د. محمود عباس
ورغم قناعتنا التامة بأن هذه الترهات لن تهزّ ركيزة الأمة الكوردية، لأنها والجغرافيا كتلة واحدة لا تنفصل، فإن الرد عليها يبقى ضرورة أخلاقية وثقافية. ليس لأننا نخشى على الحقيقة من السقوط، بل لأن تعرية الفاسدين أمام مجتمعاتهم واجب، ولأن تركهم يعبثون بالتاريخ بلا ردّ يمنحهم وهم الشرعية. غايتنا ليست النزول إلى مستنقعهم، بل كشفه، لعلّ الساحة الثقافية تتطهر يومًا من هذا العبث، وتقتلع من داخلها أولئك الذين لا يملكون ما يقدمونه سوى التشويه، والإنكار، وتسميم العلاقة بين الشعوب.
ومن هذا الباب تحديدًا، ظهر في السنوات الأخيرة بعض فضائح المستعربين من السوريين والعراقيين حصراً، وهم يلوكون ترهات تاريخية عن أصول الشعب الكوردي ووجوده في جغرافيته التاريخية. لم يكتفِ هؤلاء بنفي القضية الكوردية سياسيًا، ولا بترديد لغة السلطات التي أنكرت حقوق الكورد طوال قرن كامل، بل ذهبوا أبعد من ذلك، إلى محاولة نفي الوجود الكوردي نفسه من جذوره، بعدما بدأ الشعب الكوردي يخرج إلى الساحة العالمية من أبوابها السياسية والثقافية والأكاديمية، وبعدما بدأت مسيرة تصحيح تاريخ شعوب المنطقة، وفي مقدمتها تاريخ الشعب الكوردي الذي شُوّه على مدى قرون بأقلام السلطة والغزاة والمؤرخين المأجورين. وهو ما دفعنا إلى نشر كتاب بعنوان: «مصداقية المثقف العربي»، سعياً إلى تعرية تلك الشريحة الفاسدة التي تعبث بوعي الشارع العربي والإسلامي، وتحوّل الثقافة إلى أداة تضليل بدل أن تكون طريقًا إلى الحقيقة.
وهذا ما تفعله اليوم شريحة من المستعربين والعروبيين السوريين حين يروّجون أن الكورد في غربي كوردستان مهاجرون إلى سوريا، متناسين أن القبائل والعشائر الكوردية كانت تسكن جغرافيتها التاريخية قبل أن تُقتطع هذه الأرض من كوردستان الكبرى وتُدرج قسرًا ضمن كيان سوري تشكّل بقرار خارجي، لا بإرادة شعوب المنطقة. فالكورد لم يأتوا إلى سوريا، بل جاءت سوريا الحديثة إلى أرضهم بعد أن رسمت خرائطها مصالح الاستعمار وحدود الانتداب.
ومن هنا يصبح تشويه التاريخ الكوردي القديم مدخلًا لتشويه الحاضر؛ فإذا نجحوا في قطع صلة الكورد بالميديين والساسانيين والحوريين والميتانيين، انتقلوا إلى قطع صلتهم بعفرين، وكوباني، والجزيرة، وسري كانيه، وهولير، والسليمانية، ومهاباد، وديار بكر، وزاغروس. فالغاية ليست نقاشًا تاريخيًا بريئًا، بل مشروع إنكار متكامل: نزع الجذر من الماضي، ثم نزع الحق من الحاضر، ثم تقديم الشعب الكوردي كطارئ على جغرافيا كان أحد أقدم مكوّناتها.
لقد تحوّل بعض هؤلاء إلى صُنّاع سرديات موبوءة، لا علاقة لها بالبحث التاريخي ولا بالمنهج العلمي، بل تنتمي إلى مخيلة أيديولوجية مأزومة، تبحث في أي ركام لغوي أو جغرافي لتصنع منه تاريخًا عربيًا مفترضًا في كل أرض وصلتها لاحقًا الغزوات العربية–الإسلامية. ومن فرط ضحالة هذا المنطق، بلغ ببعضهم الادعاء أن جغرافية كوردستان كانت أرضًا عربية، حتى إذا سُئل أحدهم: أين العرب في ديار بكر؟ لجأ إلى حكاية أكثر سذاجة، كما فعل الدكتور محمد القبيسي، حين زعم أن سيف الدولة الحمداني أباد قبيلتي بني عقيل وبني بكر عن بكرة أبيهما، وأن من نجا منهما هرب إلى المناطق الرومانية واعتنق المسيحية، ثم جاء الشعب الكوردي مهاجرًا من خارج الجغرافيا وسكنها.
وكأن إبادة قبيلتين، لو صحت أصلًا، تكفي لتفسير غياب شعب كامل، أو حضور شعب آخر على امتداد جغرافيا عميقة وقرون متراكمة. والأغرب أنه لا يسأل نفسه: إذا كانت تلك القبائل عربية في العصر الإسلامي، وكانت الخلافة العباسية حاضرة، والإمبراطورية ذات طابع إسلامي واسع، وكانت هناك، كما يزعم، أراضٍ عربية خارج الجزيرة العربية، فلماذا لم تهاجر تلك القبائل إلى هذه الأراضي العربية المفترضة؟ ولماذا كان الهروب، في روايته، إلى مناطق الروم لا إلى فضاء عربي مزعوم؟
هنا لا نكون أمام قراءة تاريخية، بل أمام حكاية مرتجلة، تكشف هشاشة صاحبها أكثر مما تكشف شيئًا عن تاريخ ديار بكر أو كوردستان. فهل توجد سذاجة تاريخية أضحل من رواية تريد أن تفسّر غياب العرب وحضور الكورد بأسطورة إبادة، وهروب، وتنصّر، وهجرة، بلا سند متين ولا منطق تاريخي؟
هذه ليست قراءة للتاريخ، بل عبث بالتاريخ. إنها لا تختلف كثيرًا عن سرديات الحكواتية وكتب السيرة الشعبية، حيث تختلط الأسطورة بالغرور، ويتحوّل الخيال إلى وثيقة، والحقد القومي إلى “مصدر”. ومن هذا الباب ذاته تأتي محاولة ربط الأراميين والكلدانيين والبابليين والعرب في سلسلة واحدة، وكأن كل شعوب الشرق القديم لم تكن سوى مقدمات للعروبة، وكأن التاريخ وُلد فقط ليخدم سردية قومية متأخرة. وهي محاولة واهية لا تقل تهافتًا عن ربط شعوب العرق الآري كلها ببعضها لإنتاج مجدٍ مصطنع على حساب الحقائق.
ومن غرائب هذا العبث أن بعضهم، أمثال خزعل الماجدي، يتباهى بالخوض في التاريخ والحضارات القديمة، مع أن أدواته المنهجية كثيرًا ما تكشف اضطرابًا واضحًا حين يتناول التاريخ الكوردي. فهو ينفي وجود حضارة كوردية بحجة أن الكورد، بحسب زعمه، لم يُعرفوا إلا بهذا الاسم المتأخر، وكأن أسماء الشعوب في التاريخ القديم كانت ثابتة لا تتبدل، أو كأن الأمة لا تملك امتدادًا حضاريًا إلا إذا حملت الاسم ذاته في كل العصور. وقد ردّ عليه في حينه الكاتب والمؤرخ محمد المندلاوي، وفنّد مقولاته، وكشف هشاشة مفاهيمه، في عشرات المقالات المسنودة بالمصادر الرصينة، وبأسلوب أكاديمي متين، لذلك لا يحتاج الأمر هنا إلى إعادة الرد المطوّل، بقدر ما يحتاج إلى الإشارة إلى فساد المنهج ذاته.
يتبع …
الولايات المتحدة الأمريكية
1/6/2026 م











