إنشاء مؤسسات جامعية من بينها جامعة الشرق في الرقة، وجامعة كوباني، وجامعة روج آفا في الجزيرة، إلى جانب مراكز أبحاث متخصصة باللغة الكردية والعربية والسريانية، وبذلك تجاوزت قضية اللغة الكردية حدود المطالبة بحق ثقافي، وانتقلت إلى بناء منظومة تعليمية ومؤسساتية متعددة اللغات، فلم تعد الكردية لغة تستخدم داخل المجتمع فقط، وإنما أصبحت لغة للتدريس والبحث والإعلام والمؤسسات الثقافية، إلى جانب العربية والسريانية. كما أصبح مبدأ التعليم باللغة الأم جزءاً من النقاش حول كيفية إدارة التنوع اللغوي والثقافي في المنطقة، وهذه المرحلة شكّلت تحولاً تاريخياً مقارنة بالعقود السابقة، فبعد أن كانت اللغة الكردية بعيدة عن المدارس والمؤسسات الرسمية، أصبحت لها مناهج ومعلمون ومؤسسات تعليمية وإعلامية وجامعية، ولذلك أصبح مستقبل هذا النظام التعليمي أحد الملفات الأساسية في النقاش حول اندماج مؤسسات الإدارة الذاتية مع مؤسسات الحكومة السورية الانتقالية ولا سيما ما يتعلق بالاعتراف بالشهادات والمناهج واستمرار التعليم باللغات المحلية.

المرحلة الانتقالية بين الاعتراف وضمان الحقوق 

وأردف عمادي بأن اللغة الكردية مع المرحلة الانتقالية في سوريا دخلت مرحلة جديدة، ولا سيما بعد اتفاق 29 كانون الثاني، الذي فتح الباب أمام معالجة قضايا المناطق الكردية ضمن إطار سوريا الجديدة، ثم صدور المرسوم رقم 13 الذي أقر بأن الكرد جزء أصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية المتنوعة، واعترف بالكردية لغة وطنية وسمح بتدريسها في المناطق ذات الوجود الكردي، كما شمل المرسوم حماية التراث والفنون واللغة الأم، وإلغاء الإجراءات الاستثنائية المرتبطة بإحصاء عام 1962، والاعتراف بعيد نوروز عطلة رسمية، إلا أن الجدل انتقل سريعاً من مبدأ الاعتراف باللغة الكردية إلى طبيعة هذا الاعتراف وحدوده، فمع صدور التعليمات التنفيذية التي حصرت تدريس الكردية في ثلاث حصص أسبوعياً، وبقاء العربية لغة التعليم الأساسية في معظم المواد، برزت اعتراضات من الأهالي والطلاب والمعلمين، باعتبار أن اللغة الأم لا يمكن أن تتحول إلى مادة محدودة داخل المنهاج، خصوصاً بالنسبة إلى أجيال درست باللغة الكردية منذ عام 2012، وتصاعدت الاحتجاجات خلال أيلول 2026، حيث شارك طلاب و معلمون وأهالٍ في تحركات احتجاجية رفضاً لحصر تعليم اللغة الكردية بثلاث حصص أسبوعياً، ورفع المشاركون مطالب تتعلق بضمان التعليم باللغة الأم وتثبيت الحقوق اللغوية والثقافية في الدستور السوري، وبذلك لم تعد القضية مرتبطة بعدد الحصص فقط، و إنما بمكانة اللغة الكردية داخل النظام التعليمي ومستقبلها القانوني و المؤسساتي، وتتجاوز المطالب بذلك حدود المدرسة إلى الاعتراف الكامل بالكرد كجزء أصيل من سوريا، وباللغة والثقافة والتراث الكردي كجزء من التنوع السوري، فالتعليم باللغة الأم يرتبط بالهوية والذاكرة والتراث، بينما يؤدي تقليص اللغة إلى مادة محدودة إلى إبقاء حضورها في إطار ثقافي ضيق، بدلاً من تحويلها إلى حق مؤسساتي ثابت.

ويرى الكاتب والصحفي “ميرخان عمادي” أن هذه المرحلة تطرح سؤالاً أساسياً حول ما إذا كان الاعتراف بالكردية سيكون اعترافاً رمزياً قابلاً للتغيير بقرارات إدارية، أم حقاً دستورياً يضمن استخدامها في التعليم والثقافة والإدارة والإعلام والحياة العامة، فالمطلب الكردي لا يتعلق بإلغاء اللغة العربية أو فصل التعليم الكردي عن الدولة السورية، وإنما بتثبيت حق التعليم باللغة الأم وحماية الثقافة والتراث والهوية ضمن دولة تعترف بتنوع شعوبها، ومن هذا المنطلق، أصبحت القضية الكردية في المرحلة الانتقالية مرتبطة بمستقبل شكل سوريا نفسها. والسؤال؛ هل ستبنى سوريا الجديدة على الاعتراف بتعدد اللغات والثقافات والشعوب، أم سيبقى نموذج الدولة المركزية أحادية اللغة هو الإطار الناظم للحياة العامة؟ فالمطلوب هو ضمان حق الكرد في التعليم بلغتهم الأم، وحماية ثقافتهم و تراثهم، وتثبيت هذه الحقوق في الدستور بما يمنع عودة سياسات الإقصاء التي عرفتها البلاد في العقود السابقة، وبذلك انتقلت المعركة حول اللغة الكردية من مرحلة الدفاع عن حق الوجود إلى مرحلة الدفاع عن حق الاعتراف والضمان، ومن مجرد السماح باستخدام اللغة إلى المطالبة بأن تصبح حقوقها جزءاً ثابتاً من بنية سوريا الجديدة، وأن يكون الاعتراف بالكرد وبثقافتهم ولغتهم و تراثهم اعترافاً دستورياً ومؤسساتياً لا يتغير بتغير الحكومات والقرارات.

صحيفة روناهي

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top