السياسة تضغط على الصحة بعد الموازنة والرواتب

مهند محمود شوقي  |  

لم يكن القطاع الصحي في إقليم كوردستان يومًا بمعزل عن العواصف السياسية التي تضرب العلاقة المعقّدة بين بغداد وأربيل، غير أن ما يشهده هذا القطاع اليوم يتجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي، ليقترب من مفهوم العقاب الجماعي، حيث تتحول صحة الإنسان من حق دستوري إلى ورقة ضغط، وتُزاحم السياسةُ الدواءَ على سرير المريض.

منذ تولي السيد مسرور بارزاني رئاسة حكومة إقليم كوردستان عام 2019، شهد الواقع الصحي في الإقليم تحولات ملموسة، رغم القيود المالية الخانقة الناتجة عن قطع الموازنة أو عدم انتظامها. فقد مضت حكومة الإقليم في مسار إصلاحي واضح، استثمر في البنية التحتية الصحية والإنسان بوصفه أولوية. وتشير تقارير وزارة الصحة في إقليم كوردستان للأعوام 2020–2024 إلى استثمار مئات الملايين من الدولارات في إنشاء مستشفيات جديدة وتوسعة وتأهيل أخرى قائمة، شملت مستشفيات الطوارئ والمراكز التخصصية، ولا سيما مراكز علاج الأورام وأمراض القلب والأمراض المزمنة في أربيل والسليمانية ودهوك.

وفي ملف السرطان والأمراض المستعصية، خصصت حكومة الإقليم موازنات سنوية لدعم علاج المرضى داخل الإقليم وخارجه. وتؤكد بيانات رسمية صادرة عن وزارة الصحة في إقليم كوردستان، مدعومة بتقارير منظمة الصحة العالمية (WHO)، أن الإنفاق الحكومي على مرضى السرطان تضاعف خلال السنوات الأخيرة، مع توفير أدوية علاج كيماوي ومناعي تُعد من الأحدث عالميًا، وبأسعار مدعومة أو مجانية، الأمر الذي خفّف بشكل كبير من أعباء السفر والعلاج خارج البلاد على آلاف العائلات.

وفي السياق ذاته، شهدت السياحة العلاجية في إقليم كوردستان تطورًا ملحوظًا، إذ بات الإقليم مقصدًا لمرضى من وسط وجنوب العراق، وحتى من بعض دول الجوار، خصوصًا في مجالات علاج الأورام، وجراحة القلب، والعلاج الطبيعي. وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أن الاستقرار الأمني النسبي وتوفر الكوادر الطبية الكفوءة والأنظمة الحديثة أسهمت في تعزيز ثقة المرضى بالمنظومة الصحية في الإقليم.

هذا التطور لم يكن عشوائيًا، بل جاء نتيجة بناء نظام صحي أكثر تنظيمًا، شمل اعتماد نظام رقابة إلكتروني متكامل على أسعار الأدوية وتنظيم استيرادها. وتؤكد نقابة صيادلة كوردستان أن هذا النظام، بالتنسيق مع وزارة الصحة، أسهم في الحد من فوضى الأسعار ودخول الأدوية غير المسجلة، مقارنة بما تعانيه بعض المحافظات العراقية الأخرى، وفق ما أشار إليه ديوان الرقابة المالية الاتحادي في تقاريره المتعلقة بالقطاع الدوائي.

غير أن هذا المشهد الإيجابي يصطدم، على الضفة الأخرى، بواقع سياسي ضاغط لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على القطاع الصحي. فمنذ عام 2014، وبعد اقتطاع موازنة إقليم كوردستان أو عدم انتظام صرفها، دخلت القطاعات الخدمية، وعلى رأسها الصحة، في معركة صمود طويلة. ولم تتوقف الضغوط عند حدود الموازنة، بل امتدت إلى تأخير رواتب الموظفين، ثم إلى تقليص الحصص الدوائية والمستلزمات الطبية التي يُفترض أن تُصرف للإقليم أسوةً ببقية المحافظات العراقية، كونها ممولة من الموازنة العامة للدولة.

وتشير مراسلات رسمية صادرة عن وزارة الصحة في إقليم كوردستان إلى وزارة الصحة الاتحادية إلى وجود نواقص وتحديات كبيرة في المستلزمات الطبية الأساسية، نتيجة عدم انتظام وصول الحصص الاتحادية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على قدرة المؤسسات الصحية الحكومية على الاستجابة المثلى، ولا سيما في المستشفيات التخصصية.

وتكشف الأرقام الرسمية أن أكثر من 40٪ من مرضى السرطان الذين يتلقون العلاج في المستشفيات الحكومية في إقليم كوردستان هم من خارج الإقليم، وتحديدًا من محافظات وسط وجنوب العراق، ويتلقون العلاج أسوةً بمرضى الإقليم، ومن دون أي تمييز. وتؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية أن هذا التدفق يعكس ثقة بالقطاع الصحي في الإقليم، لكنه في المقابل يضاعف الضغط على الموارد الدوائية والخدمية، في وقت لا تُحتسب فيه هذه الأعداد ضمن معادلات توزيع الأدوية من قبل الحكومة الاتحادية.

ولا يمكن إغفال الدور الإنساني الذي اضطلع به إقليم كوردستان منذ عام 2014، مع تدفق موجات النزوح واللجوء. فبحسب تقارير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) ومنظمة الهجرة الدولية (IOM)، استضاف الإقليم في فترات الذروة أكثر من مليون نازح ولاجئ. وقد تولت وزارة الصحة في إقليم كوردستان، وعلى مدار أكثر من عقد، توفير الخدمات الصحية والعلاجات اللازمة لسكان المخيمات، بما في ذلك برامج التلقيح والرعاية الصحية الأولية وعلاج الأمراض المزمنة، عبر تخصيص جزء من الحصة الدوائية المخصصة للإقليم نفسه، أسوةً بأبناء الإقليم.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع نتائج التعداد السكاني الأخير الذي أعلنته وزارة التخطيط الاتحادية، والذي أثبت أن نسبة سكان إقليم كوردستان ارتفعت من 12.7٪ إلى أكثر من 14٪ من مجموع سكان العراق. هذه الزيادة السكانية تُلزم الحكومة الاتحادية، قانونيًا وأخلاقيًا، بإعادة النظر في آليات توزيع الحصص الدوائية والمستلزمات الطبية، بما يتناسب مع العدد الفعلي للسكان وحجم الخدمات المقدمة، إلا أن هذا التعديل لم ينعكس فعليًا على أرض الواقع حتى الآن.

وهنا يعد الأمر خطيرا عندما يتم تحويل ملف الصحة إلى أداة ضغط سياسي لا يهدد بذاته استقرار إقليم كوردستان، بل يضرب جوهر مفهوم الدولة والرعاية الصحية في العراق ككل. فالصحة ليست بندًا تفاوضيًا، ولا ورقة يمكن المناورة بها في نزاعات السلطة، بل حق إنساني أصيل كفله الدستور العراقي والمواثيق الدولية.

من المؤسف جدًا أن تتحول الضغوط السياسية على إقليم كوردستان إلى أدوات عقاب جماعي، تبدأ بقطع الموازنة، مرورًا بتأخير الرواتب، وصولًا إلى استخدام ملف الصحة كورقة ضغط إضافية على الإقليم. إن حماية الإنسان يجب أن تكون الخط الأحمر الذي لا يُسمح بتجاوزه، مهما اشتدت الخلافات وتعقّدت الحسابات السياسية.

Scroll to Top