في الواقع السوري الراهن، بتعقيداته وتشابك معطياته، حيث تتقاطع خصوصيات المجتمعات المحلية مع تطلعات إعادة بناء الدولة، تبرز محافظة السويداء بوصفها مساحة لإعادة تعريف مفهوم المواطنة. هنا، لا يعود هذا المفهوم محصوراً في أطره النظرية التقليدية، بل يتجسد كقيمة حية تجمع بين الاستقلالية المحلية والانتماء الوطني الشامل، قائمة على الكرامة والتضامن، وقادرة على حماية الهوية دون الانعزال عن المحيط السوري، وتحويل رفض الظلم إلى ممارسة يومية تعزز الثقة والعدالة.
في هذا السياق، تتصاعد دعوات لقراءة ما جرى في السويداء بوصفه مدخلاً لفهم أوسع للتحولات السورية، حيث تتحول المواطنة إلى منهج وطني، وتُطرح اللامركزية كخيار يعزز بناء دولة ديمقراطية تعددية، بدلاً من أن يُفهم بوصفه اتجاهاً نحو الانفصال، بما يفتح المجال أمام إعادة الاعتبار لحقوق السوريين وكرامتهم.
يؤكد جمال سويدان، وهو صحفي وناشط سياسي من السويداء، أن الأحداث التي شهدتها المحافظة تشكل دافعاً حقيقياً لإعادة النظر في جملة المفاهيم التي تؤطر المشهد السوري. ويرى أن مفهوم المواطنة لدى أهالي السويداء يتجاوز التعريفات الرسمية، إذ يقول: إن المواطنة لا يمكن حصرها في إطار العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة، بل هي “رؤية حية تجمع بين الاستقلالية المحلية والانتماء الوطني الشامل، مبنية على قيم الكرامة والتضامن والرفض الجذري للظلم”.
ويضيف سويدان أن هذه الرؤية، المشبعة بتراث الثورات والمقاومات، تنظر إلى المواطنة بوصفها “درعاً يحمي الهوية الدرزية دون أن يقطع الصلة بالسوريين الآخرين”، حيث تتحول إلى مسؤولية مشتركة تجعل كل فرد حارساً للجماعة، يدافع عن حقوقه ويحترم حقوق الآخرين، ضمن سياق يتجاوز الانقسامات الطائفية نحو بناء دولة عادلة. ويشدد على أن المواطنة ينبغي أن تُمارس كثقافة يومية، من خلال المشاركة في حل النزاعات المحلية، ومواجهة الفساد، والحفاظ على التنوع بوصفه مصدر قوة، بما يجعل من الخصوصية المحلية رافعة وطنية.
وفي قراءته للسياق السوري الأوسع، يرى سويدان أن تعقيدات المرحلة، وما خلفته الحرب من فوضى وإرث ثقيل، تفرض تعزيز مفهوم المواطنة كمدخل لإعادة بناء الدولة. ويؤكد أن ذلك يتطلب إطلاق حوارات سورية-سورية تركز على اللامركزية، وتعزز قيم العدالة والمساواة، مع الحفاظ على خصوصيات المجتمعات المحلية والنسيج الاجتماعي القائم على الثقة المتبادلة. ويشير إلى أن التحديات الراهنة تستدعي مسارات جديدة ترتكز على احترام حقوق الإنسان، معتبراً أن تعزيز المواطنة هو عملية وطنية غايتها الوصول إلى سوريا ديمقراطية تعددية لامركزية.
ويختم سويدان بالقول: إن التحديات لا تزال كبيرة، إذ يخشى البعض من أن تتحول المواطنة إلى “فخ للاستلاب الاجتماعي”، إلا أنه يرى، رغم ذلك، أن تعزيزها يشكل ضرورة سياسية لتأسيس وطن متماسك “يعيد لنا كرامتنا الجماعية في زمن الضياع”.
من جانبها، تؤكد لينا سلمان، وهي ناشطة مدنية ومنسقة حملات حقوقية محلية في السويداء، أن المواطنة بالنسبة لأهالي المحافظة ليست مفهوماً نظرياً، بل ممارسة يومية في مواجهة الظلم. وتقول: “في احتجاجاتنا السابقة والحالية رفعنا شعار كلنا سوريون، ليس كشعار دعائي، بل كرد مباشر على التهميش الحكومي على مختلف المستويات”.
وترى سلمان أن المواطنة تمثل فعل مقاومة للدفاع عن الحقوق الجماعية، لكنها في الوقت ذاته يجب أن تتجاوز الانتماءات الضيقة لتتحول إلى رؤية وطنية قادرة على مواجهة سياسات الإقصاء. وتضيف أن الواقع السوري يشهد أشكالاً من اللامركزية الفعلية، كما في السويداء، حيث طورت المجتمعات المحلية آلياتها الخاصة لإدارة شؤونها، من خلال لجان شعبية لتنظيم توزيع المساعدات والحفاظ على الأمن المحلي، وهو ما يعكس، بحسب وصفها، نموذجاً للمواطنة الفاعلة.
وتتابع سلمان أن هذه الممارسات لم تقتصر على الجانب الخدمي، بل امتدت إلى المجال الاقتصادي، حيث بادر الأهالي إلى إنشاء أسواق تعاونية لمواجهة الغلاء، مع رفض الاعتماد على قوى خارجية مسلحة، في محاولة لبناء نموذج محلي قائم على الاعتماد الذاتي. وتشير إلى أن هذه التجارب، رغم التحديات، تفتح المجال أمام بلورة مفهوم مواطنة يرتبط بالمكان، دون أن ينفصل عن الإطار الوطني.
وتؤكد سلمان أن أهمية المواطنة في السياق السوري، عموماً، وفي السويداء على وجه الخصوص، تكمن في قدرتها على إعادة بناء النسيج الاجتماعي ومواجهة مظاهر الفوضى والإقصاء. وتوضح أن المواطنة، كما تُمارس في السويداء، تجمع بين تسوية النزاعات المحلية وابتكار بدائل اقتصادية واجتماعية، بما يقدم نموذجاً قابلاً للاستلهام في مناطق سورية أخرى تعاني من انهيار مؤسساتي.
وتختم سلمان بالقول: إن تعزيز المواطنة يتطلب حواراً وطنياً قائماً على الثقة المتبادلة، تتحول فيه الخصوصيات المحلية إلى عناصر قوة في بناء الدولة، بعيداً عن الاستبداد والطائفية، بحيث تصبح المواطنة جسراً يربط بين اللامركزية الفاعلة والانتماء الوطني، ويحقق كرامة جماعية للسوريين.
ختاماً، تكشف الرؤيتان الصادرتان من السويداء عن إدراك متزايد لمرحلة انتقالية مفصلية في سوريا، تتحول فيها المبادرات المحلية من أدوات للدفاع عن الخصوصية إلى أسس لإعادة بناء نسيج وطني متماسك. ويبرز هذا النموذج الحاجة إلى حوار وطني يعيد بناء الثقة، ويعزز اللامركزية بوصفها إطاراً داعماً للمواطنة الفعلية. وفي مواجهة مخاوف الاستلاب والتفكك، يظل ترسيخ المواطنة خياراً سياسياً ضرورياً لاستعادة الكرامة الجماعية، ولبناء دولة سوريا ديمقراطية تعددية، تقوم على المشاركة اليومية وتحويل التحديات إلى فرص لتماسك مستدام.
عمر صحناوي-السويداء
المصدر: مجلس سوريا الديمقراطية “مسد”
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=86335
مقالات قد تهمك











