هوشنك أوسي
حين تكون الإضاءة خافتة، تبدو
ظلال الأشياء، أضعاف أحجامها الحقيقيّة. وحين يتم تسليط الضوء بشدّة، أو بجرعات،
تعود الظلال لمقاس واحجام أصحابها. ولكن الصاحب، لأنّه اعتاد على الاضاءة الخافتة،
وبل منع تسليط الضوء بقوّة (النقد) عليه، لذا، ربما لا يريد تصديق حجمه الطبيعي،
لكونه اعتاد طيلة سنين على الضوء الخافت، فتشكّلت لديه قناعة _ وهم، لا يريد
التخلّي عنها، معتبراً الحقيقة وهماً، والوهم حقيقة.
هكذا مسلك، نجد له تعبيراً
باذخاً عنه نفسه في الحراك السياسي الكردي. وذلك حين تجيش قرائح البعض في مدح
الذات السياسيّة، الحزبويّة، الايديولوجيّة، من نفس القاموس، وبنفس الدباجات، وعلى
نفس المنوال والعادة: (نحن كذا وكذا، والآخرون كذا وكذا!، وإذا تنحنحنا، قلِبنا
البحرَ صحراء!. نحن المخلصون للقضيّة والقوميّة والوطنيّة والشعب والشهداء…،
والآخرون، هم المتخاذلون والجبناء وباعة الضمائر والخونة والمارقون والمضللون!).
هذه النغمة أو العادة، على إثارتها للسأم والقرف، فأنها تخلو من الغرابة. ذلك اننا
اعتدنا عليها.
من حق البعض، التضخيم والتفخيم
من أداء حزبه، ومدى ولاء الشعب له. ومن حقّه ان يستدّل على ذلك باحتفالات نوروز.
ومن حقّه ان يتجاهل دور وتأثير ما يمكن تسميته بـ"حزب باقي طيار"
و"حزب الفنانين ديار وسرحدو"، أو بتعبير أدقّ؛ حزب الفن والمسرح، الذي
لا يمكن احصاء المنتمين اليه، في تلك الاحتفالات!. ذلك ان المنتمين لهذا الحزب، من
كل المشارب والاتجاهات السياسيّة. وحتّى الذين لا علاقة لهم بالسياسة والحزبيّة،
هو منتمون لحزب الفنّ والمسرح الكوميدي. والدليل على ذلك، إذا صادف موعد ندوة
سياسيّة حزبيّة للاساتذة صالح مسلم أو عبدالحميد درويش او عبدالحكيم بشّار…الخ،
مع موعد عرض مسرحي كوميدي لفرقة بافي طيار، بالتأكيد، ان عدد الحاضرين لمشاهدة
العرض المسرحي، سيكون اكبر، وبل اضعاف من يحضر الندوة او المحاضرة السياسيّة لهذا
الزعيم الحزبي او ذلك!. زد على هذا ان شعبيّة بافي طيار والفنان ديار، تتجاوز كرد
سورية، الى الكرد في اجزاء كردستان الاربع والمهجر!.
وبالتالي، لو كان هذان
الفنانان، ضيفان على مسرح أي حزب كردي سوري صغير، لاستطاع هذا الحزب، استقطاب
عشرات الالوف حول فرقته الفنيّة النوروزيّة. وسيعرف هذا الحزب ان هذه الشعبيّة، هي
ليست شعبيّته الحقيقيّة، بل شعبيّة بافي طيار والفنان ديار. بالتالي، لا يمكن في
السياسة، لا تبتنى القراءات الثابتة على الظواهر المؤقّتة. زد على ذلك أنه في
السياسة، لا قراءة ثابتة، لكونها عالم المتغيّرات.
خرج شعبنا الكردستاني، كعادته،
للاحتفال بعيد النوروز في شمال كردستان، رغم منع الحكومة التركيّة ومضايقاتها،
وحالة الحرب التي تعيشها تركيا، والاشتباكات الحاصلة بين الثوّار الكرد والجنود
الاتراك. خرج الكرد بالملايين، لأن حزب العمال اراد ذلك. ولو قال: لا تخرجوا، فلن
يخرجوا.
وفي ايران، لم يخرج الكرد.
فسّر البعض عدم خروجهم للاحتفال، بمنع النظام الايراني، خشية ان تتحوّل الاحتفالات
الى مظاهرات مناوئة للنظام. وهذا صحيح. ولكن، لماذا لم يدفع العمال الكردستاني
الشعب للخروج للاحتفال بنوروز في ايران، كما تجري الحال في شمال كردستان وتركيا!؟.
فالكردستاني، يمتلك ذراع عسكريّة وسياسيّة
ضاربة بين كرد ايران!. لماذا لم يعارض الكردستاني، مشيئة النظام الايراني،
وتحدّاها، كما يتحدّى الحكومة التركيّة وقرارها ومشيئتها؟!. زد على ذلك ان القصف
المدفعي الايراني على جبال قنديل، قد توقّف نهائيّاً!. ألاّ يستحقّ ذلك من البعض،
أيّ تساؤل!؟
في مطالع الثورة السوريّة،
وحين كان حزب الاتحاد الديمقراطي وإعلامه، يركّز على النظام، ويكثّف من البرامج
التلفزيونيّة المناهضة للنظام، كان القصف الايراني يشتدّ على جبال قنديل. وقتها،
كتبت في مقال: "دمشق التي تقصف جبال قنديل وليست طهران". وقلت ذلك
مراراً، على شاشة "روج تي في"
حينئذ!. مقصد القول: إذا اراد الاتحاد الديمقراطي الانخراط في الثورة، بشكل جدّي
وعملي، فهو يعرف ان الردّ، أو الضريبة، سيدفعها العمال الكردستاني، عبر القصف
الايراني لمعاقله.
ولم يعد خافياً أن العمال
الكردستاني في حالة هدنة، إن لم نقل صفقة، مع النظام الايراني. وهذه الهدنة،
بالتأكيد، لها علاقة بما يجري في سورية. وإذا اراد الكردستاني، الضغط على طهران
ودمشق، وبقوّة، بإمكانه ذلك. لكنه لن يفعلها. ليس لأنه توصّل الى تفاهمات او
اتفاقات مع نظام الاسد، كما يروّج البعض، بل لأنه لا يريد ان يزجّ بقوّته
العسكريّة ضد طهران ودمشق، ويصبح ضعيفاً امام تركيا. وكي يبقى الكردستاني قوّياً
امام تركيا، فسيكون ذلك من كيس غرب كردستان. وهذه هي خلفيّة تهديدات السيّد مراد
قره ايلان لأنقرة، وأنه سيشعلها حرباً على تركيا، في حال دخل جيشها الى سورية.
وبتقدير الكثير من المراقبين، ان العمال الكردستاني، يريد استثمار الازمة السوريّة
وغرب كردستان، لأقصى الحدود، ضد تركيا، حتّى لو اضطره ذلك لأن يجعل غرب كردستان
ساحة حرب ضدّ أنقرة، كما يفعل في المناطق الحدوديّة العراقيّة _ التركيّة. وعليه،
غرب كردستان، مرشّحة لأن تكون ساحة عسكريّة للعمال الكردستاني لتصفية الحساب مع
تركيا. تماماً، كما فعل النظامان الايراني والسوري، حين جعلا العراق ولبنان، ساحتي
حرب ضدّ أمريكا. وهذه الاحتمالات، تضع القوى السياسيّة الكرديّة السوريّة، امام
مسؤوليّات وتحدّيات جد مصيريّة وخطيرة، وللتحوّط لكل الاحتمالات، والحؤول دونها،
درءاً بالقضيّة الكرديّة السوريّة عن الاستثمارات الكردستانيّة القاسية.
كاتب كردي سوري
Shengo76@hotmail.com
25/03/2012
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






