د.
آبوري قاسملو
قيل:
"إذا وقعت واقعة كبرى لا تبكي…. لا
تضحك… بل فكر". وما يحدث
الآن
في سورية هو واقعة كبرى تستحق التفكير لاستخلاص الدروس والعبر
والخروج
من التاريخ الدائري الذي عشنا فيه لفترة طويلة. إن الحالة
السورية
تستحق طرح أسئلة كثيرة, لكن أهم هذه الأسئلة هو لماذا وصلنا إلى
ما
نحن عليه الآن في سورية؟
وهذه
المادة لا تستهدف إجابة سهلة واتهام النظام أو الحكام على الرغم من
مسؤوليتهم
الكاملة, بل يحاول البحث في أعماق الأسباب التي أدت بنا إلى ما
نحن
عليه . هناك مقولة إسلامية تفيد بأنه : "كما تكونون يولى عليكم" ,
وهذا
يدفعني للتساؤل حول من يتحمل مسؤولية سيطرة الحكم الحالي في سورية
مدة
خمسين عاماً عجافاً في أغلبها؟ هل يتحملها البعث وما أفرزه من
تلوينات
الحكم أم للأمر جوانب أخرى.
إذا
عدنا بالتاريخ إلى سورية أوائل الستينات وتساءلنا عن الحالة العامة
للمزاج
الفكري والسياسي للشارع السوري, سنجد أن كان هناك سيطرة شبه كاملة
للفكر
الشمولي الإقصائي بتلويناته المختلفة. لقد كان هناك اليسار الشمولي
الذي
يحاول تلوين المجتمع بلون واحد والتيار الإسلامي الشمولي الباحث عن
فرض
لونه على المجتمع والتيار القومي العربي الذي يحاول صهر المجتمع
السوري
في بوتقة القومية العربية, مع وجود تلوينات ثانوية أخرى لن نتطرق
لها
, المشترك بين هذه التيارات الرئيسية هو إقصاء المختلف والقضاء عليه
رمزياً
أو مادياً.
لقد
تميزت المدارس الفكرية الشمولية وتعبيراتها السياسية والتنظيمية بشكل
عام
بأنها كان تقصي المدارس المختلفة عنها, ومن ثم تقوم التنويعات ضمن
هذه
المدارس بإقصاء بعضها بعضا, ومن ثم تقوم الفئات ضمن هذه التنويعات
بتصفية
بعضها البعض, وتستمر دائرة الإقصاء في التضيق حتى نصل إلى الفرد
الحاكم
الإله الذي على الجموع السجود له تحت طائلة
التصفية الفكرية أو
المادية.
إن
هذا المسار ينطبق على مسيرة البعث في حكم سورية التي أوصلتنا إلى ما
نحن
عليه, لكن لو أن الأخوان المسلمون أو أحد التنظيمات اليسارية استلمت
الحكم
في سورية, هل كانت ستنتج نتائج أفضل ؟ اعتقد أن مجرد وجود فكرة
الإقصاء
لأي من مكونات المجتمع لدى تيار فكر أو سياسي معين يعني محاولة
فرض
لون محدد على المجتمع , وهذا يعني الوقوع في مطب الشمولية والإقصاء,
وهذا
سيستدعي سلسلة الإقصاء بدءاً من إقصاء الآخرين خارج التيار ومن ثم
تصفية
المختلفين داخل التيار وصولاً للحاكم الإله الفرد.
ويمكن
لأي مراقب للحركة السياسية في سورية, الموالية منها (عدا حزب
البعث)
والمعارضة, أن يلاحظ أنها اتبعت هذا المسار, وإن كان على نطاق ضيق
يتناسق
مع عدم استلامها للحكم . فمعظم الأحزاب يتربع على عرشها أشخاص مر
عليهم
عقود من الزمن, أو أنهم من أبناء وأحفاد من استلم قيادة هذه
الأحزاب,
وقد حافظوا على هذه المواقع ضمن سياق سلسلة طويلة من الإقصاءات.
ترى
لو استلم أي من هذه الأحزاب حكم سورية هل كانت ستحقق نتائج أفضل؟
وإجابتي
هي أنه حتى لو افترضنا في أحسن الأحوال أنها
كان يمكن أن تحقق
اختلافاً
ما فهو في الدرجة وليس النوع.
لذلك
اعتقد أن الخطوة الأولى كي لا تتكرر أخطاء الماضي, وكي نبني سورية
أفضل,
هي القطيعة مع الشمولية والإقصائية. وهذا يعني الاعتراف بكافة
مكونات
المجتمع السوري وإعطائها فرص متكافئة في المساهمة في الشأن العام
للبلد
, ومنحها حقوق وواجبات متساوية. أي أنه يجب تخليص سورية من الرسائل
الكبرى
والمشروعات الكبرى والاعتراف بأن من يعيش في سورية بشر "بشريون "
لهم
حاجات وتطلعات مثل باقي البشر, ويجب أن يتم بناء بلد يلبي حاجاتهم
تطلعاتهم
البشرية أولاً.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






