في التيه … ومأساة قمو ديني
وليد حاج عبد القادر
القسم الثالث
كانت الليلة بتباشيرها تشي منذ بدايتها بأنّها ستكون ليلة صعبة وقاسية ، حيث تجمعت في الأفق كتل غيوم سوداء داكنة ، وأضفى عليها سواد الليل مزيدا من القتامة ، والهواء يلفح في الجو هبوطا وعلوّا ، فيبدو كمن يلسع بسوطه لسعا ، فترى الأغصان العارية وإن كانت حبلى بأصص زهور لمّا تتورّق بعد ، وكذا المتعلّقات المنثورة هنا وهناك وباب الحوش في بيت ـ قمو ـ يصفق صفقا .. حتّى أن الجدران بدأت تؤنذر وكانّها بالفعل سوف لن تستطيع البتة الصمود وهذا الزحف الهوائي الضاغط ، وبين الفينة والأخرى ، يتراقص ضوء اللمبة والفتيل يكاد ان ينطفئ … وشيئا فشيئا دبّت نوع من الحركة .. حركة تساقط علوية وبانت أنها قطرات من المطر وقد بدأت تزحف هابطة من علياء سحبها وبدا الرعد يصفق بضوءه وصوته الهادر … وكلّ في فراشه يتململ وإن كان صاحيا ، إلا أنّه تدثّر ومن جديد ، علّه يغطّ في نوم هادئ ، وازدادت صولات الرعد وقرقعة الغيوم ، يخال المرء وكأنّه في ساحة معركة حقيقية ودوي الإنفجارات المرافقة لأضواء وأنوار قويّة وسريعة مصحوبة أحيانا ببرق تخاله وقد ارتطم بجوارك ، والمطر بدأ يهطل بغزارة فامتلأت الساحات والباحات وبدأت صوت فقاعات القطرات تتناغم في موسيقا صاخبة وانسيابات المزاريب تصدح بعلياء واضح وفي بعض الأحيان تحس وبرغم احتماءك بالدار بحجم حبّة البرد الذي قد بدأ يتساقط فتتطاير حبّاته ككرات تتدحرج وترتطم هنا وهناك حتى تتأقلم مع قطرات المطر المتراكم كبقايا الماء المتجمع ، ووسط هذا الجو السريالي الصاخب إن برعده أو بمطره وبرده وهواءه القاصف ، دبت الحركة ايضا كما وهياج الحيوانات التي أخذت تتململ باحثة عن ركن آمن لها تقيها إن : قصف للبرق ورعده أو وهذا البرد بطوفانه الذي يهدر ، وللحق فأنّ ـ قمو ـ لم تشهد منذ زمن طويل مطرا بهذه الغزارة كما والتنوع .. تململت ـ قمو ـ في فراشها ، تأمّلت أخاها ، وألفته نائما أو أقلّه هكذا بدا لها .. نهضت من فراشها ، أزاحت جانبا من ستار الشباك وتأمّلت الحوش الذي بدأ أرضيته وكأنّ ثلجا كثيفا قد هطل .. إنّه البرد وفعله .. دقّقت في أرض الحوش ، المطر مازال ينهمر بغزارة ، والرعد بضوءه وصوته مازال يصول ، تذكّرت ـ قمو ـ ليلة مشابهة لهذه الليلة وكانت المرحومة أمها مازالت على قيد الحياة ، وكيف أن البرق والرعد والمطر الغزير قد أخافتاها وأخيها ، وأمام غزارة المطر واشتداد خوفهما ، نهضت الأم من فراشها وفتحت صندوقها الخشبي وتناولت خمارها الأسود ، ومن ثمّ انطلقت بسرعة الى الخارج حيث نشرت الخمار الأسود على سلك الثياب وعادت مسرعة الى الداخل ، وحينها سألتها ـ قمو ـ .. ولكن لماذا هذا الخمار الأسود يا أمي ؟ أجابتها الأم .. حتى يتوقف المطر يا بنيتي .. هكذا تعلمنا من أمهاتنا وجدّاتنا .. تأمّلت ـ قمو ـ أخاها من جديد وستار الشباك مازال في يدها ، ولحظتها دوى رعد بضوء قويّ فبدى ك ـ كورمينيا برقي ـ ولعلّه قد أصاب منطقة جدّ قريبة أيضا … تذكّرت ـ قمو ـ بأنّها مازالت تحتفظ بنفس الخمار ، فتحت الصندوق الخشبي وتناولت الخمار ، ومن ثمّ فتحت الباب وأسرعت الى الخارج حيث سلك / شريط الملابس ومن السرعة نسيت أن تنتعل شيئا في قدمها ، وما أن خطت خطوتين في الساحة حتى بدت وكأنها قد رمت بقدميها وسط كومة من الدبابيس المثلّجة ، خاصّة حينما اصطدم القدمان ، لابل دخلا في أتون خليط من الماء شبه المجمد وحبيبات البرد كحصى صغيرة وبعضها مؤلمة جدّا ، ومع هذا جازفت ـ قمو ـ وتقدّمت بسرعة صوب ـ تيلاجلا ـ ومن ثمّ نثرت الخمار الأسود ، وأسرعت الخطا في العودة ، وعلى صوت اصطفاق الباب وتغيّر هواء الغرفة استفاق أخوها أو هكذا بدا حيث جلس القرفصاء في فراشه .. دخلت ـ قمو ـ الغرفة وبقطعة قماش أخذت تنشّف بها قدميها ، ومن ثمّ أسرعت الى اللحاف في محاولة لتدفئة قدميها ، لأنّها بدت حقيقة تحسّ بخدر شديد وقويّ ، لابل وموجع أخذ يزحف وينتشر بدءا من رؤوس أصابع قدميها .. لفّت اللحاف حول قدميها بعدّة لفّات ، ومع هذا استمرّ البرد يزحف في جسدها ويصعد فوقا ، تذكّرت جواربها الصوفيّة السيكة ، حاولت النهوض .. لم تستطع .. زحفت زحفا الى حدّ الصندوق الخشبي وفتحته ، مدّت يدها تبحث عن الجوارب الصوفيّة وتناولتها ، وعلى ضوء اللمبة تأمّلت قدميها .. إرتعبت كثيرا !! .. بدت لها وقد ازرقتا واسودّتا وقد تيبّست بعض من عروقها وبرزت بلون خالتها أحمر غامق .. كادت أن تصرخ وتستغيث بأخيها ، ولكنها تمالكت نفسها وتمتمت بكلام غير مفهوم وما لبثت أن ارتدت الجوارب وزحفت عائدة الى فراشها ومن جديد لفّت قدميها باللحاف وتمدّدت على فراشها ونصف جسدها مكشوف هكذا ومن دون غطاء و … بدأ الدفء يتسرب الى جسمها وإن ببطئ ، ونبضات الخدر تقاوم بشدة وهي متمسكة بتلابيب اعصاب ـ قمو ـ وقدميها ، والمطر على حاله يهطل بغزارة ولربما طال الأمر هكذا ولأكثر من ساعة وبدأ القدم وكأيّ جسم متورّم ، بدا وكأنّه ينفث أورامه ويعود بأدراجه الى وضعه الطبيعي ، وإن مازال الجسم كلّه يبدو بين الفينة والأخرى وكأنّها تلابيب قشعريرة أو نخذات خدر قاس وموجع تبدو أقرب منها الى نغنغات مسّ كهربائي ، ومع هذا حاولت ـ قمو ـ أن تنهض .. و .. أخيرا نهضت بتثاقل واضح ، تثبّتت على أقدامها وضغطت بخفّة ومن ثمّ داست على بطن قدمها وخطت خطوتين ، فبدا وكأنّها ملفوفة بسلك كهربائي موصل بالتيار ، وتتالت الخطوات ، ومعها انفراج واضح للخدر .. تأمّلت باحة الدار من خلف الشباك ومن ثمّ أسدلت الستار وهي تقول .. لو أنّ المطر استمرّ بهطوله هكذا الى الصباح ستحدث فيضانات مدمّرة بلا شك .. عادت الى فراشها واستوت عليها من جديد وغطّت نفسها باللحاف وهي تتأمّل أخاها الذي كان قد أصبح في سابع نومة … وعندما استفاقت هي ، لم تعرف بالضبط كم من الوقت استغرقتها في نومها ، لابل ولم يهمها ذلك ، فقط تنصّتت قليلا وهي تصغي فيما إذا كان المطر مازال يهطل أم أنّه توقّف !! .. تطلّعت صوب فراش أخيها .. مازال نائما .. نهضت بتثاقل من فراشها ومن احتكاك قدميها بالجوارب السميكة استعادت أشجان ليلتها وأوجاع القدمين .. أزاحت الستار قليلا وتطلّعت في الخارج ، المطر مازال ينهمر ، وهذا الظلام الكاشف قليلا إنّما مردّه هو طبقة الغيوم السوداء الماطرة والتي ماتزال تخيّم في سماء بوطان ، ولكن ما بدا واضحا أنّه قد تغيّر ، هو سرعة وحركة الرياح من جهة ، كما وهدير الرعد بقرقعته كما ولمعان ضوءه الذي خفت .. تأمّلت المدفأة .. اللعنة !! .. قالتها في نفسها .. لو أنّها سخّنت قليلا من الماء في الليلة الماضية ووضعت قدميها فيها لما تعذّبت كل ذلك العذاب !! ويحك ـ قمو ـ دائما تخذلين مع نفسك ولنفسك .. ولكن !! .. المدفأة خالية من الحطب ، فنحن لم نوقدها منذ عدّة أيام على عادة كلّ سنة وهذه الأوقات !! .. إنّه الكسل ـ قمو ـ .. خمول .. لا تتجاهلي ذلك !! .. رددت في نفسها .. علينا أن نحتاط لهكذا أجواء فنحن جبليون كما كانت تقول المرحومة أمي دائما .. نعم .. أنها مزنة ربيعيّة بغيمة سوداء لاتلبث أن تتحوّل الى برد فتهطل بتلك الكميّة والكثافة فتعيدنا ببردها الى طبيعة المناخ المرافق لهطول الثلوج .. وقطعت سلسلة أفكارها المتواترة ، وهرعت الى ـ كادينا كا يي ـ وجلبت جلّتين وعدّة قطع من ـ قورمك ـ ومن ثمّ أشعلت المدفأة التي شيئا فشيئا بدأت نيرانها تلبّ ومن ثمّ تطرد البرد كما الملل من الغرفة .. وضعت ـ قمو ـ إناءا مملوءا بالماء فوق المدفأة ومن ثمّ ذهبت الى بيت واحد من الجيران المعروفين ببيعهم اللبن والحليب واشترت حليبا ومن ثمّ عادت حيث كان الماء يغلي .. أنزلت الماء ، ووضعت الحليب فوق المدفأة ليغلي ، وأيقظت أخاها وهي تلحّ عليه بأن يتنشّط وهذا الصباح الربيعي الذي أعاد بهم وهذا البرد المرافق لكميات المطر المنهمر وكأنّه واحد من يوميات الشتاء القارسة المعهودة .. وقد كانت ـ قمو ـ قد قرّرت في نفسها أن تفاتح أخيها هذا الصباح فيخرج من صمته أولا .. وأن يسعى في الدنيا ، لا لضيق في أمور المعيشة ، أو لربما غاية أو نيّة شخصيّة تبيّتها ، وإنّما حتّى يستوعب الحياة ويكتسب صنعة ما ، فهي بالمحصّلة ليست لها في هذه الحياة غيره ، وهو أيضا ليس له غيرها ، وهي لن تخلد له الى الأبد ، كما وأنها مسألة سنوات وعليها أن تبحث له عن زوجة ، وبالتالي فسيصبح هو مسؤولا عن عائلة وأولاد ، مع أنّها على استعداد بأن تفدي بعمرها في سبيل أخيها وتتمنّى اللحظة التي ستحتضن فيها أولاده ، إلاّ أنها الحياة فإن لم يكتسب مهنة و ويتكسّب منها سيستحيل عليه الزواج ، وبالتالي تكوين أسرة خاصة وهما المعروفان في بوطان بإسم اليتيمة واليتيم .. ومنذ شهور وهي تقلّب في ذهنها مهن كثيرة ، بدءا من إسكافي الى ـ ترزي ـ مرورا بالفرّان ، نجار ، ـ بيركول ـ .. فلاح ، حفّار .. بس بس .. إنّه ـ هوستايي لي كرني ـ بنّاء .. نعم معمّر وبناء مثل ـ ترحو ـ .. سأخاطب جارتنا لتكلّم ـ ترحو ـ زوج أختها .. نعم نعم .. إنّ عملية البناء وهذه المهنة هي الأفضل له ، وكذلك أسهل من ـ قطع الكلبيج ـ أو تكسير الحجارة .. ولكن ـ قمو ـ !! .. عليك ألاّ تنسي بأنّها أيضا عملية شاقّة وصعبة وتحتاج الى قوّة بدنيّة أيضا .. أووه !! .. مع الأيام سيتعوّد عليها أخي ، كما سيقوى جسده ، فهو لن يبقى طفلا الى الأبد !! .. ولكن عليّ أن أكلّمه !! .. نعم يجب أن أفاتحه أولا ، قبل أن أطلب من جارتنا هذا الطلب .. و .. فاتحته ـ قمو ـ بالأمر ، وأخذت تشرح له وأسهبت كثيرا وهي تؤكد له بأنّ الأمر كلّه هو لتأمين حياته ومستقبله ، وأنّها لا تحتاج منه شيئا لمعيشتهما الإثنين ، وإنّما عليه أن يسعى ليكوّن عائلته في المستقبل ، والأخ يصغي حينا ويبدو مهتمّا ، وأحيانا أخرى يتلهى بأمر ىخر .. ولمّا الحّت عليه ـ قمو ـ في الطلب والسؤال وافق ، فأسرعت الى جارتها راجية ومتوسّلة أن تسعى الى ـ ترحو ـ ليعمل أخوها عنده يساعده ويتعلّم منه حرفة البناء ، فكان لها ذلك وبعد تردّد واضح تسرّب إليها فيما بعد من ترحو وذلك لنعومة أخيها من جهة ، وصغر عمره من جهة أخرى ، إلاّ أنّ الأهمّ كانت لسبب واضح هو أن ترحو نزق بطبعه مع عماله ، وتصل أحيانا الى القسوة الشديدة ، كما كان يغلط ويغلظ في القول معهم ، وإن كانت بنت ساعتها ومن دون حقد أو غاية ، وأخو ـ قمو ـ يتيم ، واليتيم لايجوز في عرف البوطيين سوى التعامل معه بلطف وحنّيّة ، وهذا ماكان ـ ترحو ـ يخشى منه ، أن ينسى في ذروة غضب عابر ، فيغلظ في القول أو التعامل معه ، حتّى ومن دون قصد .. نعم لقد خشي ـ ترحو ـ من ذلك كثيرا .. ومع هذا كان الرفض سيكون أقسى من ذلك بكثير ، لذا دعاه الى العمل واحتضنه بقوّة ، وجعل الصبي يتعلّق به أوّلا ، ومن خلاله بالعمل أيضا ، فكان الأوّل في الحضور الى موقع العمل ومن ثمّ عرف أولويّات العمل وما يستوجب فعله حتّى قبل حضور ـ هوستا ترحو ـ وشيئا فشيئا ، أتقن في تنفيذ ما يطلب منه .. وكان أوّل مجيديّ من الفضّة جاء بها ـ مجيدو ـ وقد رزقها من عمله وناولها الى أخته ـ قمو ـ ……..
***************************** **************
ودارت ـ جارخوفلك ـ دورتها ، واستمرّت وهي تعبث بالزمن كما وأهلها ، و ـ قمو ـ في جولتها الصباحية هذه ، عرجت على ـ جمي جهيا ـ وفي نيتها جمع الحطب وبقايا الأغصان والأعشاب اليابسة ، ومن هناك ستمرّ على ـ ثقلانا ـ حيث يتجمع رعاة البقر بقطعانهم في مثل هذا الوقت من السنة حيث لايزال يتوفر في محيط ـ كو لي ثقلانا ـ بعض من العشب الأخضر كما أن الأبقار تستسهل السقاية من ماءها ، وطبيعي أن يكثر الروث أيضا و ـ قمو ـ لها موقعها أو مكانها الخاصّ والمميّز هناك ، نعم إنّها تلك القطعة المستوية والتي تخالها وقد بلّطت خصيصا لها ، لتقطع عليها جلّتها وكذلك تلك الصخرة المتدرّجة بانحناءة سهلة من الأرض صوب حوض ماء ـ ثقلانا ـ وفي المنبسط من الأرض تتدرّج حبّات الجلّة المرصوفة أرضا وبتناسق منها ماهو ىيل للجفاف وقد رصّفت فوق بعضها ومنها ماهو بحاجة الى فترة أخرى حتى تيبس ، وطبيعي أن لا تخلو هكذا منطقة وتجمّع لعدّة قطعان من البقر ، طبيعي ان لا تخلو من بعض من المشاحنات كما والمضايقات ، سواء من رعاة أو مرافقين جدد ن أو حتّى بين بعض من الفتيات والنسوة ، خاصّة وأنّ كلّ تتلقّط رزقها من هكذا عمل ، ولكنّها كلمة حقّ يجب أن تقال .. نعم فالجميع يكنّ ل ـ قمو ـ احتراما وتقديرا خاصّا ، لما تمثّله من حسن معشر من جهة وأيضا تلك الحنّية الزائدة التي يتميّز بها كما وتحيط بها اخيها وكذلك النّية الصافية والصادقة التي تتمتّع بها ، حتّى أنّها عندما اصطدمت مع ابنة ـ حسو كه جك ـ على حزم من العيدان والحطب وكاد أن يصل الأمر الى شدّ الشعر ، وبالرغم من أنّ ابنة ـ حسو كه جك ـ كانت هي المخطئة وقد عافت لها الحزم وغادرت الموقع ، إلاّ انّها فوجئت ب ـ قمو ـ مساءا على باب دارهم وهي تحمل على ظهرها ـ يشتيك قورمك ـ وأنزلت الحمولة بباب الدار ، ومن ثمّ تطلبها و تقبّل وجنتيها معتذرة .. ولكنها هي عينها ـ قمو ـ حيث تبدو كالنمر أيضا إذا ما داس لها أحد على جنب .. وفي هذا اليوم تحديدا ، كانت قد صمّمت لحظة خروجها صباحا أن تعمل وتعمل وتجمع أكبر قدر ممكن من الحطب وكذلك الجلّة وذلك للطلب الكبير عليهما من جهة ، ولعدم توفّر خدمات أو أعمال منزلية منذ فترة ، فأنجزت مهامها في ـ جمي جهيا ـ و .. هيّا الى ـ ثقلانا ـ .. ومن بقرة الى أخرى ، ومن مجموعة الى ما بعدها ، فبدت احيانا وكأنّها تستصرخ الحيوانات وتحثّها على التروّث ، اولعلّ بعضها تتروّث مجرّد رؤيتها ل ـ قمو ـ وهي تنقل البقايا وتجمعها ، ومن ثمّ شمّرت عن ساعدها وبدات .. واحدة .. عشرة .. عشرون .. خمسون جلّة ، ما شاءالله قد قدّر ووهب و .. كفاها المولى .. لملمت عدّتها .. عدّت نتاجها وألقت عليها نظرة خاصّة فاحصة ، ومن جديد .. عادت بأدراجها الى حيث حزم العيدان فأجمعتها في كومة واحدة وحزمتها ب ـ وريس ـ وحملتها عائدة الى ـ بوطان ـ حيث دار ـ عفدك ـ الذي كان قد اشترى منها ـ بشتيا قورمكا ـ وبعد أن أنزلت الحمل عادت بأدراجها الهوينا والشمس قد خفّف من وهج حرارته ، لابل وقد خطا خطوات بعيدة وهو قاب قوسين أو أدنى من المغيب .. وقالت مخاطبة نفسها وفي سرّها .. الشمس لمّا تغب بعد ومع هذا فإنّ ـ مجيدو ت لابدّ انّه قد عاد الى البيت وهو الآن ينتظر !! .. حدث صادفته ـ قمو ـ لابل منظر ولنسمّها بالواقعة التي لربّما تنسى فيها ـ قمو ـ نفسها ولكن !! هيهات ان تنسى أو حتّى تستطيع الذاكرة من أن تشطبها .. سلسلة متواصلة من مىس واحزان تتضخّم وتكبر على كاهل هذه المسكينة ، وبشهادة جميع المحيطين والجوار كما والمعارف ، ولسان حالهم يقول .. ليكن الله معها .. ويا لحجم قلبها الكبير وطاقتها على التّحمّل والصمود أمام هذا السيل الجارف من الالام .. كانت تخطو صوب البيت وقد هدّها التعب ، لابل أنّ كل عضلة وعصب وحتّى خليّة من جسمها يحثّها على ان تسرع لتستريح ، والشمس لا يزال يرسل بشعاعه الكسول ، وفي ناصية البيت كانت ابنة الجيران بانتظارها ونادتها … دخلت بيت الجيران .. تقدّمت منها الجارة وقالت لها .. أن ـ ترحو ـ قد جاء بأخيها منذ ما قبل الظهيرة .. لهثت ـ قمو ـ .. صرخت مقاطعة وهي تضرب نفسها .. هدّأتها الجارة قائلة .. مهلا مهلا .. هو بخير .. لم يصبه شيئا ؟ .. فقط اسمعي ودعيني أكمّل ؟ .. هدأت ـ قمو ـ وتابعت الجارة .. قال ـ ترحو ـ بأنّ ـ مجيدو ـ منذ الصباح يحسّ بوعكة ، ويبدو أنّه قد استفرع ما أكله أيضا .. فطلب منه ان يرجع الى البيت ولكنه رفض العودة ن فأوعز له ان يستريح في الفيء ن وبعد حوالي الساعتين ويبدو أنه كان قد نام واستفاق وهو يبكي بحرقة شديدة ، فأسرع إليه ـ ترحو ـ وهو يحضنه ويساله عن سبب البكاء ، ولكنه لم يجب .. استفسر من العمال جميعا فيما إذا ما كان أحدهم قد ضايقه بشيء ، فأقسم الجميع بلا .. حاولوا المستحيل معه .. ولكن هيهات !! .. وتابعت الجارة .. واكمل ترحو وقد غصّته العبارات تحسّرا وحزنا .. نعم نعم .. لقد ابكاهم جميعا وهم يتمنون فقط .. نعم يتمنون فقط ومعرفة السبب ووالله إن كان أحدهم قد أساء اليه أو ضايقه حتّى ولو بالكلام لدفنه ـ ترحو ـ بيديه وهو حي .. وبعد ان هدأ قليلا ، لابل وبعد أن تعب من البكاء فقط تكلّم وهو يتوسل لهم قائلا .. أرجوكم خذوني الى اختي .. أريد أختي .ز فجيء به الى البيت .. وتابعت العجوز .. وحيث أنّك غير موجودة ولا أحد يعرف أين أنت بالضبط ، فقد هجّ وهو يبكي ، واسرع صوب المقبرة ، وهو الآن بجوار قبر المرحومة أمكما ومعه ـ ترحو ـ .. عافت ـ قمو ـ كل شيء ، وفقط ادارت ظهرها الى جارتها و .. الى المقبرة هيّا .. وما كانت قد خطت عدّة خطوات حتّى تواجهت مع ـ ترحو ـ وأخيها .. أسرعت راكضة نحوه ، وما أن لمحها حتّى ركض هو أيضا صوبها كطفل يرنو الى صدر أمّه ، وفتحت ـ قمو ـ يديها والتقطته في منظر سيبقى ترحو يرددها دهرا وراء دهر و ـ قمو ـ تقبّله وتديره في الهواء وهي تقول له .. قل لي ؟! .. هيّا يا أخي .. قل لي ماذا بك ؟ .. مالذي جرى ؟ .. ليلعن الله أبو الشغل إذا كان يضايقك ؟ .. وـ مجيدو ـ فقط يحملق فيها ويبكي .. نعم يبكي بحرقة وكمن لا يصدّق بأنّها معه وتحمله .. وعلى صوت نحيبه المحزن خرجت نسوة أخريات من الجوار واللاتي ما تمالكن نشيج هذا الطفل المؤلم .. دخلت قمو بأخيها الى الدار ومن ثمّ جلست ن وجلس هو أيضا بجانبها ن ووضع رأسه على فخذها وبدأت هي تمسّد له شعره .. قالت له .. أجائع أنت ؟ .. اشار بلا .. ومع هذا نهضت لتجلب له بعضا من الأكل .. نهض معها .. ولعلّه بلع لقمتين أو ثلاث ، تطلّع فيها ومن جديد داهمته نوبة من البكاء الحاد … تقدّمت منه وهي وجلة وسألته … إسمع يا أخي .. ليس لي أحد في هذه الدنيا غيرك ، كما وليس لك غيري .. قل لي ؟ .. ماهو الشيء الذي يضايقك ؟ .. إذا كان العمل متعب وشاق فأنت لست مجبرا علي ، لابل وليلعن الله كلّ عمل يسبّب لك ذرف دمعة واحدة .. أرجوك صارحني يا أخي ؟ .. صارحني بالذي ضايقك اليوم وسبّب لك كلّ هذه الحرقة والألم .. لقد أحزنت كل الحيّ ؟ ! … قل لي ؟ .. صارحني أرجوك ؟ .. والأخ يبكي ويبكي بصمت ووجع .. تابعت ـ قمو ـ .. قل لي ماذا جرى ؟ .. ما الذي يبكيك ؟ .. أرجوك لقد حطّمت فؤادي ن انا اختك .. ارجوك أفصح لي بما في قلبك ؟ .. هيّا أرجوك ؟ .. وبكلام متقطع تخلّله نشيج وبكاء حادّ ، بدأ ـ مجيدو ـ يتكلّم قائلا .. أختي العزيزة .. ارجوك .. أرجوك .. أوعديني أولاّ بأنّك ستبقين معي ولن تتركيني لوحدي ؟ هذا ليس وعدا يا أخي .. قاطعته ـ قمو ـ بل نذر عليّ حتّى الموت .. ولكن قل لي ماذا حدث ؟ .. تابع ـ مجيدو ـ .. منذ ليلة أمس كنت أحسّ بنوع من الإرهاق ، فقلت لعلها من العمل .. واليوم ، وأنا في الطريق الى العمل ، أحسست بدوخة شديدة ، وأظلمت الدنيا في ناظري ، فاستندت على جدران أحد البيوت ، وجلست قليلا ، ومن ثمّ تابعت سيري الى حيث مكان العمل ، وقبل وصولي الى موقع البناء حيث يوجد بجواره جامع قديم مهجور ، احسست بالدوار من جديد ، فدخلت الى الجامع وكمن لدغته افعى ، ارتميت فجأة على الأرض وأخذت معدتي تتقلّص وانتابتني آلام حادّة ، وأخذت أراجع وأراجع ، كتل صفراء تخالها خضراء وأحسست بأنّ كلّ ما في معدتي قد استفرغت ، طمرت ما استفرغته بالتراب وبحثت عن ماء فلم أجد ن خرجت من الخربة وتابعت سيري الى موقع البناء ، وما أن لمحني العمّ ـ ترحو ـ حتّى سألني عمّا بي وقد إصفرّ وجهي بشكل مخيف … فأجبته بأنني مرهق قليلا ، وأنّني قد استفرغت قليلا … قال لي .. أنّه ـ شحري يه ـ تسمّم .. ولكن لما جئت الى العمل ؟ .. كان عليك أن تستريح ؟ .. ومن ثمّ طلب مني ان أستريح في ظلّ ال ـ كلبيج ـ وفعلا تمدّدت ، ورحت في نوم عميق .. غيبوبة ، لا أدري ؟!! فقط لحظات أحسّ بما يجري حولي ، ولحظات أغطّ فيما يشبه النوم العميق ، يتخلّله لحظات أحسّ وكأنّني أدور أو تلتف بي الأرض في عملية دوران شبه كلّيّة ، حتّى انني كنت أخاف أن تتساقط الحجارة وال ـ كلبيج ـ عليّ ، ولم أدر كم من الوقت كان قد مضى ، ولكن ما أتذكّره بالفعل هو كلام عاملين اثنين فوق رصّات ال ـ كلبيج ـ وهما يتحدّثان ، وحديثهما كان علينا .. أنا وأنت يا أختي .. فسألته ـ قمو ـ … وماذا قالا ؟ … تابع ـ مجيدو ـ حديثه وقال .. خاطب الأول رفيقه قائلا .. نعم أن أخته ـ قمو ـ هي مثل الرجال تكدّ وتعمل ليل نهار ، ويقال بأنّها دفعته الى العمل لأنّها قرّرت أن ترى مستقبلها وتتزوّج ؟ … فردّ الآخر .. وماذا فيها ؟ .. أهو حرام ؟ .. لالا .. ردّ الأوّل .. ولكن ـ مجيدو ـ مازال ولدا و بحاجة الى عناية فهو لا أبّ ولا أمّ له .. ومن جديد انتابته نوبة البكاء ولكنّه تابع … والله يا أختي وأقسم بالله العظيم .. كنت أحلم ، وما دريت بأنّني أحلم .. نعم أختي .. ما أن أدرت ظهري لهما ، يبدو انّني ذهبت في نوم عميق .. ما أتذكّره فقط أنني ما أن نهضت وتأمّلت الشطّ بحثا عن السفينة التي اقّتك .. قاطعته ـ قمو ـ وهي تصرخ .. سفينة ؟ .. وأيّة سفينة هي التي اقلّتني ؟! .. تابع مجيدو .. نعم نعم .. السفينة التي ركبتيها لتوّك وأنا أبكي وأبكي .. أصرخ .. أتوسّل وأنا أناديك .. أترجّاك ومن في السفينة .. ـ قمري ـ .. أختي .. أيها الناس .. ودخل المسكين في نوبة بكاء حاد تتقطّع لها الأفئدة .. ومع هذا تمتم .. اناديك يا أختي .. ارجوك .. أنا اخوك الوحيد ؟!! .. انسيت يا أختي ظ .. ليس لي أحد غيرك ؟ .. لاتدعيني وترحلي ؟ .. لقد ماتت أمّي ؟ .. امّي ماتت لاتتركني ؟!! .. خذيني معك ؟ .. ارجوك .. وأنت لاتبالين .. كلكم من كنتم في السفينة لم تبالوا … والسفينة أرخت حبالها ، واستعدّت للرحيل وأنا امدّ لك يديّ لتنشليني ولكن !! .. نهضت ووجهي صوب الشّطّ وأنا أبحث عن السفينة .. الله .. يا الله .. أين السفينة ؟ .. لقد غادرت بأختي .. أنا وحيد .. وبدأت اصيح وأهجّ وأنا ابكي … وأبكي .. نعم أختاه .. لقد تداخل الحلم والواقع معي وركضت صوب البيت ومن ورائي العمّ ـ ترحو ـ وحينما لم أجدك في البيت .. ركضّت صوب المقبرة .. ونهض من مكانه وارتمى في حضن أخته ـ قمو ـ وهو يبكي ويقول .. ارجوك ؟ .. ارجوك يا أختاه لا تتركيني .. أوعديني حتّى إذا ما تزوّجت ، أن تتزوجي في بوطان .. كوني قريبة مني .. سأدع لك ولزوجك هذا البيت .. وضعت ـ قمو ـ يدها على فمه ، وأسكتته وهي تقبّله بحنّية زائدة .. وقالت .. ومن قال لك بأنّني سأتزوّج يا أخي ؟ ! .. سأظلّ خادمة لك ولأولادك .. سأربّي لك أولادك وأحملهم على كتفي وأدلّلهم .. سأجعل من زوجتك خاتونة على عرش دارها .. هيّا .. هيّا يا أخي .. علينا أن نذهب الى ـ جاركس ـ الحكيم .. إنّ نهارك كان فيه من البؤس ما يكفي لمدينة بكاملها ، وهي كلّها نتاج التسمّم الذي أصابك .. ـ هي خوه بكوري ـ لماذا لم تخبرني ؟ .. لماذا ؟ .. وكان الظلام قد أرسى بسدوله ، وخيوطه تزاحمت قليلا وقد تراخت فنهضت ـ قمو ـ الى اللمبة ، وجهّزت الفتيل ومن ثمّ أشعلته وعلى ضوء اللمبة تأمّلت وجه أخيها ـ مجيدو ـ ، ومن جديد الفتيل .. الله !! .. ما أصعب الألم والحرقة … الفتيل يلتوي بناره .. وأخي بلواعجه .. ولكن عهدا !! ..عهدا أخي ألاّ أبقيك وحدك ؟ .. لن أبقيك لوحدك أبدا ….. …..
****************************** *********
يتبع
walidhjabdlkadr@gmail.com
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






