الأربعاء, فبراير 28, 2024
منبر التيارات السياسية (بيانات)

100 عام على معاهدة الغدر

مجلة الحوار – العدد /81/ – السنة 30- تموز 2023م

تم طي صفحة مئة سنة على التوقيع على معاهدة لوزان يوم 24 تموز 2023. وهي المعاهدة التي صاغت النظامَ السياسي لمنطقة الشرق الأوسط. ورسمتْ حدودَ دولها المعاصرة. وقد شكلتْ معاهدة لوزان خاتمةً وبلورةً لجملةٍ من الأفكار، ولسلسلةٍ من الاتفاقيات، وكانت تتويجاً لها جميعاً. ففي سنة 1918 تمَّ التوقيعُ على هدنة مودروس، التي استسلمت بموجبها الحكومة العثمانيةُ للقوات المتحالفة المنتصرة عليها في الحرب العالمية الأولى، واحتلّتْ إثرَها العاصمةَ إستانبول. وبعد أشهرٍ طويلةٍ من مفاوضات السلام في باريس، تمَّ التوقيعُ على معاهدة سيفر في 10 آب 1920، بحضور الوفد الكوردي برئاسة شريف باشا. حيث تمَّ تثبيتُ الحقوق الأساسية لشعوب المنطقة في معاهدة سيفر، وخاصةً حقُّ تقريرِ المصير السياسي بما فيه الاستقلال لجميع الشعوب غير الناطقة باللغة التركية. تلك التي كانت تخضعُ لسلطة العثمانيين. كما أقرَّ المؤتمرُ بتقسيم السلطنة العثمانية بين الأمم المكونة لها. ومن ضمنها الأمة الكوردية، الذي منح نُخبَه وزعاماتِه مهلة ستة أشهرٍ لإجراء استفتاءٍ بإشراف عصبة الأمم في كل مناطق ايالة كوردستان العثمانية، وخاصة ولايات شرق نهر الفرات. لكن سرعان ما رفضت السلطات القومية التركية الصاعدة تطبيق بنود معاهدة سيفر. فأعادتْ تنظيمَ صفوفِ قواتها، انسحبت القيادة القومية التركية الجديدة الى شرق الأناضول، واتخذت من المجلس التركي مشروعيةً وغطاءً لقيادة تركيا من مناطق كوردستان، وخاصةً (سيواس). ثم استقوتْ بالكورد ووعدتْهم بكافة الحقوق القومية وطالبتهم بالتضامن الإسلامي. مما دفعَ بأغلبية الكورد للوقوف معهم لصد قوات الاحتلال لدول الحلفاء. ثم ماطلتْ هذه الحكومة بقيادة مصطفى كمال، وناورتْ مع كل الأطراف الموقعة على اتفاقية سيفر. ثم خاضتْ هذه الحكومة التركية الخارجة عن سلطة السلطان العثماني انطلاقاً من سيواس حرباً مع قوات الحلفاء واليونانيين. وحققتْ انتصاراتٍ على الأرض، حتى فرضتْ شروطاً جديدةً. فكانت اتفاقية لوزان عملياً طياً لصفحة اتفاقية سيفر. وتمَّ التوقيعُ عليها في مدينة لوزان السويسرية بتاريخ 24/7/ 1923. مررتْ عبرها صفقةً استعماريةً كبرى في الشرق الأوسط، خرجتْ أغلبُ الأطرافٍ منها منتصرةً، أو قد حصلت على قسم من الغنيمة العثمانية إلا الكورد كانوا الخاسرين الأول والأخير في هذه المعاهدة – الصفقة.

فإذا كانت لوزان عند بعض الشعوب تحقيقاً للحقوق وانجازاً سياسياً، وبداية مسيرة بناء الدولة. فإنها شكلتْ لدى الكورد بدايةَ تقسيم بلادِهم (ايالة كوردستان العثمانية) بين ثلاث دولٍ: تركيا العراق، وسوريا. لقد دشنتْ معاهدة لوزان لمرحلة المجازر وحروب الإبادة ضد المجتمعات الكوردية. وقمعَ الأتراكُ، وغالبيةُ الدولِ الموقعة على لوزان والمتعاونة معها انتفاضاتِ الكورد، وثوراتهم الرافضةِ لتقسيم بلدهم واستمرار الحكم التركي فيها. لقد تمَّ قمعُ انتفاضة الشيخ محمود البرزنجي 1924، وثورة الشيخ سعيد بيران 1925. وثورة آرارات الكبرى (1927 -1930). وثورة ديرسم (1937- 1938) بوحشيةٍ بالغةٍ. حتى كانت حصيلةُ قمعِ هذه الثوراتِ، وما تلتْها من انتفاضات معاصرةٍ في كوردستان العراق، أكثر من ثلاثة ملايين من الضحايا، وتهجير ثلث سكان كوردستان منها. إضافة الى تدمير أو اخلاء ما يقارب عشرة آلاف قرية، بما فيها التي دمرت في مرحلة حكم البعث في العراق.

لذلك، تُعَدُّ هذه المعاهدةُ بالنسبة للكورد بدايةَ عصرِ المجازر والقتلِ والتشريدِ، والتنكر لأبسط حقوق الانسان، وحقِّ الشعوبِ في تقرير مصيرها السياسي. كانتْ لوزان وستظلُّ معاهدةَ الغدرِ بحق الأمة الكوردية وستظلُّ ذكرى مرورها يوماً قاتماً وحزيناً في تاريخ هذا الشعب المظلوم. حتى وصفَها المؤرخون: “بأنها معاهدةُ غيرُ أخلاقيةٍ وقد كُتبتْ بيد الشيطان”!

تطلبت هذه الذكرى الحزينةُ التوقفَ عندها مطولاً، وقد خصصْنا جُلَّ هذا العددِ لدراستها، في سرديتين مسهبتين. سلَّطْنا فيهما الضوءَ على جوانبَ خفيةٍ من تلك المعاهدة، كما سَعيْنا للتذكير بالنظام الإقليمي السياسي الجائر، وغير الإنساني المعادي لحقوق الانسان والشعوب، هذا النظام غير الجدير بالاحترام، الذي مازال يسودُ المنطقة، ويتنكّرُ لحقوق الأفراد والجماعات فيها. وكما اعتدنا في مجلة الحوار فإننا سوف نستمرُّ في الوقوف إلى جانب المضطهَدين وتسليطَ الضوءِ على كل ما هو معادٍ للمجتمعات وحريات الشعوبِ، وسنغردُ لكل ما هو انسانيٌّ، لكل ما هو داعمٌ لحقِّ المجتمعاتِ في الحرية والكرامة والتعليمِ والسيادةِ.

أسرة التحرير