د. محمود عباس
ليس أخطر ما في الصراع الجاري في المنطقة حجم الصواريخ، ولا عدد الضربات، بل حجم الاصطفاف العاطفي الذي يكشفه. شعوبٌ عانت من تدخلات طهران، ومن ميليشياتها، ومن خطابها الطائفي، تقف اليوم، علنًا أو ضمنيًا، في صفّ النظام الإيراني، لا دفاعًا عنه، بل نكايةً بخصومه. أنظمةٌ تتهمه ليل نهار بزعزعة أمنها، تجد نفسها تميل إلى تبرير أفعاله حين يكون الطرف المقابل هو الولايات المتحدة أو إسرائيل. وخير مثال على ذلك ما نراه في تغطيات عدد من القنوات العربية، وعلى رأسها الجزيرة، والعربية، والحدث، وكذلك بعض المنابر التركية، بل وحتى في بعض حلقات القناة السورية الرسمية وغيرها.
بل إن أشد معارضي طهران يصرّحون بوضوح، ما يجري كان سيسعدنا، لولا أن إسرائيل وأمريكا هما من يقومان به. هنا تتكشف معادلة عميقة؛ فالقريب ليس العِرق ولا القومية، بل رابطة الدين والهوية الكبرى، حتى وإن بلغت الخلافات المذهبية حدّ التكفير، وحتى وإن ظلّ التاريخ مثقلًا بصراعات فارسية–عربية–تركية مدمّرة. المصالح قد تفرض رهبةً من واشنطن، لكن العاطفة السياسية تدفع نحو الاصطفاف مع “القريب” في الهوية.
ومن هذه المفارقة أصل إلى ما يعنينا نحن. لقد رأينا كيف يُبدي بعضهم شماتةً بالقصف الإيراني على أربيل أكثر مما يفعل تجاه قصفه لدول الخليج، ولا يخفون فرحهم بذلك. حتى إن بعض القنوات أبقت خبر سقوط صاروخ في محيط القنصلية الأمريكية في أربيل على الشاشة لفترة طويلة، بينما انتقلت للحديث عن موضوعات أخرى، وكأن الرسالة أهم من الحدث ذاته.
فإلى كل من خانته الرؤية حين ظنّ أن الصراخ بديلٌ عن الحجة، وأن التخوين طريقٌ إلى الوحدة…
إلى الإخوة في الحراك الكوردي، إلى أبناء شعبنا، إلى الشارع الكوردي الذي عانى حدّ الويلات…
لنتأمل العبرة من هذه الجدلية في ساحات الصراع، ومن قدرة الأنظمة على تجاوز خلافاتها حين تقتضي المصلحة ذلك.
إن المطالبة بوحدة الموقف الكوردي لا تُبنى بالعنف اللفظي، ولا بالتحريض في الميادين، بل بالحوار العقلاني والاحتكام إلى قواعد الديمقراطية. فالوحدة التي تُفرض بالقهر تنهار عند أول اختبار، والوحدة التي تُصاغ بالإقصاء لا تنتج إلا انقسامًا أعمق. كيف نطالب بوحدةٍ ونحن نحاصر بعضنا بمنطق التخوين، ونستبدل النقاش بالتشهير؟
إذا كان الآخر، رغم تناقضاته، يعرف كيف يقدّم رابطته الكبرى حين تقتضي المصلحة، فلماذا نظل نحن أسرى انقساماتنا؟ الوحدة ليست شعارًا يُرفع، بل ثقافة تُمارس. والحكمة ليست ضعفًا، بل أعلى درجات القوة السياسية.
ولنلاحظ كيف تقدّم تركيا نفسها كحالة خاصة؛ فهي لا تسمح باستخدام قواعدها إلا ضمن مظلة الناتو، وإيران لا تتجرأ على تجاوز هذا الخط الأحمر، لأن ذلك يعني نقل الصراع إلى مواجهة شاملة. هنا تتقاطع البراغماتية مع التآلف الديني والسياسي في آنٍ واحد. تلك هي السياسة الواقعية: فنّ الممكن، الذي يُدار بعقل بارد لا بعاطفة متأججة.
للأسف، نحن في الحراك الكوردي نحلل الأحداث ونتابعها، لكننا غالبًا لا نُسقط على أنفسنا درس الحكمة. نختلف فنهاجم ونخوّن، ونادرًا ما نبحث عن نقاط التقاطع لردم هوة الخلاف. نردّد دائمًا أن “الكورد لا يتفقون”، وكأنها حتمية تاريخية. غير أن المشكلة ليست في عمق الخلاف، بل في طريقة إدارته. خلافاتنا العائلية والعشائرية كانت يومًا دامية، واليوم ارتقت خلافاتنا إلى مستوى سياسي دولي، لكن السلوك بقي ذاته؛ ارتفع الوعي، ولم ترتفع معه قدرتنا على إدارة التباين. وكأن اتساع الأفق عندنا يقابله اتساع في الشروخ.
ومن غرائب واقعنا أن العامل الخارجي يتحول إلى وسيط رحمة بيننا؛ ننتظر ضغطًا أمريكيًا أو إقليميًا ليفرض علينا التآلف. فهل هو خوف من القوى الكبرى، أم نزعة إلى تصغير الذات أمام الآخر؟ ألسنا قادرين، إن أحسنا قراءة ذواتنا، على توليد طاقة إيجابية تكفي لبناء الحد الأدنى من التوافق؟ الأمم التي تنهض لا تلغي خلافاتها، بل تنظّمها، والسياسة تبدأ حين نعترف بتعددنا ونديره بحكمة، لا حين ننكره أو نحوّله إلى ساحة صراع.
إن تناسي الخلافات في مراحل التحرر ليس صرخة عاطفية، بل ممارسة عقلانية. والحكمة ليست ضعفًا، بل أعلى درجات القوة. فإذا أردنا أن نكون فاعلين في معادلات الإقليم، فعلينا أولًا أن ننتصر على نزعاتنا الداخلية، وأن نحسن إدارة اختلافنا، قبل أن نطالب الآخرين باحترام وجودنا.
الولايات المتحدة الأمريكية
1/3/2026م
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=84032






