هل تتخلّى واشنطن عن قوات قسد؟

د. محمود عباس | 

بين صمت القوة وإدارة التحالف في مرحلة انتقالية

ما يجري في حلب، ولا سيما في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، لا يمكن قراءته بوصفه اشتباكًا أمنيًا موضعيًا أو ردّ فعل ميدانيًا عابرًا، بل بوصفه إشارة إنذار مبكرة إلى صراع داخلي آخذ في التبلور داخل بنية السلطة السورية الانتقالية نفسها، وصراع نفوذ إقليمي يتقاطع مع لحظة إعادة ترتيب أوسع للمشهد السوري تحت إشراف أمريكي مباشر. فالهجوم على هذين الحيين لا يحمل طابعًا عسكريًا صرفًا، بقدر ما يعكس محاولة فرض سردية سياسية وأمنية جديدة، من يملك القرار، ومن يُستبعد من معادلة ما بعد الأسد المجرم.

توقيت التصعيد لم يكن بريئًا، فقد تزامن مع حوارات حساسة تُدار في فرنسا بين وفدين سوري وإسرائيلي برعاية أمريكية، في لحظة تحاول فيها السلطة السورية الانتقالية تقديم نفسها بوصفها كيانًا قادرًا على “ضبط السلاح” و”إنهاء الاستثناءات” داخل المدن الكبرى، لا سيما حلب، هذا السلوك ليس موجّهًا فقط إلى الداخل، بل إلى الرعاة الدوليين، رسالة تقول إن دمشق الجديدة قادرة على كبح القوى التي تُعدّ، في نظر بعض العواصم، عقبة أمام تسوية سريعة، وفي مقدمتها القوى الكوردية.

غير أن ما يلفت الانتباه أكثر هو التوازي بين التصعيد الميداني والحراك التركي السياسي–الأمني، فالنمط بات شبه ثابت، أي ضغط على مناطق قوات سوريا الديمقراطية يسبقه، أو يواكبه، تواصل تركي مباشر مع شخصيات مفصلية داخل السلطة الانتقالية، وعلى رأسها وزير الخارجية أسعد الشيباني، الذي تحوّل عمليًا إلى قناة النفوذ التركي الأكثر فاعلية، وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ظهور هاكان فيدان في فرنسا، ولقائه الشيباني في التوقيت ذاته الذي تُدار فيه المحادثات السورية–الإسرائيلية، عن محاولة تركية لإعادة فرض نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلة يُعاد رسمها من دونها.

تركيا تدرك أن مسارًا سوريًا–إسرائيليًا برعاية أمريكية، إن استقر، سيُفضي حتمًا إلى إعادة تقييم شاملة لدور الفصائل المسلحة، وللأدوات الوظيفية التي استُخدمت خلال سنوات الحرب، ومن هنا، فإن الضغط على الشيخ مقصود والأشرفية يبدو محاولة استباقية لإعادة خلط الأوراق، وتقديم “إنجاز أمني” سريع يُستخدم كورقة تفاوضية، نحن نضبط حلب، ونحن نكبح الكورد، ونحن قادرون على فرض واقع جديد.

لكن هذه القراءة تغفل عنصرًا جوهريًا في الحسابات الأمريكية، فالولايات المتحدة، وإن كانت تمارس سياسة إدارة الفوضى لا حلّها، لم تُظهر حتى الآن أي استعداد للتخلي عن قوات سوريا الديمقراطية، لا سياسيًا ولا أمنيًا، فهذه القوات لم تكن حليفًا ظرفيًا في مواجهة داعش فحسب، بل أثبتت، على مدى سنوات، أنها الشريك الأكثر موثوقية في بيئة مضطربة، والأكثر قدرة على منع عودة الإرهاب بأشكاله الجديدة، دون الانزلاق إلى فوضى عمياء أو ارتهان إقليمي.

من هنا، يبدو أن ما يجري في حلب يعكس صراع تيارين داخل السلطة الانتقالية نفسها، تيار تدفع به تركيا، يستند إلى جماعات ذات خلفية راديكالية، ويبحث عن فرض أمر واقع سريع، وتيار آخر مدعوم أمريكيًا، يسعى إلى إنتاج واجهة “سنّية ليبرالية” أقل صدامية، وأكثر قابلية للتسويق الدولي، تمهيدًا لبناء أجهزة أمن وسلطة يمكن ضبطها والتحكم بها، هذا الصراع لم يصل بعد إلى لحظة الانفجار الكامل، لكنه بات مرئيًا في الميدان، وفي تباين القرارات، وفي ارتباك السردية الرسمية.

أيّ تصعيد واسع ضد قوات سوريا الديمقراطية لن يُقرأ كاشتباك محلي، بل كإعادة مباشرة لإنتاج معركة داعش بصيغتها الجديدة، فالهجوم على قسد يعني عمليًا فتح الطريق أمام عودة التنظيمات التكفيرية التي لم تختفِ، بل أُعيد تدويرها تحت مسميات سياسية وأمنية مختلفة، وبرعاية تركية مكشوفة. وعند هذه النقطة، لن يكون أمام الولايات المتحدة سوى التدخل الحازم، لا دفاعًا عن قسد فقط، بل عن أمنها وأمن حلفائها، وبموقف أكثر صدامية مع أنقرة مما كان عليه الحال حين كانت تتغاضى عن دعمها غير المباشر لداعش.

ولا يُستبعد أن يكون هذا التصعيد التركي محاولة يائسة للتغطية على فشل سياسي معلن، فبعد تهديدات وزيري الخارجية والدفاع في أنقرة، والحملة الدعائية التي بشّرت بـ«نهاية قسد»، بات مطلوبًا خلق معركة وهمية تُخفي عجز التنفيذ. في هذه اللحظة، لا تحارب تركيا الإرهاب، بل تستخدمه؛ لا تواجه داعش، بل تُغيّر اسمه، وتدفع به إلى الواجهة كأداة ضغط، حتى لو كان الثمن إعادة إشعال المنطقة وإغراقها في دورة دم جديدة.

في الأشهر القادمة، يمكن توقّع أحد مسارين رئيسيين.

 الأول، أن تدفع واشنطن باتجاه كبح التدخل التركي، وإعادة تثبيت خطوط حمراء تمنع استهداف قسد، ما سيُترجم بتراجع وتيرة التصعيد في حلب، وتهميش تدريجي للأدوات الراديكالية التي باتت عبئًا أكثر منها ورقة ضغط.

 الثاني، وهو الأكثر خطورة، أن تستمر محاولات فرض وقائع ميدانية متسرعة، ما قد يؤدي إلى صدام أوسع داخل بنية السلطة نفسها، بين من يريد تسوية مضبوطة، ومن يراهن على الفوضى كسلاح تفاوضي.

في كلا الحالين، يصعب تصور أن الولايات المتحدة ستفرّط بالقوى الكوردية، فالتخلي عنها لا يعني فقط خسارة حليف، بل فتح الباب أمام عودة الإرهاب، وانهيار ما تبقى من توازن هش في شمال سوريا، وهو سيناريو يتناقض جذريًا مع مصالح واشنطن، ومع أمن إسرائيل، ومع منطق الدولة العميقة العصرية التي تبحث عن إدارة الصراع لا تفجيره. وما يحدث في حلب اليوم، إن استمر، لن يكون إلا اختبارًا مبكرًا لحدود هذا الصراع، ولمن سيتم استبعاده حين تُعاد صياغة المشهد السوري فعليًا، لا خطابيًا.

الولايات المتحدة الأمريكية

7/1/2026م

Scroll to Top