ترى ما حالك أيها
النهر ؟
وخريرك العذب الناعم قِبلةُ
آذان العشاق وملجأُ المحبين منذ الأزل يستحيل اليوم إلى سيمفونية تراجيدية تبكي
القلوب وتغم الأفئدة . تتدحرج وتئن ألماً ومضضاً لما آلت إليه حالك وأنت تشق طريقك
بين البساتين وحقول الفستق والزيتون من لبنان إلى حمص وتمر بالرستن فحماة فإدلب
قبل أن تدخل الأراضي التركية لتتنفس الصعداء وتنفض عن كاهلك ما علق بك من الأحزان
والمآسي , وتستريح آذانك من أزيز الرصاص ودوي المدافع وترتاح عيونك من منظر الدم وأشلاء
القتلى .
وترفدك في مسيرك في
الوطن الجريح ينابيع الدموع المتدفقة من عيون الثكالى والأرامل والأيتام وتخضبك
دماء أبنائك على ضفتيك على طول مسيرك المتعرج بين الجبال والتلال وفي السهول .
منذ ستة آلاف سنة
وأنت تسترق السمع على أنين النواعير وما توحيه في أذهان الشعراء والكتاب والملحنين
من قصائد وأغنيات وقصص وروايات لا حصر لها , فبالأمس القريب كان عشيقك معن الدندشي
وعلى أنغام خرير مياهك يطرب الملأ بصوت عوده ويقول :
سمعت عنين
الناعورة وعنينا شغل بالي
هي عنينا عالمية وانا عنيني عالغالي
أوف يابا
كان أنين الناعورة
على الماء وأنين الدندشي على حبيبه الغالي .
واليوم على ماذا
أنينك أنت ؟
على أطفال ينتظرون
آباءهم ليحضروا لهم لباس الشتاء بعد أن حل البرد زمهريراً ؟ … وما جاؤوا
أم على صغار ينطرون دروب
والديهم ليجلبوا لهم حقائب مدرسية وأقلام رصاص وبرايات وألعاب ؟ … وما جلبوا
أم على أمهات يندبن
فلذات أكبادهن في نواح استمر في ازدياد وازدياد ؟
أم على حسناوات نجلاوات
العينين على جنبيك يسهرن الليل في انتظار بريق خبر من فرسان أحلامهن ؟ ….. ولم
يأت الخبر
أم على شباب حالم
ينتهى به الحلم إلى غياهب الزنازين السوداء أو ألحاد القبور المعتمة ؟
أم على الدم المسفوك
المراق على كل شبر من ضفتيك في تدفق لم يعد المرء قادراً على حسابه لغزارته ؟
ما لمائك يسير أحمر يا
عاصي؟
أهي آية موسى لفرعون
؟
أم غضب فرعون على
الأبرياء المسالمين وذبحهم ؟
أوف يابا .
لعله القدر أراد أن
يحرمك من أنيسك معن دندشي قبل أن تبدأ مصيبتك ويحل محل أنسه ونجواه صدى الموت
الكئيب المنبعث من فوهات البنادق والدبابات وصوت أنين الجرحى وعويل الأمهات وصراخ
الأطفال يبكون أهليهم بعدما غزاهم جيش هولاكو وأحرق كل حيِّ .
أوف يابا
ابك أنت على مائك
لأبكي أنا على وطن مستباح دم إنسانه ومسترخص عرض نسائه ومنهوب مال أبنائه ومسروق
مجد أجداده .
ابك أنت على ناعورتك
لأبكي أنا على أيتام يئنون جوعاً وألماً وبرداً وما من معيل ولا معين إلا الله .
أوف يابا
نحْ يا نهر فإن أنينك
عذب على مسامع العذارى اللواتي كن ينتظرن زفافهن إلى عرائسهن
فزففن عرائسهن في
أكفان إلى قبورهم في هذا الشتاء ذي البرد القارس .
نح فإني أكاد أسمع
أنينك من هنا
أنت الثكلان بأبنائك
يؤجج أنين النواعير
لهيب الأسى في قلبك
وأنا تؤجج أنغام معن لهيب الأسى في قلبي وهو يدندن على أوتار عوده ويقول :
يا طير سلملي ع سورية
ع ألب ودعتو بأراضيّا
بلادي الحنوني كل ما
صليّت
بطلب ياربي تضل حاميا
سلّم ع حمص وبرج
صافيتا
ع ألعة الحصن ومرمريتا
وع دير الزور
وعالقامشلي
وعلى
مية الحمّي وعلى جبلي
أيها الجاري وسط
الركام والخراب والدمار :
أما اشتقت لحبيبك إبراهيم
قاشوش ؟ يا الشاهد على قتله وقطع حنجرته . أما اشتقت إلى صوته وهو يملأ ضفتيك بهسيس
الثورة يتقدم أسراب الشهداء الأحياء ويلقنهم قائلا : سوريا بدها . ويرد عليه الجمع
: حرية .
قتلوه وما قتلوا صوته
وسيظل يشدو بالحرية حتى تتحقق , وبالكرامة حتى تعود , وبالسلام حتى يسود وبالعدل حتى يحل .
مأساتك كبيرة أيها
الكبير وأوجاعك قاسية . وهمك عظيم تنوء بحمله شامخات الجبال .
يا من تلقى من
المصائب والرزايا ما لم تلقه مذ أن رسم الله واديك في قلب هذا البلد الجميل , ومذ
أن زرع الله حبك في قلوب الناس وحب الناس في قلبك .
هون عليك أيها الحزين
وإليك ما قاله الإمام الشافعي عزاءً لمصابك الجلل :
ولرب نازلة يضيق لها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






