د. محمود عباس
ولكن أين أصبحت إيران اليوم؟
ولا تقف ثروات إيران عند النفط والغاز والزراعة. فهي من الدول الكبرى في عدد من الخامات المعدنية، ومن كبار منتجي خام الحديد والأسمنت والرصاص والباريت والموليبدينوم والجبس والحديد المختزل المباشر. أي إن لديها قاعدة طبيعية كان يمكن أن تقوم عليها صناعة ثقيلة وصناعات تحويلية ضخمة.
لكن المادة الخام لا تصنع دولة متقدمة وحدها.
تحتاج إلى رأس مال، وإلى كهرباء، وتقنية، ومصارف قادرة على التعامل مع العالم، وشركات تستطيع شراء المعدات والتأمين والشحن والتحويلات المالية. وعندما تُحاصر هذه العناصر، تبقى الثروة موجودة في الأرض، فيما تبقى قيمتها المضافة في دول أخرى.
وهنا نصل إلى المواطن نفسه.
قد لا يعرف العامل الإيراني حجم الاحتياطي النفطي المثبت في بلاده، ولا ترتيب إيران عالميًا في الغاز أو الموليبدينوم، لكنه يعرف ما يدفعه في السوق.
يرى راتبه يفقد قيمته، والطعام يصبح أغلى، والسكن أبعد من قدرته، والزواج أصعب، والمدخرات أقل قيمة، والكهرباء تنقطع، والماء يتحول إلى مصدر قلق، وأطفاله المتعلمون يفكرون في الرحيل إلى الخارج.
وهنا يصبح الفقر أوسع من نقص المال؛ إنه فقدان الشعور بالمستقبل.
وحتى القوة البشرية والثقافية التي كان يمكن أن تجعل إيران واحدة من أكثر مجتمعات المنطقة حيوية تجد نفسها تحت سقف سياسي ضيق. فالأدباء والفنانون والصحفيون والباحثون لا يحتاجون فقط إلى جامعات ومبانٍ، بل إلى فضاء حر تتنافس فيه الأفكار. والدولة التي تراقب الكلمة والصورة والجامعة والإنترنت تدفع ثمنًا اقتصاديًا أيضًا، لأن اقتصاد القرن الحادي والعشرين لا يقوم على النفط وحده، بل على حرية المعرفة والابتكار والمخاطرة الفكرية.
وحين يهاجر الطبيب والمهندس والباحث ورائد الأعمال، فإن الدولة لا تخسر فردًا فقط؛ تخسر الأموال التي أنفقتها على تعليمه، والإنتاج الذي كان سيصنعه، والضرائب التي كان سيدفعها، والمؤسسة التي ربما كان سيبنيها.
هكذا يدخل المجتمع في دائرة مغلقة: التومان ينهار فترتفع كلفة الاستيراد؛ ترتفع الأسعار أسرع من الأجور فتتراجع الدخول الحقيقية؛ يضعف الاستهلاك والاستثمار؛ تتراجع فرص العمل؛ يهاجر جزء من أصحاب الكفاءات؛ ثم تأتي العقوبات والحرب لتدفع الدائرة دورة أخرى إلى الأسفل.
لكن الخسارة لم تكن اقتصادية فقط. فالنظام الذي عجز عن تحويل ثروات إيران إلى رفاه لشعبها، أقام في الداخل بنية سياسية مغلقة، لا تقوم فيها السيادة الفعلية على إرادة الناخب بقدر ما تستند إلى سلطة المرشد والمؤسسات غير المنتخبة التابعة له. فالمرشد يملك صلاحيات واسعة في الجيش والقضاء والإعلام والمؤسسات الأساسية، بينما يستطيع مجلس صيانة الدستور استبعاد المرشحين الذين لا يراهم ملتزمين بالنظام، ولا يُسمح عمليًا إلا للقوى الواقعة ضمن الإطار السياسي المقبول من السلطة بالمنافسة. ولهذا تصنف إيران اليوم ضمن الدول «غير الحرة»، بدرجة لا تتجاوز 10 من 100 في مؤشرات الحرية السياسية والمدنية.
ولم يقتصر هذا الانغلاق على المعارضة السياسية، بل أصاب شعوب إيران ومكوناتها القومية أيضًا، وفي مقدمتها الشعب الكوردي، إلى جانب البلوش وعرب الأهواز والتركمان والأذريين، وإن بدرجات وتجارب مختلفة. فقد وثقت منظمات حقوقية استمرار التمييز في التعليم والعمل والسكن والمشاركة السياسية، ونقص الاستثمار في المناطق التي تعيش فيها هذه المكونات، كما بقيت الفارسية لغة التعليم الأساسية، وحُرم كثير من الأطفال من التعليم بلغاتهم الأم. أما المطالبة بالحقوق القومية أو الثقافية أو بالإدارة المحلية واللامركزية، فقد عوملت في حالات كثيرة بوصفها تهديدًا أمنيًا، وقوبل ناشطون بالاعتقال والمحاكمات وأحيانًا بعقوبات الإعدام.
وبالنسبة إلى الشعب الكوردي تحديدًا، لم تكن المشكلة لغوية أو ثقافية فقط، بل سياسية وتنموية أيضًا. فالمناطق الكوردية بقيت من المناطق التي تعاني ضعف الاستثمار والبنية التحتية وفرص العمل، فيما ظلت النشاطات السياسية الكوردية المستقلة تحت رقابة وضغط مستمرين. وهكذا فإن نظامًا رفع شعار «المستضعفين» في الخارج، لم يمنح في الداخل اعترافًا سياسيًا متكافئًا بكل مكونات الدولة ولا فضاءً حرًا لتطوير لغاتها وثقافاتها وخصوصياتها القومية.
الولايات المتحدة الأمريكية
3/8/2026 م
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





