أربيل توقد المعنى قبل الشعلة

مهند محمود شوقي

في كل عام، ومع حلول عيد نوروز، لا يقتصر المشهد على طقوس احتفالية أو إشعال نار فوق قمم الجبال، بل يتجدد سؤال أعمق: لماذا ما زالت هذه الشعلة حيّة في وجدان الكرد رغم قرون من الانكسارات؟ ولماذا تتحول في كل مرة إلى فعل سياسي بامتياز، يتجاوز الرمزية نحو إعادة تعريف الهوية؟
حين يوقد مسعود بارزاني شعلة نوروز، فإن المشهد لا يُقرأ بوصفه طقساً تقليدياً، بل كرسالة مركّبة: استمرارية القضية، وثبات الهوية، وإعادة إنتاج الأمل في زمن تتكاثر فيه الأزمات. فالإقليم اليوم، وتحديداً إقليم كوردستان، يقف عند تقاطع حساس بين التحديات الأمنية، والضغوط الاقتصادية، والتوترات السياسية مع بغداد، فضلاً عن التحولات الإقليمية التي لا ترحم الكيانات الهشة.


ولم يكن اختيار قلعة أربيل لإيقاد شعلة نوروز حدثاً عابراً، بل يحمل دلالات عميقة. فهذه القلعة، التي تُعد من أقدم المواقع المأهولة في العالم، تختصر تاريخاً طويلاً من الصمود والاستمرارية. إنها ليست مجرد معلم أثري، بل رمز لذاكرة مدينة قاومت الزمن والحروب، وبقيت شاهدة على تحولات المنطقة.
أربيل ليست فقط مدينة تاريخية، بل نموذج حيّ للتعايش. على مرّ العقود، احتضنت النازحين واللاجئين من مختلف مناطق العراق والمنطقة، خاصة خلال الحروب والأزمات، لتتحول إلى ملاذ آمن لكل من ضاقت به الأرض. هذا الدور الإنساني لم يكن طارئاً، بل امتداداً لهوية مدينة عُرفت بالتسامح والانفتاح.
في أربيل، تتجاور المكونات دون استثناء: الكرد، العرب، التركمان، والمسيحيون بمختلف طوائفهم. هذه التركيبة لم تتحول إلى مصدر صراع، بل إلى عامل قوة، حيث أصبح التعايش جزءاً من هوية المدينة السياسية والاجتماعية. لذلك، حين تُشعل شعلة نوروز هنا، فهي لا تعبّر عن قومية واحدة فقط، بل عن فكرة أوسع: إمكانية العيش المشترك في منطقة مثقلة بالانقسامات.
هذا الحضور لم يأتِ من فراغ، بل تعزز عبر دور مسعود بارزاني، الذي شكّل مع قوات البيشمركة ركيزة أساسية في حماية الإقليم. فقد وقفت البيشمركة، في أصعب اللحظات، كخط دفاع أول، وقدمت تضحيات جسيمة، جعلت من أجساد مقاتليها دروعاً حقيقية لحماية كوردستان من الانهيار، خصوصاً في مواجهة التهديدات الوجودية.


وفي موازاة هذا الدور الأمني، برزت مرحلة جديدة من البناء والإعمار، يقودها مسرور بارزاني، حيث شهدت أربيل والإقليم مشاريع تنموية ملحوظة، من شق الطرق الحديثة، إلى بناء الجسور، وإنشاء السدود، وتوسيع البنية التحتية. هذه الإنجازات لا تُقرأ فقط كتحسينات خدمية، بل كجزء من مشروع ترسيخ الاستقرار وتحويل الإقليم إلى نموذج قابل للحياة والاستمرار.
نوروز، في جوهره، ليس مجرد عيد. إنه رواية قديمة عن كسر الطغيان، تستحضر أسطورة كاوا الحداد الذي أشعل النار إعلاناً لنهاية الظلم. هذه السردية، التي تعود إلى عمق التاريخ الكردي، لم تفقد معناها، بل أعادت إنتاج نفسها في كل مرحلة. فكما كانت النار قديماً إشارة للتحرر، أصبحت اليوم تعبيراً عن صمود سياسي في وجه محاولات التهميش أو الإلغاء.


في السنوات الأخيرة، واجه الإقليم اختبارات قاسية: من تداعيات استفتاء إقليم كردستان 2017، إلى الأزمات المالية المتكررة المرتبطة بملف النفط والميزانية، وصولاً إلى التهديدات الأمنية التي تتخذ أشكالاً جديدة، مثل الهجمات بالطائرات المسيّرة. هذه الوقائع لم تُضعف الرمزية النوروزية، بل زادتها كثافة، لأن الشعوب في لحظات الضغط تعود إلى جذورها بحثاً عن المعنى.
في هذا السياق، يصبح خطاب نوروز دعوة صريحة لإعادة ترتيب البيت الداخلي. فالتحدي لم يعد خارجياً فقط، بل داخلي أيضاً، حيث تتقاطع الانقسامات السياسية مع الضغوط الاقتصادية لتخلق بيئة هشة. وهنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته “عقلانية نوروز”، أي استلهام فكرة البداية الجديدة، لا كشعار بل كبرنامج عمل.


اليوم، وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية، لم يعد كافياً التمسك بالرمزية دون ترجمتها إلى سياسات. فالشعلة التي تُضاء على الجبال يجب أن تنعكس في مؤسسات قوية، واقتصاد مستقر، وخطاب سياسي موحد. لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قضية ليس العداء الخارجي، بل التآكل الداخلي.
نوروز هذا العام، في عام 2726 كردي، يأتي في لحظة اختبار حقيقية. فإما يتحول إلى محطة لإعادة بناء الثقة بين القوى السياسية، أو يبقى مجرد طقس يتكرر دون أثر. وبين هذين الخيارين، يقف مستقبل الإقليم.

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top