اصرار المجموعات المعارضة العروبية، والتيارات السياسية
الإسلامية، في الحفاظ على النظام المركزي لسوريا القادمة، وتدوين الدستور على اساسه،
سيوجهها إلى شبه انقسام " أشلاء " حسب الترجمة المجازية الخرقاء لكاتب
في موقع إيلاف. لا شك أن المجتمع السوري، موزاييك متنوع، والكل فيه يدرك أبعاده، القناعات
لدى الأغلبية تجاوزت حدود الثقة بالآخر وبالسلطة المركزية، فلا بديل عن تكوين وطن موحد،
برغبة، وبدون إرضاخ، والنظام الفيدرالي، هو
الضمان الوحيد لكل مجموعة في بناء منطقته.
تيارات الأضداد تنوعت، والتناقضات التي خلقتها
السلطة السورية على مدى نصف قرن من الزمن، أصبحت تبان في العديد من زوايا الوطن
السوري، الصراعات الإثنية والمذهبية، لم يعد خافياً على سوري ولا على الهيئات
الدولية، وهذا ماكانت ولا تزال تعمل عليه السلطة وحزب البعث، جرفوا الثورة السورية
إلى صراع طائفي، اثني، ومن مسيرات شبابية سلمية إلى صراع مسلح. اضطرت مجموعات على
حمل السلاح لتدافع عن الشعب المسالم، من جرائم الشبيحة الذين حولوا إلى مليشيات، هؤلاء
الذين اصبحوا يقتلون من الشعب على الهوية، تحت حجة الدفاع عن طائفتهم العلوية.
هذه المسيرة سوف تتفاقم إذا لم تتداركها قوى
المعارضة، والدول العربية والخارجية، وإذا لم تتمكن من إقناع العلويين، والمسيحيين،
وتقدم ضمانات مؤكدة لهم، ليتخلوا عن مساندة السلطة المافوية، وأولها هي أن السلطة
السورية القادمة ستكون سلطة لا مركزية، شرعيتها ستكون دستورية قانونية على المناطق
الفيدرالية، وستكون لكل مجموعة ذاتيتها،
ومنطقتها المحمية، تحت سقف وطن واحد بقناعة من الجميع، وليس بالإكراه
والمركزية والطغيان.
العلويون، أغلبهم بحاجة لضمانات تؤمن سلامتهم،
رغم سيطرتهم على السلطة منذ نصف قرن، بعد الهوة السحيقة التي وضعتهم فيها السلطة
السورية الحالية، كأقلية، نهبت الوطن، وخلفت مجازر وراء مجازر، سيطروا وبعنجهية
على جميع مفاصل الوطن، وعبثوا بمدارك الشعب بدون رادع إنساني، أوضمير يحس، والآن
يواجهون الحقيقة أمام الشعب السوري، ويدركون ما آلوا إليه من المصائب. لذلك فهم
سيصارعون إلى أخر رمق للبقاء على رأس السلطة، أو أنهم سيبحثون عن أستقلالية ما!.
السلطة مع مجموعة متنفذة في داخل المنطقة العلوية، تكونت لديهما قناعة، أن السلطة
زائلة لا محالة، لذلك تجهزان الأغلبية، بمعظم مستلزمات هذه النزعة، بدءاً من
المليشيات المدربة، إلى الأسلحة والتنظيم الإداري، والدعم الخارجي، ولم تكن
الكميات الهائلة من الأسلحة التي نقلت من أيران إلى ميناء طرطوس وفي هذه الفترة،
والناقلة الروسية الأخيرة التي أفرغت داخل المنطقة العلوية، سوى اثبات على نقل هذه
الفكرة إلى الواقع العملي. مواجهة الحقيقة ستؤدي بالشعب السوري للوصول إلى الحل
الأمثل، وتمويهها ستزيد من تعميق المأساة.
الكرد، هم الشعب الذي عانى على مدى أكثر من
نصف قرن من مظالم دكتاتوريات السلطات المركزية، عمليات التدمير الإقتصادي للمنطقة
الكردية، والإقصاء المتعمد للشعب الكردي عن المجتمع السوري، والتهجير المخطط لهم
من خارج مناطقهم إلى داخل الوطن أو خارج سوريا، وخاصة الشريحة المثقفة، عمليات
التعريب المستمرة بكل جوانبها، ومن ثم التعتيم الثقافي القومي والوطني على
المنطقة، وبشكل عام التهميش والإهمال المطبقان بحقها، إقتصادياً، وإجتماعياً،
وثقافياً. الأفظع مما سبق، محاولات إذابة الشعب الكردي، بالقضاء على جغرافيته وتشويه
تاريخه. كل هذا جرفه إلى نقطة اللاعودة، وهي انعدام الثقة بالسلطة المركزية،
السلطة التي جرفت بحركتهم السياسية إلى ضحالة التشتت والإنشقاقات المتواصلة،
وجعلتها ألعوبة في أروقة الدولة تسيرها كما تشاء. ولم تكن ردة الفعل سهلة، فلم يكن
الحراك الكردي قادراً على أخذ قرار صريح وواضح يعكس فيه رغبة الشعب، فكان ردة
الفعل الصريحة من الحراك الكردي في المهجر، وأول مواجهة كانت من قبل المجلس الوطني الكردستاني – سوريا في
2006 في مؤتمر بروكسل، اثبتوا على أن النظام الذي سيكون مقبولا، لبقاء سوريا كوطن
موحد للجميع وبرغبة طوعية هو النظام اللامركزي أي الفيدرالي وذلك بعد أسقاط السلطة
المركزية الحالية والغاء النظام الموجود بكليته. واليوم، أغلبية الحركة السياسية
ومعهم الشعب الكردي، يطالبون بالنظام الفيدرالي لسوريا القادمة، ويؤكدون على أنه
النظام الأمثل للحفاظ على استمرارية الثقة بين السلطة القادمة والشعب الكردي.
الدروز، الطائفة التي لم تعد تثق بأية طائفة أخرى،
وفي مقدمتهم التيار الإسلامي الراديكالي، وحتى العلوي. الأسباب عديدة ومتنوعة،
أولها التهميش المتعدد الجوانب بمنطقتهم، وبهم كأقلية مذهبية مختلفة.
المسيحيون، تخوفهم متنوع الجوانب، أهمها من
التيارات الإسلامية الراديكالية، ومن سلطة مركزية تنزع إلى دستور ديني إسلامي.
مفاهيم الوحدة الوطنية، تعتمد على ركيزة الوحدة
بالإقتناع، من خلال البناء الفيدرالي للمناطق الاثنية أو المذهبية في سوريا. وللأسف،
العديد من القوى المعارضة للنظام الفيدرالي في سوريا ينطلق من منطق عدم إدراك
الأبعاد التي تعتمد عليها هذا النظام، بعد نقاشات عديدة مع شريحة واسعة معظمهم من
الطبقة المثقفة السورية، تبين أن أغلبهم غير مطلعين على دستورية النظام، ولهم جهل
واسع به، وكل ما أجتمع لديهم من فهم حوله، هو أنها خطوة تسبق الإنقسام الكلي عن جسم الوطن، كما وأن
أكثر المعارضين هم الذين يجهلون النظام الفيدرالي السياسي والإقتصادي، ونوعية
الدستور الفيدرالي، كلما ازدادت المعرفة به، تراجع الإعترض عليه.
لا بديل عن النظام الفيدرالي لإنقاذ سوريا من المستنقع
الذي جرفته إليه السلطة الحالية، وهي حقيقة يجب أن يواجهها الشعب بكل مصداقية، وإلا
فالأروقة القادمة ستكون أظلم، والصراع الاثني والمذهبي سيبقى مستمراً، وستؤدي إلى حرب
أهلية واضحة معالمها الآن، الأقلية العلوية ستبقى تصارع من أجل البقاء، والكرد سيناضلون
كالعهود الماضية وربما بشكل أوسع للحصول على حقوقهم القومية، والتي سوف لن يتنازلوا
عنها، حتى ولو أدت بهم إلى عهود أخرى من الصراع، فكل الوثائق الوطنية التي تتلاعب بها
تيارات المعارضة المتنوعة الأهواء والنزعات الثقافية سوف لن تكون ضمانة وطنية في
وجود سلطة مركزية تملك القوة على إزالتها عند أو اختلاف سياسي. الأقليات والمذاهب الأخرى،
سوف لن تشعر بأمان بوجود سلطة مركزية، ربما يتسلط عليها تيار سياسي اسلامي سني
راديكالي " رغم هشاشتها في الواقع السياسي السوري " عندها عمليات التهميش والإهمال المتعمد قد
يجرفهم إلى صراع سياسي مؤلم. لا شك أن هذه المسيرة السياسية هي من ضمن مراحل
الثورة الأولى والتي سوف لن تنتهي إلا بعد تغيير كامل لكل مخلفات النظام الموجود
حالياً.
د. محمود عباس
الولايات
المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






