علي شيخو برازي
طيلة أربع سنوات كان يعيش أسير حبها غير العادي, كان قد ترك العقل جانبا دون أن يعمل, ساقته عاطفته إلى حيث الضياع في متاهات الحلم, متعلقا بخيط وهمي يمتد منه إليها, يتسلق هذا الخيط الوهمي بيدين تنبض شرايينهما أملا.
كان الليل عالمه الوحيد يلجأ إلى سكونه كلما كان يوقظه جنونه بها, ينسل من فراشه كما تنسل الأفعى من جحرها للبحث عن شيء تسد به جوعها.
يشعل الضوء كي يبعد عنه ذلك الشبح الأسود, وفي سكون هادئ, حزين, يأتي بورقة وقلم ويكتب ما تمليه عليه عاطفته المجنونة, عن فتاة تناسته رغم عذابه وتضحياته, كتب عنها ما لم يكتبوا كل عشاق العصر عن فتياتهم, طرز لها قفطانا مزركشا بأحرف عدة دواوين من الشعر, لم تخطر ببال جميل بثينة ولا قيس بن الملوّح, ولا كل من أتوا بعدهم من شعراء عشاق.
ظل ضائعا, شاردا, طيلة هذه السنوات, فقد ذاكرته بالماضي, إلا هي ظل يتذكرها كل يوم عشرات المرات, كان يعبث كالمجنون, دائم الضيق والضجر كمن سجن بسجن دون أبواب, يضرب برأسه زنزانته الانفرادية, ولم يرى سبيلا إلا الصبر, سجد لحبها في ظلمات سجنه القاتل, انقطعت بينهما الرسل والرسائل حتى أدنى الأخبار.
كثير ما كانت تقفز إلى رأسه فكرة التمرد على ذلك الخيط الوهمي الذي يربطه بها, لكن محاولاته كانت تنتهي دائما بالفشل.
أما هي فلم يرق قلبها يوما أن تسأل عنه مجرد سؤال!.
حاول كثيرا أن يقتلها في داخله, لكن سلاحه لم يكن فعالا بما فيه الكفاية لينهي هذه المأساة, التي باتت تغرقه في بحر من صبابة واللوعة.
نفته بجفائها إلى جزر غير مسكونة, ليعيش حالة هستيريا على ضفاف عينيها غير المفهومتين.
حاول أن يهرب من منفاه من خلال قاربه السندبادي البسيط ويعود إلى مملكتها, علّها تنتظره بعد هذا الفراق الطويل, وعند بلوغه شواطئ مملكتها, أبت أن تستقبله, كانت قد وهبت ميناء قلبها لرجل آخر.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






