وما زلنا باعةَ الكذبِ والنفاق

تكبير الصورة

غارسيا ناصح

ليست الأوطان وحدها هي التي تُهزم، بل تُهزم قبل ذلك الضمائر عندما يصبح الكذب عادةً، والنفاق وسيلةً للنجاة، والصمتُ شريكًا في صناعة الظلم. أخطر ما يُصيب المجتمعات ليس الفقر ولا الحروب وحدها، وإنما أن يعتاد الناس التناقض بين ما يقولونه وما يفعلونه، حتى يصبح الصدق غريبًا بينهم.
ما زلنا نُجمّل وجوه الخوف، ونُلبس الخذلان ثياب الحكمة، ونبحث عن أعذارٍ مذهبة لكل موقفٍ فقد فيه الإنسان شجاعته. نرفع أصواتنا في الساحات دفاعًا عن الحق، لكننا نُخفضها حين يحين وقت الموقف الحقيقي. نلعن الظلم أمام الناس، ثم نمدّ أيدينا لمصافحته حين تُغلق الأبواب، وكأن المبادئ تُقال ولا تُعاش.
لقد نسينا أن اليد التي تُربّت على كتف الجلاد، ولو بحجة المصلحة أو الخوف، قد تتحول يومًا إلى سوطٍ جديد يجلد الأبرياء. فالظلم لا يكبر بقوة الظالم وحده، بل بصمت المتفرجين، وبنفاق الذين يعرفون الحقيقة ويختارون دفنها.
كم من شعبٍ أتقن البكاء على أطلال أمجاده، لكنه عجز عن بناء حجرٍ في مستقبل أبنائه. نستحضر أمجاد الماضي كلما عجزنا عن مواجهة الحاضر، ونُخدّر أنفسنا بقصائد البطولة، بينما تُباع الأوطان قطعةً بعد أخرى بثمن الوهم، أو بمصلحةٍ عابرة، أو بشعارٍ أجوف.
إن الأمم لا تنهض بالخطب الرنانة، ولا بالشعارات التي تُصفق لها الجماهير، بل تنهض حين يصبح الصدق ثقافة، والعدل سلوكًا، والضمير أعلى من المصلحة. فالوطن ليس قصيدةً نرددها، بل مسؤولية نحملها كل يوم.
ويبقى السؤال المؤلم: متى نتوقف عن بيع الحقيقة؟ ومتى نكف عن بيع أوطاننا بثمن الوهم؟ فالأمم التي تتاجر بالحق، لا تلبث أن تخسر الحق والوطن معًا.

× Zoomed Image
Scroll to Top