الكورد ليسوا مطالبين أن يدفعوا ثمن “استقرار سوريا” من حقوقهم

تكبير الصورة
ماهر حسن

السؤال الذي يجب أن يطرح على أصحاب “سوريا الجديدة” هو:

إذا كان المطلوب منا اليوم أن نصمت أمام ما كنا نرفضه بالأمس، وأن نقبل بما فرض علينا بالأمس، وأن نتعامل مع نتائج ذلك الظلم وكأنها أصبحت أمرًا واقعًا اليوم… فأين بالضبط انتهى الأمس وبدأ اليوم؟ 

حسنًا، لنفترض ذلك- لكن إذا كانت سوريا الجديدة مختلفة فعلًا، فهناك بعض الأسئلة البسيطة التي لا تحتاج إلى خطب سياسية ولا مؤتمرات صحفية للإجابة عنها. لماذا لا تزال أسماء مثل “عين العرب” تستخدم بدل “كوباني” و”المالكية” بدل “ديرك” والخ؟ ولماذا ينظر إلى اسماء الكوردية وكأنه مشكلة سياسية، بينما لا يرى البعض أي مشكلة في الإصرار على الاسم الذي فرض خلال سنوات سياسة التعريب؟

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

قد يقول أحدهم: “هذه مجرد أسماء”. وهنا السؤال: إذا كانت مجرد أسماء، فلماذا تم تغييرها أصلًا؟ وإذا لم يكن لتغييرها أي معنى، فلماذا أصر النظام السابق على تغييرها؟ ولماذا يصر النظام الجديد على تداولها؟ وإذا كان ذلك جزءًا من سياسة تعريب المناطق الكوردية، فلماذا يصبح التمسك بنتائج تلك السياسة اليوم أمرًا طبيعيًا، بينما يصبح الاعتراض عليها هو المشكلة؟ هذه ليست قضية قاموس. القضية أبسط من ذلك بكثير: من الذي يملك الحق في تسمية المدينة؟ أهلها أم السلطة؟

إذا كان الجواب أن السلطة هي التي تقرر، فلا فرق كبير إذن بين الأمس واليوم، سوى أن الوجوه تغيرت. أما إذا كان الجواب أن سكان المدينة هم أصحاب الحق، فالأمر محسوم: اسمها كوباني وديرك وحسجه ..الخ، وانتهى النقاش.

ثم يأتي من يقول إن الكورد جزء أصيل من سوريا. جميل. لكن لا يمكن أن تكون “جزءًا أصيلًا” عندما نتحدث عن المواطنة، ثم تتحول إلى “جزء يجب أن يتكيف” عندما يتعلق الأمر بحقوقك في منطقتك وبيتك واسم مدينتك. ولا يمكن أن تقول للكورد: “أنتم مواطنون متساوون”، ثم تطلب منهم في الوقت نفسه أن يتقبلوا بقاء نتائج مرحلة كاملة قامت على تغيير واقع مناطقهم.

هذه ليست مساواة. هذه مساواة على الورق، ثم شروط إضافية عند التطبيق. والأكثر إثارة للسخرية هو مطالبة الكورد بأن ينسوا ما حدث، وأن يفتحوا صفحة جديدة، وأن يثقوا بالدولة. صفحة جديدة؟ بالتأكيد. لكن من قال إن فتح صفحة جديدة يعني أن نمزق الصفحات القديمة ونرميها في القمامة؟

المعادلة هنا مقلوبة تماما، بل يجري قلبها بصورة تجعل صاحب الحق هو الطرف المطالب بالتبرير، فيما يمنح من ارتكب الانتهاك، أو استفاد من نتائجه، موقع من يملك حق تحديد ما يجب أن يقال وما يجب أن ينسى. فبدل أن يكون السؤال موجها إلى من ارتكب الجريمة: ماذا فعلت؟ لماذا فعلت؟ من تضرر؟ وأين حقوق من سلبت منهم حقوقهم؟ يصبح السؤال موجها إلى من وقع عليه الظلم: لماذا لا تنسى؟ لماذا لا تتجاوز؟ لماذا تعيد فتح هذه الملفات؟ ولماذا تصر على الحديث عن الماضي في وقت يفترض فيه أن ننظر جميعا إلى المستقبل؟

وهكذا تنقلب المعادلة مرة أخرى: لا يعود الخلاف حول ما حدث، ولا حول ما ترتب عليه، بل حول حق من تضرر في أن يتحدث عنه أصلا. يصبح المطلوب منه أن ينسى، بينما يبقى أثر ما حدث قائما.

والمفارقة أن كل ذلك يقال في الوقت الذي يعلن فيه أن سوريا دخلت مرحلة جديدة، وأن ما جرى في عهد النظام السابق يجب أن يحاسب عليه المسؤولون عنه. وهذا كلام لا اعتراض عليه. لكن المحاسبة الحقيقية لا تتوقف عند أسماء الأشخاص الذين ارتكبوا الجرائم، بل تبدأ أيضا من السؤال عما بقي من نتائج تلك الجرائم بعد سقوطهم.

هنا تحديدا يتحدد معنى “سوريا الجديدة”: هل سيكون الاعتراف بهذه الملفات مدخلا إلى إنصاف أصحابها، أم سيطلب منهم الصمت عنها حتى لا تصطدم بما يراد ترسيخه اليوم؟

فمن الصعب الحديث عن تغيير حقيقي، فيما يطلب ممن طالتهم مظالم الأمس أن يقبلوا بنتائجها اليوم.

× Zoomed Image
Scroll to Top