ياسين بقوش وهدى الشعراوي: لِماذا يُسْتَهْدَفُ الفَنّانُ؟

المهندس لؤي أحمد خليل سلمان

الفَنُّ مِنْ أَكْثَرِ المِهَنِ إِرْهاقًا لِأَصْحابِهِ. إِنَّها مِهْنَةُ الصَّبْرِ، حَيْثُ يُجاهِدُ الفَنّانُ سِنِينَ طَوِيلَةً لِلْوُصُولِ إِلَى الشُّهْرَةِ، وَالَّتِي تَعْنِي حَرْفِيًّا الاسْتِحْواذَ عَلَى قُلُوبِ النّاسِ وَوِجْدانِهِمْ، وَعِنْدَها يَتَحَوَّلُ الفَنّانُ صاحِبُ الشُّهْرَةِ إِلَى رَمْزٍ لِجَماعَةٍ، أَوْ مُجْتَمَعٍ، أَوْ حَتّى هُوِيَّةٍ (هُدى الشَّعْراوِيّ أَوْ أُمُّ زَكِيّ الدّايَةُ وَالخَطّابَةُ باتَتْ رَمْزًا لِلْهُوِيَّةِ الدِّمَشْقِيَّةِ فِي وِجْدانِ المُجْتَمَعِ الشّامِيّ).
وَالسُّؤالُ الآنَ: لِماذا يُسْتَهْدَفُ الفَنّانُ دُونَ غَيْرِهِ، لاسيَّما فِي النِّزاعاتِ وَالحُرُوبِ الأَهْلِيَّةِ وَالدُّوَلِ غَيْرِ المُسْتَقِرَّةِ؟
الأَنْظِمَةُ الاسْتِبْدادِيَّةُ تَهُزُّها الكَلِمَةُ أَكْثَرَ مِنَ السِّلاحِ بِعَشَراتِ المَرّاتِ، وَهذا يَشْمَلُ الأَدَبَ وَالصِّحافَةَ وَالفَنَّ وَالإِعْلامَ، وَأَيْضًا العِلْمَ.
وَلَكِنَّ رَمْزِيَّةَ الفَنّانِ تَتَجَسَّدُ فِي سُهُولَةِ مُحاكاةِ العاطِفَةِ وَالوِجْدانِ وَحَتّى العَقْلِ، الأَمْرُ الَّذِي يَجْعَلُ الفَنّانَ قادِرًا عَلَى تَعْبِئَةِ الجُمْهُورِ، أَوْ تَعْرِيَةِ سُلْطَةٍ أَوْ حُكُومَةٍ أَوْ حاكِمٍ، مِنْ خِلالِ أُغْنِيَةٍ، أَوْ مُسَلْسَلٍ، وَحَتّى جُمْلَةٍ أَوْ تَعْبِيرٍ فِي مُسَلْسَلٍ. وَمِنْ هُنا يَأْتِي تَفْسِيرُ حالَةِ اسْتِيعابِ الكُتّابِ وَالإِعْلامِيِّينَ، وَبِالأَخَصِّ الفَنّانِينَ، مِنْ قِبَلِ اسْتِخْباراتِ النِّظامِ الأَسَدِيّ أَوْ مِنْ رُمُوزِ سُلْطَتِهِ.
إِنَّ قَتْلَ فَنّانٍ مَحْبُوبٍ يُعْتَبَرُ رِسالَةً إِلَى المُجْتَمَعِ بِرُمَّتِهِ، عُنْوانُها العَرِيضُ: «لا أَحَدَ مَحْمِيّ». وَالإِسْقاطُ السِّياسِيُّ وَالاجْتِماعِيُّ لِرِسالَةِ القَتْلِ يَكْمُنُ فِي زَرْعِ الخَوْفِ وَالرُّعْبِ وَتَحْطِيمِ الرُّوحِ المَعْنَوِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ، حَيْثُ إِنَّ ضَرْبَ الرَّمْزِ أَسْهَلُ مِنْ ضَرْبِ المُجْتَمَعِ، وَيُحَقِّقُ المَطْلُوبَ.
فِي النِّزاعاتِ الطّائِفِيَّةِ وَالحُرُوبِ الأَهْلِيَّةِ يَكْمُنُ الخَطَرُ الأَعْظَمُ لِلْفَنّانِ دُونَ غَيْرِهِ، مِنْ خِلالِ تَأْثِيرِهِ العَمِيقِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى تَوْحِيدِ جُمْهُورِهِ وَمُتابِعِيهِ مِنْ كافَّةِ الطَّوائِفِ، فِي الوَقْتِ الَّذِي تَعْمَلُ فِيهِ السُّلْطَةُ عَلَى تَفْتِيتِ المُجْتَمَعِ لا عَلَى تَوْحِيدِهِ.
فِي الحُرُوبِ الأَهْلِيَّةِ وَالنِّزاعاتِ الطّائِفِيَّةِ لا يُقْتَلُ الفَنّانُ لِأَنَّهُ غَنّى، أَوْ رَقَصَ، أَوْ مَثَّلَ، وَلَكِنَّهُ بِالتَّأْكِيدِ يُقْتَلُ عِنْدَما يُذَكِّرُ النّاسَ بِأَنَّهُمْ بَشَرٌ، وَهذا أَخْطَرُ ما يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي زَمَنٍ يُرادُ بِهِ لِلنّاسِ أَنْ يَكُونُوا قَبائِلَ وَقُطْعانًا بِلا ضَمائِرَ وَلا إِنْسانِيَّةَ.
ماذا قالَتْ هُدى الشَّعْراوِيّ حَتّى قُتِلَتْ؟
بِرَأْيِي الشَّخْصِيِّ إِنَّ أَخْطَرَ ما قالَتْهُ وَرَدَ فِي مُقابَلَتِها مَعَ رابِعَةَ:
١- مُشارَكَةُ النّاسِ الشَّكْوى مِنْ أَسْعارِ الكَهْرَباءِ.
٢- الأَخْطَرُ قَوْلُها عَنْ رَغِيفِ الخُبْزِ أَنَّهُ كانَ خَطًّا أَحْمَرَ أَيّامَ حافِظِ الأَسَدِ.
بِهَذا الكَلامِ ذَكَّرَتِ الشَّعْراوِيُّ الجُمْهُورَ أَنَّهُمْ بَشَرٌ لا يَسْتَطِيعُونَ العَيْشَ بِلا كَهْرَباءَ، وَالأَخْطَرُ أَنَّها وَحَّدَتِ الطَّوائِفَ حَوْلَ رَغِيفِ الخُبْزِ الَّذِي يُعَبِّرُ عَنِ المَجاعَةِ الرَّهِيبَةِ الَّتِي تَعِيشُها الطَّوائِفُ، الأَمْرُ الَّذِي عَمِلَ عَلَيْهِ حافِظُ الأَسَدِ بِجُهْدٍ جَبّارٍ وَمُتابَعَةٍ حَثِيثَةٍ وَيَوْمِيَّةٍ خِلالَ ثَلاثِينَ عامًا مِنْ حُكْمِهِ المُسْتَبِدِّ، حَيْثُ كانَ يُتابِعُ بِاسْتِمْرارٍ المَخْزُونَ الاسْتِراتِيجِيَّ لِلْقَمْحِ فِي الصَّوامِعِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُحَقِّقَ الاكْتِفاءَ لِلسُّورِيِّينَ مِنَ الخُبْزِ، وَكَذلِكَ التَّدْفِئَةَ، مَعَ مُتابَعَةٍ يَوْمِيَّةٍ لِأَسْعارِ المَوَادِّ الأَساسِيَّةِ، الَّتِي كانَ يَرْفَعُ لائِحَةً يَوْمِيَّةً بِأَسْعارِها اللِّواءُ مُحَمَّدٌ ناصِيفُ عَنْ طَرِيقِ مَنْدُوبِيهِ مِنْ تُجّارِ سُوقِ الهالِ، إِلَى أَبِي سَلِيمَ كُلَّ صَباحٍ، وَكانَ حافِظُ الأَسَدِ غالِبًا ما يَطْلُبُ اسْتِفْساراتٍ حَوْلَ ارْتِفاعِ بَعْضِ أَسْعارِ المَوَادِّ الأَساسِيَّةِ المُسْتَوْرَدَةِ (رُزّ، سُكَّر، شاي).
فِي الحَرْبِ السُّورِيَّةِ: الكَلامُ قَدْ يَقْتُلُ الفَنّانَ، وَالصَّمْتُ يَقْتُلُهُ مَعْنَوِيًّا، وَما بَيْنَهُما شِبْهُ مُسْتَحِيلٍ.
هكَذا قُتِلَ ياسِينُ بَقُّوشٍ فِي المُخَيَّمِ. وَلِذلِكَ اخْتارَ بَعْضُهُمْ صَمْتَ الخَوْفِ مِثْلَ سُلُومِ حَدّادٍ، وَآخَرُونَ صَمْتَ الرِّزْقِ وَالمِهْنَةِ مِثْلَ باسِلِ خَيّاطٍ، وَأَخِيرًا صَمْتَ الإِنْهاكِ وَالتَّعَبِ النَّفْسِيِّ لِأَيْمَنَ زَيْدانَ.
الأَمْثِلَةُ عَنْ قَتْلِ الفَنّانِينَ فِيزْيائِيًّا وَمَعْنَوِيًّا كَثِيرَةٌ فِي وَطَنِنا العَرَبِيِّ.
وَكَأَمْثِلَةٍ عَلَى القَتْلِ المِهْنِيِّ وَالمَعْنَوِيِّ:
دِيالَى صُلْحِي الوادِي، قُتِلَتْ كابِنَةِ رَمْزٍ مَعْرُوفٍ، وَكَرَمْزٍ لِتَرْهِيبِ المُجْتَمَعِ وَإِسْكاتِهِ، عِنْدَما تَذَمَّرَ النّاسُ مِنَ الانْفِلاتِ الأَمْنِيِّ، وَجَرائِمِ السَّرِقَةِ وَالقَتْلِ وَالخَطْفِ.
فَدْوَى سُلَيْمانَ الَّتِي خُوِّنَتْ مِنْ أَهْلِها وَتَنَكَّرَ لَها جُمْهُورُ السّارُوتِ المُجْرِمِ وَالتّافِه.
مَيْ سِكافَ الَّتِي سُجِنَتْ وَقُتِلَتْ مَعْنَوِيًّا وَمِهْنِيًّا، وَانْتَهَتْ فِي المَنافِي، وَأَيْضًا تَنَكَّرَ لَها جُمْهُورُ السّارُوتِ المُجْرِمِ وَالتّافِه.
أَمّا فِي دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ فَالمِثَالُ الأَوْضَحُ عَلَى الاسْتِهْدافِ المَعْنَوِيِّ لِفَنّانٍ عالَمِيٍّ اسْتُهْدِفَ كَرَمْزٍ وَطَنِيٍّ مِنْ قِبَلِ جَمِيعِ الأَطْرافِ فِي الحَرْبِ الأَهْلِيَّةِ اللُّبْنانِيَّةِ، نَذْكُرُ الكَبِيرَ وَالعَظِيمَ زِيادَ الرَّحْبانِيِّ، الَّذِي تَنَوَّعَتِ التُّهَمُ لَهُ مِنْ شُيُوعِيٍّ، إِلَى سُورِيٍّ، إِلَى مُسِيءٍ لِلتُّراثِ، إِلَى خائِنٍ لِطائِفَتِهِ.
وَكَمِثالٍ عَنْ تَهْدِيداتٍ أَمْنِيَّةٍ مِنَ الثَّقافَةِ الحُرَّةِ نَذْكُرُ مَقْتَلَ الشَّهِيدِ لُقْمانَ سَلِيمَ.
01/31/2026

المهندس لؤي أحمد خليل سلمان
صاحب ومدير مركز أرواد للأبحاث السياسية.
أوهايو/ أمريكا

Scroll to Top