سوريا: عام على التغيير السياسي ومناطق “نبع السلام” تمنع عودة مُهجّريها

تكبير الصورة

تم إنجاز هذا العمل بدعم من الاتحاد الأوروبي وبالشراكة مع “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights” . إن محتويات هذا المنشور هي مسؤولية “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” فقط/الجهة الناشرة،  ولا تعكس بالضرورة آراء “الاتحاد الأوروبي” وآراء “مركز سيسفاير لحقوق المدنيين/ Ceasefire centre for civilian rights”.

     1. مقدمة:

شكل سقوط النظام السوري في أواخر عام 2024 منعطفاً تاريخياً ترقّب معه ملايين النازحين/ات والمهجّرين قسراً إمكانية العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي حُرموا منها لسنوات.

مع مرور عام كامل على هذا التحول، وإصدار وعود رئاسية من دمشق تدعو إلى سياسة “صفر مخيمات وصفر نزوح” وتؤكد حق العودة، لا يزال ملف المهجّرين قسراً من مناطق عملية “نبع السلام” رأس العين/ سري كانيه وتل أبيض/كري سبي يراوح مكانه، بل يبدو مغلقاً في وجوههم مقارنة بمناطق أخرى؛ نتيجة الفجوة الملحوظة بين الخطاب السياسي والبيئة الأمنية الفعليّة.

توزع المهجرون في مناطق متعددة داخل شمال وشرق سوريا وخارجها، بما في ذلك مدن محافظة الحسكة وإقليم كردستان العراق. وشكل مخيما واشو كاني (التوينة) وسري كانيه أبرز مراكز استضافة مهجري رأس العين/سري كانيه، حيث ضما معاً أكثر من 32 ألف شخص خلال السنوات اللاحقة، أما مهجرو تل أبيض/كري سبي فتوجهوا بصورة رئيسية إلى مدينة الرقة وبلدة عين عيسى ومخيم تل السمن، الذي استضاف وحده نحو 7000 شخص وفق بيانات منظمات غير حكومة محلية.

حتى حزيران/يونيو 2026 لا تتوفر إحصاءات رسمية موثوقة حول أعداد العائدين إلى المنطقتين بعد سقوط النظام السابق في سوريا، غير أن المؤشرات المتاحة تفيد بأن العودة ما تزال محدودة للغاية، إذ تحدثت تقارير عن عودة تدريجية لبعض العائلات، بينما لا تزال آلاف العائلات الكردية تنتظر توفر ضمانات أمنية كافية قبل اتخاذ قرار العودة.

لم تبدي الحكومة السورية الانتقالية خطة واضحة بشأن إعادة مهجري المنطقتين أو إعادة الممتلكات هناك إلى أصحابها، سوى ما كشف عنه عضو الفريق الرئاسي السوري لتنفيذ الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الدكتور مصطفى عبدي، في مقابلة خاصة مع شبكة “رووداو” الإعلامية، أنه “يجري الإعداد حالياً لعودة ما يقارب 12 ألف عائلة من سري كانيه إلى ديارهم وممتلكاتهم بسلام وكرامة”.

وعلى الرغم من الإيجابية النظرية الشاخصة في تصريح الفريق الرئاسي، إلا أنه يصطدم بجدار الواقع الميداني؛ إذ يفتقر هذا الإعلان إلى أي “آلية تنفيذية” أو هيئة قضائية مستقلة على الأرض لرد المظالم العقارية. ويعكس التصريح تناقضاً حاداً بين الدعاية السياسية الموجهة للإعلام، وبين المعطيات الموثقة داخل أروقة الحكومة الانتقالية نفسها، والتي تشير تقاريرها الداخلية والشفوية إلى تقديم نصائح وتوصيات للنازحين الكرد بـ “التريث وعدم العودة حالياً” لعدم قدرة الأجهزة الأمنية المركزية (الأمن العام) على بسط سيطرتها الفعلية في مواجهة نفوذ المجالس المحلية القديمة والفصائل المستفيدة من عوائد الاستيلاء العقاري والزراعي.

كذلك تواردت أنباء عن اجتماع عقد في مدينة سري كانيه/رأس العين في 6 من حزيران/يونيو 2026، فبحسب ما نشره موقع قناة “ولات تي في: فأن الاجتماع ضم قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة العميد مروان العلي، والعميد محمود خليل، ومدير المنطقة عبدالله الجشعم، ومدير الأمن محمود صالح.

وأشار الخبر إلى “تأكيد” المجتمعين على أن “الأولوية الحالية تتمثل في تسريع أعمال إزالة الألغام والمخلفات الحربية، بهدف تأمين المناطق السكنية والزراعية وتهيئة الظروف المناسبة لعودة الأهالي، وذلك وفق اتفاق 29 كانون الثاني“. بالإضافة إلى مناقشة سبل تعزيز دور الأمن الداخلي وإعادة تفعيل مؤسساته بما يدعم الاستقرار والأمن في المنطقة”. تأتي هذه التصريحات وسط مخاوف محلية حقيقية بأنّ تكون مخرجات هذا الاجتماع والحديث عن تهيئة الظروف لعودة الأهالي لا تعدو كونها محاولة أخرى لشرعنة الأمر الواقع وتصدير واجهة إدارية شكلية للمنطقة. إذ يغلب على هذا الخطاب التركيز على العوائق التقنية والمادية كـ”الألغام والمخلفات الحربية”، مع تجاهل تام للعوائق البنيوية والأمنية الحقيقية المتمثلة في شبكات المصالح الفصائلية وسياسة “الفديات العقارية” والتمييز القومي التي تمارسها المجموعات العسكرية ضد العائدين.

يهدف هذا التقرير المحدث إلى تفكيك الأسباب البنيوية والأمنية والقانونية التي تحول دون عودة السكان الأصليين لا سيما الكرد والعرب المهجرين إلى منطقة محور رأس العين/سري كانيه – تل أبيض/كري سبي، مسلطاً الضوء على استمرار انتهاكات حقوق السكن والملكية، ومأسسة الابتزاز المالي، وغياب الضمانات الأمنية التي تحمي العائدين من الانتقام، فضلاً عن تقييم طبيعة الاندماج المعلن بين الهياكل الفصائلية المحلية والحكومة الانتقالية.

     2. خلفية وسياق سياسي وأمني (2025 – 2026)

تسببت العملية العسكرية التركية وفصائل “الجيش الوطني” في تشرين الأول/أكتوبر 2019 في تهجير  أكثر من 176 ألف شخص حتى أواخر تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه وفق تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية(OCHA) ، كما أبلغت وكيلة الأمين العام للشؤون الإنسانية مجلس الأمن أن الهجوم أدى إلى نزوح نحو 180  ألف شخص من المناطق الحدودية، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال من المدينتين وريفيهما.

وعقب سقوط نظام الأسد، أعلن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع عن إمكانية عودة كل نازح إلى بيته دون شروط. إثر ذلك، بدأت ملامح سحب تركيا ليدها تدريجياً عبر إيقاف دفع رواتب العسكريين  بعد دمجهم في وزارة الدفاع السورية، وإزالة بعض المظاهر البصرية مثل مكاتب البريد التركي  PTT، وارجاع أعضاء مكتب التنسيق التركي في سري كانيه/رأس العين إلى  الداخل التركي، لكنها أبقت على سلطتها في الخلف تاركة السيطرة الظاهرية للدولة السورية، وفق الشهادات التي تم توثيقها.

تحولت مسميات الفصائل إلى  الجيش العربي السوري، والشرطة المدنية والعسكرية إلى الأمن العام عبر ارتداء بدلات عسكرية موحدة تحمل الهوية البصرية الجديدة للدولة وإعلان الاندماج، إلا أن إفادات الشهود ربّما تكشف “شكلية” هذا التحول مع احتفاظ الفصائل ببنيتها وقياداتها ومواقعها الحساسة، كذلك أفادت المصادر بأن الفصائل لا تزال تتلقى توجيهاتها من جهات تركية، وهو ما يعزز الانطباع باستمرار النفوذ التركي في المنطقة، إلى جانب بقاء القواعد التركية العسكرية، مثل القاعدة المحدثّة في قرية كوبرلك وقواعد عريشة وباب الفرج والداوودية وعقربة محطة علوك، وتل أخضر.

     3. المنهجية:

يعتمد هذا التقرير على سبعة لقاءات وإفادات معمّقة أُجريت في شهري نيسان/أبريل وأيار/مايو 2026 مع نازحين من مختلف المشارب، بينهم محامين وتجار من أبناء مدينتي رأس العين/سري كانيه وتل أبيض/كري سبي، منتشرين في القامشلي وديريك/المالكية وريف تل أبيض /كري سبي والرقة، تم توثيق الشهادات بناءً على زيارات ميدانية استطلاعية قام بها بعض الشهود لمعاينة ممتلكاتهم بعد التغيير السياسي الأخير. ولضمان سلامتهم الشخصية، تمّ حجب الهويات الكاملة لبعضهم ومطابقة إفاداتهم مع الوقائع الميدانية.

كما حصل الباحثون/ات على موافقة مستنيرة من جميع المشاركين/ات، بعد توضيح طبيعة المشاركة الطوعية، وأغراض استخدام المعلومات، بما في ذلك نشر هذا التقرير. وبناءً على طلبهم، تم استخدام أسماء مستعارة وإخفاء أي تفاصيل قد تكشف عن هوياتهم، نظراً للمخاطر الأمنية المحتملة.

     4. العوائق البنيوية والأمنية المانعة للعودة:

من خلال السرديات الشفوية والمعاينة المباشرة للشهود، تظهر العديد من العوائق غير الشكلية التي تجعل عودة المهجرين شديدة الصعوبة

أولاً: التضييق الجغرافي وإغلاق الطرق الرئيسية:

على الرغم من الإعلان الرسمي في آذار الماضي عن إعادة فتح الطريق الدولي M4 بين محافظتي الحسكة وحلب في جزئية طريقي (سري كانيه/رأس العين – تل تمر) و(سري كانيه/ رأس العين – الدرباسية) اللذين أغلقا إثر العملية العسكرية التركية “نبع السلام”، إلا أن هذين الطريقين الحيويين لم يدخلا حيّز التشغيل الفعلي حتى تاريخ إعداد هذا التقرير بداية حزيران/يونيو 2026، ولا يزال استخدامهما متعثراً بشكل كبير وتنتشر عليهما النقاط العسكرية.

يُجبر الراغبون في معاينة منازلهم في سري كانيه/رأس العين على سلوك طرق فرعية طويلة تبدأ من “تل تمر” صعوداً إلى حاجز “صوامع عالية” على الطريق الدولي M4 كمنفذ وحيد متاح. وتخضع العائلات عند الحواجز لإجراءات أمنية مهينة تُلزمهم بوضع هوياتهم على صدورهم لتصويرهم مع سياراتهم وتعميمها، مما يفرغ وعود دمشق بـ “تسهيل العودة” و”سياسة صفر مخيمات” من مضمونها الفعلي، وهو ما تؤكده الشهادات المتقاطعة التي وثقتها “سوريون”.

عن تجربته في الوصول إلى سري كانيه/ رأس العين خلال الأشهر القليلة الماضية يقول أحد أبناء المدينة المهجرين ويدعى دليار ميران واصفاً:

“عندما تريد الذهاب إلى رأس العين فإنك مضطر لأن تدخلها من طريق صوامع عالية على الطريق الدولي  M4 فقط، فالطريقين الرئيسيين الآخرين مغلقان أمام عودة الناس. لذلك نقول بإن الحكومة غير صادقة في قولها صفر نازحين وصفر مخيمات وما إلى ذلك”.

ويشير ميران إلى وجود عدة حواجز على الطريق بالقول:

” بالقرب من قرية دويرة هناك حاجز يُجبر المسافرون لوضع هوياتهم على صدورهم ومن ثم يتم التقاط الصور لهم وكذلك يقومون بتصوير السيارة التي يستقلها المسافرون”.

يؤكد الأمر ذاته شاهد آخر يدعى جوان خوشناف الذي زار المدينة قبل نحو شهر، حيث سلك الطريق ذاته حتى حاجز الدويرة حيث قال في إفادته ما يلي:

“استوقنا الحاجز كان يرفع العلم التركي إلا إن العناصر كانوا من أبناء المنطقة، أما العساكر الاتراك كانوا يتواجدون في الغرف التابعة للحاجز، رأيتهم بعيني. قاموا بتفتيش السيارة، وبعد السؤال عن وجهتنا قاموا بالتقاط صورة لنا في السيارة، وصورة أخرى لهوياتنا ورقم السيارة، ليتم تعميمها على جميع الحواجز في المنطقة”.

ثانياً: انتهاكات لحقوق الملكية:

أظهرت المعاينة الميدانية من قبل الشهود أن السرقات والانتهاكات العقارية جرت بشكل قد يبدو ممنهجاً؛ حيث تعرضت البيوت لعمليات إعادة بيع أو تغيير المواصفات دون استئذان من أصحابها.

يضيف خوشناف في هذا السياق قائلاً: “كل المنازل سرقت أبوابها ونوافذها ومنزل أحد أعمامي تم تسويته بالأرض بواسطة جرافة تريكس، لا أعرف لماذا، قد يكون لسرقة الطوب الاسمنتي منها والاخشاب. وكذلك منزل عمي الأخر أيضا. فبإمكانك القول إن أكثر من 95 في المئة من المنازل تم سرقة أبوابها ونوافذها وأحجارها وكابلات الكهرباء والعلب الكهربائية منها، حتى البياضات والمغاسل وصنابير المياه والخراطيم وكامل محتويات المنازل”.

وفي تل أبيض، رصد الشهود تحول حارات بأكملها (مثل حارتي الليل/الأكراد والجسر) إلى ما يشبه “معسكرات مغلقة” تقطنها قيادات وعناصر الفصائل الموالية لتركيا، والذين أحكموا سيطرتهم على الأملاك.

يقول أنور بوزو وهو مهجر قسري من تل أبيض بإنّ “حارة الأكراد، يسكنها قيادات وأعضاء الفصائل ومنتسبي الشرطة العسكرية والمدنية الذين دخلوا مع عملية نبع السلام وينحدرون من دير الزور والغوطة ومناطق أخرى. بعد سقوط نظام الأسد لم يتغير شيء على صعيد الفصائل، فقد أعلنت ولاءً شكلياً للحكومة الجديدة في دمشق في حين أنها بقيت في مواقعها، من غادر وعددهم قليل جداً هم نازحون مدنيون، أما من كان مرتبطاً بـعمل سواء ضمن الفصائل أو الشرطة فلم يترك أو يخلي أي بيت”.

كذلك أظهر مقطع فيديو خاص بـ”سوريون” مصور من قبل أحد المهجرين الذين عادوا إلى قريتهم القاسمية في ريف سري كانيه/رأس العين حجم الدمار الذي لحق ببيوت القرية، ويعدد المهجر العائد أسماء أصحاب البيوت التي هدمت ولم تسلم حتى مقبرة القرية من التخريب. الأمر ذاته من التخريب الممنهج كان واضحاً في مقطع مصور ورد لـ “سوريون” من قرية الصالحية التي تقع بين قريتي العريشة والمناجير.

ثالثاً: انتشار سياسة “الفديات العقارية:

عند محاولة الملاك الأصليين استعادة بيوتهم يواجهون غالباً بازارات ماليّة يفرضها الشاغلون العسكريون أو المدنيون  بذريعة أنهم اشتروا هذه البيوت من عناصر فصائل مغادرة أو دفعوا تكاليف لترميمها وتركيب منظومات طاقة شمسية. يتراوح الابتزاز المالي بين 500  إلى 3000  دولار أمريكي لإخلاء المنزل أو المحل.

يضيف خوشناف بهذا الصدد:

“أنا دفعت المال مقابل استعادة منزلي، في البداية دخلنا في بازار حول المبلغ وطلب مني 1500 دولار وأقسم لي بإنه دفع نفس المبلغ للمسؤول العسكري للقاطع، المنزل كان قد أفرغ من محتوياته تماماً فقط الأبواب والنوافذ لم يتم خلعها، في النهاية اتفقنا على أن أدفع له 500 دولار على أن يُبقي لي على ساعة الكهرباء وخزان المياه. بعد 10 أيام تقريبا استلمت منه منزلي”.

لفت خوشناف أن شاغل منزله أخبره أنه المشتري الخامس للبيت، أن الساكن السابق “سرق كامل محتوياته وكان يريد أن يأخذ الأبواب والنوافذ معه حتى باب الكبير للكراج”.

أما ريف تل أبيض/كري سبي مثل قرية بئر العرب وتل أحمر، فقد عاين العائدون بيوتاً مهدمة ومسواة بالأرض بالكامل بواسطة الجرافات؛ مما يضطر النازحين لدفع تكاليف جرف الركام دون القدرة على إعادة البناء. فيما من المتوقع أن تبدأ عمليات تسوية وضع الأراضي الزراعية المملوكة للكرد بعد انتهاء الموسم الزراعي الحالي غير أن واضعي اليد على هذه الأملاك يرفضون إخلاءها مستغلين نفوذهم القائم على تقديم رشاوي أو نسب مالية منتظمة للمجالس المحلية، وهو ما يمنحهم غطاءً شبه رسمي لتثبيت بقائهم ومنع أصحاب الأرض الأصليين من استعادتها.

يكشف الشاهد مجو خليل أنه زار عدد من المعارف والأصدقاء أرزاقهم في قرية تل أحمر وقرية باغه جاغ، إلا أن شاغلي أملاكهم رفضوا التحرك منها قبل نهاية الموسم الزراعي القائم بمجرد التعريف بأنفسهم بأنهم أصحاب هذه الأملاك. وأكّد الشاغلون: إذا رغبتم في التقدم بشكوى قانونية ضدنا فلا مانع لدينا، فنحن نقدم نسبة 12% من الإنتاج إلى المجلس المحلي في تل أبيض، وبالتالي الشكوى بلا جدوى”.

رابعاً: العنف المنفلت، الضرب، والتهديد المباشر بالقتل:

لا تقتصر العوائق على الجانب المالي، بل تصل أحياناً أحياناً إلى التهديد الوجودي المباشر، فقد  وثقت “سوريون” اعتداءً جماعياً دامياً جرى في وسط مدينة تل أبيض/كري سبي بحقّ شخصين من العائدين في شهر رمضان الفائت (آذار/مارس)، كما انتشرت مقاطع فيديو مسجلة (فيديو 1 / فيديو 2 / فيديو 3 / فيديو 4 / فيديو 5) من الحادث، حيث تعرّض مهجرون عائدون إلى المدينة هما (شرفان الرمو وخليل إسماعيل المعروف بخليل ميرزو) في زيارة عادية لهجوم عنيف من مجموعات محليّة قدر عددها بمئات الأشخاص أثناء تواجدهم في مطعم بالمدينة، وتم ضرب أحدهما بشكل مبرح وسحله وتكسير نظاراته وتمزيق ملابسه وكسر كتفه وسرقة ماله، فضلاً عن تحطيم سيارتهما المشتركة وجرها في السوق وحرقها بالكامل.

جاء الاعتداء بذريعة اتهامات كيدية مثل “الانتماء لقسد وزرع مفخخات، وكشف شاهد كان قريباً من الحادثة، يدعى حمد البرهو لـ “سوريون” بينما كان خليل يستفسر من شاغل إحدى محلاته عن الأوضاع لربما يفهم من تلقاء نفسه بأنه حان الوقت ليدفع الاجار أو يعيد المحل لأصحابه. تفاجئ أن سحبه شخص آخر وهو يحمل ساطوراً بيده ويخاطبه بلهجته البدوية: “ قسد ماذا تفعل هنا؟ أنت كردي ماذا تفعل هنا؟ “. مضيفاً:

“لم يمض وقت طويل حتى رأيت ما يقارب 200 شخص يحاولون دخول المطعم الذي دخله خليل وهجموا عليه، حتى اضطر بمساعدة أحد الطيبين أن يهرب من المكان ويلجأ إلى منزل عائلة من الوجهاء المحليين التي انبرت لحمايته. بينما تواصل مع صديق له في الشرطة العسكرية الذي جاء إلى المكان حالاً وتدخل بقوة السلاح وأخرج خليل من المنزل ونقله إلى مكان آمن”.

في حادثة أخرى، تعرّض مدني كردي عائد إلى المدينة  للضرب والشتم من شاغلي منزله وأقاربهم من الشرطة العسكرية في تل أبيض عند مطالبته بإخلاء منزله. إذ ادّعى أنه صرف الكثير من المال على البيت وركّب فيه ألواح طاقة شمسية وأجرى تصليحات عليه، كما طالبه بدفع 500 دولار، وحين رفض تهجموا عليه وشتموه وشتموا الكرد، معبرين عن “رفضهم لعودة الكرد إلى المدينة“. وفق ما سرده الشاهد أنور بوزو.

خامساً: الممارسات العنصرية وفرض الهيمنة العشائرية:

يسود مناطق “نبع السلام” مناخ تمييزي تغذيه عقلية فصائلية تراكمت على مدار السنوات الماضية. وأفاد جوان خوشناف أن العائدين يضطرون غالباً لإخفاء هويتهم القومية ويخافون حتى من التحدث باللغة الكردية في الأسواق. كذلك أشار إلى “الذهنية الفصائلية” التي مازلت مستمرة في المنطقة، كون يتألف كل فصيل غالباً من أبناء منطقة واحدة أو عشيرة واحدة  فأضاف أنه “باتت الأحياء مفرزة عائلياً وعشائرياً لصالح الوافدين مثل استيلاء عشيرة المشهور على أطراف تل أبيض، وانتشار مقاتلي الفصائل على حي خرابا، كما أقاموا حواجز خاصة على مدخل الحي تفتش هوية المارة وتسأل عن أسباب قدومهم إليه، في الوقت ذاته يمكن عد سكان المدينة الأصليين على أصابع الأيدي“.

كذلك أشار أنور بوزو إلى حادثة عودة أحد المهجرين إلى قريته المتاخمة لقرية السكرية التي سبق أن شهدت خلافات عشائرية عربية – كردية على خلفية مقتل أحد أبناءها إبان معارك تحرير تل أبيض/كري سبي من تنظيم داعش، وتجددت مع معارك سيطرة قوات الحكومة الانتقالية على الرقة، حيث شهدت القرية اشتباكات عنيفة بين قسد ومسلحين من القرية. فسحب بوزو فأن المُهّجر الكردي عاد إلى قريته وأملاك عائلته لكن ذلك قوبل بالاستياء من الجيران الآخرين الذين نُقل عنهم “تهامساً ونظرة تشكيك مفادها ماذا تعملون هنا، ولما أنتم (الكرد) عائدون؟”. وهو الخطاب ذاته الذي تكرر في حادثة الاعتداء على  العائد زكريا السّمان من قبل شاغل منزله وأقاربه في الشرطة العسكرية في تل أبيض الذين “تهجموا عليه وشتموه وشتموا الكرد”، معبرين عن “رفضهم لعودة الكرد إلى المدينة”. وفق ما سرده الشاهد أنور بوزو.

سادساً: مخاوف حول “شكلية” السيادة السورية:

منذ تشكليهما إدارياً تعيش منطقتي تل أبيض/كري سبي أولاً وسري كانيه/رأس العين بدرجة أقل قليلاً صراع الهوية والانتماء مع غياب الهوية الوطنية فعلياً،  فيما لم تؤدي سنوات الانتفاضة السورية سوى إلى اتساع الفجوة بين مكونات المنطقة، الأمر الذي بلغ ذروته مع عملية “نبع السلام” التي جعلت القرار السياسي والعسكري والإداري في المدينتين تركياً.

بعد انتهاء الحكومة الانتقالية من إعلان دمج القوى العسكرية والشرطية والأمنية في وزراتي الدفاع والداخلية، بدأت في تسلم السيطرة على المؤسسات الاقتصادية والإدارية والخدمية في معظم مناطق البلاد، وعينت المحافظين وانتدبت مندوبيها لإدارة كل منطقة وكان لهذين المنطقتين نصيبها من التعينات تلك، إلا أن الشهود الذين تحدثت إليهم “سوريون” نقلوا صورة عن واقع مختلف، منوهين إلى “شكلية” العلاقة والأدوار التي يلعبها المكلفون في الوقت الذي” بقي القرار فعلياً تركياً”، بحسب أقوالهم.

تقاطع معلومات الشهود مع المصادر المفتوحة في تعيين دمشق لمدير منطقة جديد في كلا المدينتين مع الإبقاء على المجالس المحلية التي كانت قائمة، إلى جانب تبديل أدوار بعض المسؤولين الآخرين مثل تعين المقدم محمود الصالح الملقب بـ “أبو صدام الخابوري” مديراً لمديرية الأمن الداخلي في رأس العين في حين أنه كان يشغل موقع مدير الشرطة العسكرية في المدينة ضمن التشكيلات السابقة في “منطقة نبع السلام”، كذلك تم تعيين عبدالله الجشعم مديراً للمنطقة الذي كان عضوًا في المجلس المحلي عام 2020 ومسؤولًا عن مكتب الإعلام فيه، ويحمل الجنسية التركية. وسبق أن تم اختياره ضمن اللجنة الفرعية لانتخابات مجلس الشعب في المدينة.

وفي هذا السياق، قال الشاهد أنور بوزو: “حاولت دمشق فرض العملة السورية في السوق المحلية بتل أبيض، وأبلغت مندوبي الخبز أن الدفع للفرن الآلي سيكون بها، لكن في اليوم التالي رفض الفرن تطبيق القرار وأصر على العملة التركية، التي لا تزال هي الرئيسية في المنطقة دون السورية”.

وأردف بوزو أيضاً:

” السبب الرئيسي الذي يمنعنا من العودة هو أن القوى العسكرية هناك لا تأتمر من دمشق بل من أنقرة، وهو ما يخلق خوفاً لدى الكرد، فلا أحد يضمن عودتك إذا كان الذي يشغل أملاكك عنصراً أو قائداً في فصيل ما. إلى من ستشتكي وأي قضاء سينصفك أو يعيد لك ملكك؟”.

إنّ أعلى سلطة إدارية (رسمياً) في المنطقة هي لمحافظ الرقة الذي التقى – وفق شهادات متقاطعة-  وفداً مدنياً من أبناء منطقة تل أبيض/كري سبي (المدينة والريف) ليبحثوا معه ملف عودة النازحين، لكنه تحدث لضيوفه في السياق أنه “حتى الآن لسنا مسيطرين فعلياً على تل أبيض لذلك يفضل أن لا يعود أحد من النازحين الكرد الآن“. كذلك أشار بوزو إلى أنّ “مصدر أمني آخر تواصلنا معه عبر المجلس الوطني الكردي في سوريا لبحث عودتنا، فطلب هو الآخر منا التريث“.

     5. تعليق ورأي قانوني:

تُمثّل الممارسات الموثّقة في هذا التقرير، من مصادرة لأملاك المهجّرين قسراً وفرض إتاوات مالية و”فديات عقارية” كشرط للإخلاء، انتهاكاً صارخاً ومباشراً لأحكام الإعلان الدستوري لعام 2025 الذي يضبط المرحلة الانتقالية في سوريا. إذ تنص المادة 16 منه على أن “حق الملكية الخاصة مصون، ولا تنزع إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل”.

علاوة على ذلك، فإن هذه الأفعال المرتكزة على التمييز القومي واللغوي، ومحاولات منع المواطنين الكرد من العودة إلى ديارهم، تنتهك ما تم النص عليه في المادة 10 من الإعلان الدستوري التي حظرت التمييز بين المواطنين على أساس العرق، أو الجنس، أو الدين، أو النسب، وأقرّت بالمساواة التامة بينهم في الحقوق والواجبات. ويتضاعف هذا الانتهاك الدستوري بالنظر إلى المادة 12 من الإعلان ذاته، والتي جعلت جميع الحقوق والحريات الواردة في المعاهدات والمواثيق الدولية التي صادقت عليها سوريا جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الدستورية الحاكمة للمرحلة الحالية.

ومن جانب آخر، تشكّل هذه الممارسات خرقاً علنياً للاتفاق المبرم بين الإدارة الذاتية والحكومة الانتقالية في دمشق (اتفاق الاندماج)، ولا سيما البند رقم 14 منه الذي نص صراحة على “تأمين عودة جميع النازحين إلى مدنهم وقراهم (عفرين، الشيخ مقصود، رأس العين/سري كانيه)، وتعيين مسؤولين محليين ضمن الإدارات المدنية في تلك المناطق”.

بناءً على ذلك، تقع على عاتق الحكومة الانتقالية مسؤولية قانونية مباشرة تُلزمها بإنفاذ هذا الاتفاق عبر كفالة العودة الآمنة والكريمة للمهجّرين واسترداد ممتلكاتهم المستولى عليها. ويتطلب ذلك إصدار أوامر وتعليمات حازمة للفصائل والتشكيلات العسكرية التي دُمجت رسمياً تحت مظلة وزارة الدفاع، ومحاسبة كافة المتورطين في هذه الجرائم أو المسهّلين لها؛ تفعيلاً لقانون العقوبات السوري الذي يجرّم في مادته رقم 723 الاستيلاء على عقار الغير دون سند قانوني.

وعلى الصعيد الدولي، يُعد حق السكن والملكية ركيزة أساسية محميّة بموجب المواثيق الدولية؛ حيث حرّمت المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تجريد أي شخص من ملكه تعسفاً. كما ألزمت المادة 5 من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري لعام 1965 (والتي صادقت عليها سوريا عام 1969) الدول الاطراف بضمان حق كل إنسان في التملك والسكن دون تمييز عِرقي أو قومي أو إثني. وتتطابق هذه الواجبات مع “المبادئ التوجيهية بشأن التشريد الداخلي“، والتي تحظر الحرمان التعسفي من الأموال والممتلكات، وتُحمّل السلطات الحاكمة المسؤولية الأولى في تهيئة الظروف الأمنية والقانونية لتسهيل العودة الطوعية للمشردين داخلياً، وعلى الدولة مساعدتهم في استرداد أموالهم وممتلكاتهم التي تركوها وراءهم أو انتزعت منهم وقت تشريدهم.

     6. التوصيات:

بناء على ما ورد في هذا التقرير وما تشكله تلك الممارسات من انتهاك للقوانين السورية والدولية، فإن هذا التقرير يوصي الحكومة الانتقالية الحالية بتنفيذ التزاماتها القانونية والأخلاقية من خلال الخطوات التالية:

  • تحويل التفاهمات النظرية الواردة في اتفاق الاندماج مع “قوات سوريا الديمقراطية” الخاص بملف عودة النازحين والمهجّرين إلى آليات تنفيذية ملموسة محددة بجدول زمني واضح.
  • إصدار أوامر عسكرية صارمة ومُلزمة للفصائل لإنهاء كافة العراقيل الميدانية أمام العائدين، وإحالة المتورطين في انتهاكات الملكية والابتزاز إلى محاكم تراعي مبادئ المحاكمات العادلة والمستقلة.
  • تشكيل لجان قضائية ومحاكم متخصصة في المناطق التي استهدفها التقرير، تتولى تثبيت وثائق الملاك الأصليين وفتح باب الادعاء لإمكانية إبطال كافة عقود البيع، التأجير، أو التخصيص غير القانونية التي فُرضت كأمر واقع بعد عام 2019.
  • تشريع قوانين حازمة تجرّم خطاب الكراهية والتحريض القومي أو الإثني، بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان لضمان السلم الأهلي.
  • فتح قنوات تنسيق دبلوماسي لإنهاء التدخل الإداري والعسكري التركي في المنطقة، ونقل الصلاحيات بالكامل للسلطات الوطنية تمهيداً لبيئة آمنة ومحايدة تكفل العودة الطوعية للنازحين والمهجرين.

 

المصدر: سوريون من أجل الحقيقة والعدالة

× Zoomed Image
Scroll to Top