يلماز غوني.. نحيي ذكراه باحترام في الذكرى الثانية والأربعين لرحيله

تكبير الصورة

أحمد حسن
يرقد في مقبرة بير لاشيز في باريس. لكن؛ سينماه لم تمُت. لا تزال تسير في طرقات ميزوبوتاميا ذات الحدائق المعلقة، وفي سهوب الأناضول الموحشة، وفي ساحات قرى أفريقيا، وفي متاحف الثقافة والفن في أوروبا، لأن الفنان يموت جسداً، وتبقى الأعمال التي صارت عالمية شاهدة بتاريخها وذاكرتها.

من هو يلماز غوني؟
ولد يلماز بوتون في الأول من نيسان 1937 في ينيجة بأضنة، كان من أصل سوريجي، طفلاً كردياً زازياً، دخل تاريخ السينما بلقب الملك القبيح. ممثل، مخرج، كاتب سيناريو، شاعر، كاتب، لكنه قبل كل شيء كان شاهداً على التاريخ.
دخل السينما عام 1959، ومثل لسنوات في أفلام المغامرات، وبعد عام 1970 كسر المرآة. حوّل كاميرته من القصر إلى الأرض. أوصل صوت ما تحت أرض كردستان والأناضول. في فيلم الأمل جسد عجز عربجي، وفي فيلم القطيع جسد هجرة فقير، وفي فيلم الطريق حمل إلى الشاشة البيضاء ألم الكرد، وفي فيلم الجدار هدم الجدران الأربعة للسجن.
غيّر ذاكرة السينما التركية بالسيناريوهات التي كتبها من خلف جدران السجن، وفي عام 1982 أصبح فيلم الطريق أول فيلم لكاتب سيناريو كردستاني يحصل على السعفة الذهبية من كان. كانت تلك الجائزة صرخة انطلقت من الزنزانة وصدحت في المشهد العالمي.
حياة سياسية حافلة من الزنزانة إلى كان
لم يمسك يلماز غوني الكاميرا فقط، بل وقف في قلب تاريخ المضطهدين. حُكم عليه في الانقلاب العسكري في 12 آذار 1971، وسُجن بتهمة الدعاية. خرج وعاد للكتابة. وفي الفترة التي سبقت انقلاب 12 أيلول 1980 كان معتقلاً أصلاً، هذه المرة في جزيرة إمرالي، وهناك من وراء تلك الجدران ولدت سيناريوهات الطريق والجدار. لم يتمكنوا من كسر قلمه.
وفي تشرين الأول 1981 هرب من سجن إمرالي ونال حريته. كان الهرب أشبه بسيناريو سينمائي. ترك تركيا ولجأ إلى باريس، صار منفياً لكنه كان حراً.
وبعد عام كامل، في أيار 1982، فاز فيلم الطريق بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي. قُدمت الجائزة باسمه بحضور جمهور كبير من محبي الفن الأتراك والكرد والأوروبيين وبتصفيق حار. في تلك الليلة كان التصفيق الذي ارتفع في مسرح كان ليس لفيلم فقط، بل لصوت شعب أُريد إسكاته.
وفي عام 1983 أسس مع جكرخوين ومع مثقفين كرد آخرين معهد باريس الكردي، حوّل المنفى إلى مركز ذاكرة، وقال: “إذا أسكتموني هنا سأتكلم”. سُحبت منه الجنسية. لكن الجنسية لم تستطع أن تتقدم على فنه.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

سينما الذاكرة الكردية
لفهم يلماز غوني لا بد من فهم ميزوبوتاميا، وآلام الشعب الكردي، وسياسات الإبادة والإنكار والاستيعاب الاستعمارية؛ لأن ميزوبوتاميا هي الذاكرة الأولى للإنسانية. كتب السومريون على الألواح الطينية، ونقش الآشوريون على النقوش البارزة، وفي سوريجا عاصمة الشدادين روى الدنبج بالقصة والغناء. في هذه الجغرافيا لم تعش الذاكرة مكتوبة فقط، بل عاشت شفاهية. جاءت دول وذهبت، وسقطت ممالك، لكن بقيت مرثية وملحمة وكلّام حية تتناقلها الأجيال عبر الذاكرة؛ لأن في ميزوبوتاميا كان الفن والشعر والدنبج المؤسسة الوحيدة التي تحفظ التاريخ. كان يلماز غوني من هذا العرق. كتب أيضاً على اللوح الطيني بكاميرته. لكن؛ اللوح هذه المرة كان الشاشة البيضاء.
صوّر الألم الذي قالت الدولة إنه غير موجود، والإنكار، والتهجير، والمقاومة. الهجرة في القطيع، والجبال في الطريق، والصرخة في الجدار. كلها كانت الصورة الحديثة لذاكرة ميزوبوتاميا الممتدة لعشرات آلاف السنين. لذلك؛ لم يكن غوني مخرجاً محلياً. كان فناناً كبيراً ودنبجياً عظيماً نقل التراث الشفاهي لميزوبوتاميا إلى السينما.

بلسانه هو كردي مستوعب
في مقابلة في باريس سألوه: متى أدركت إنك كردي؟ وكان جوابه اعترافاً: “أنا مضطر أن أقول إني كردي مستوعب، كانت أمي كردية، وأبي كردي زازا، طوال طفولتي كانت الكردية والزازاكية هي اللغة التي تُتكلم في بيتنا. تكلمت الكردية حتى سن الخامسة عشرة، ثم انقطعت عن أهلي. في تلك الفترات كنت أسمع كلاماً من نوع لا يوجد كرد ولا توجد لغة كردية، لكن كنت أسمع أيضاً أناساً يتكلمون الكردية ويغنون، وكنت أرى أن الكرد يعيشون في ظروف صعبة جداً. أبي من سوريجا، ورأيت سوريجا لأول مرة وأنا في السادسة عشرة، حينها فهمت ما أنا عليه. تعلمت معاناة عائلة اقتلعت من جذورها، وقال لي أبي: لقد اقتلعت من جذورك، وفي الرابعة والثلاثين تمكنت من رؤية موش مسقط رأس أمي وعشيرة جبران، فيلم القطيع هو قصة ما حدث لهذه العشيرة”.
هنا تبدأ سينما غوني، في ألم الاقتلاع من الجذور؛ لم يكن غوني مجرد ممثل كسر قوالب يشيل تشام بلقب الملك القبيح، كان أيضاً راوياً شجاعاً. توفي بتاريخ التاسع من أيلول عام 1984م.

صحيفة روناهي

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top