جليل إبراهيم المندلاوي
حين تعجز السلطة عن إدارة الأحياء، يبقى أمامها حلٌّ بسيط: إدارة موتهم. وهكذا صار الموت معاملةً مكتملة الأوراق؛ أمرٌ يُصدر، واسمٌ يُسجّل، وتوقيعٌ يُمرَّر، وموظفٌ يضع نظارته على طرف أنفه ليتأكد من أن كل شيء جرى وفق الأصول، بما في ذلك الموت نفسه. لم تعد المسألة أن يموت الإنسان، بل أن يموت بالطريقة الصحيحة، وفي المكان المحدد، وبعد أن يمر اسمه على المكاتب اللازمة. فالقتل، حين يدخل البيروقراطية، يفقد شيئًا من وحشيته أمام الموظف، ويكتسب شيئًا من أناقة المعاملة الرسمية.
كانت الهوية تهمة جاهزة، والقرابة شبهة قابلة للتوسّع، والاسم سببًا كافيًا لأن ينتقل الإنسان من خانة المواطن إلى خانة المطلوب، ثم من خانة المطلوب إلى خانة لا حاجة لها أصلًا. ولم تكن المشكلة في كثرة المعتقلين بقدر ما كانت في قلة المساحة؛ فالأوامر سهلة، أما العثور على مكان للبشر الذين قررت الأوراق أنهم لم يعودوا يستحقون مكانًا، فكان يحتاج إلى شيء من التفكير.
اجتمعوا لذلك، وقلبوا الدفاتر، وراجعوا الأرقام، حتى اكتشفوا الحل الأكثر بساطة وأناقة: إذا امتلأ المكان بالبشر، فلا بد من إفراغه من بعضهم. وكان الموظف الذي يوقّع على موتك يقلب الورقة بهدوء، يراجع الاسم مرة أخيرة، ثم يقول:
— التالي.
كأنه يوقّع على استلام راتبه… ولأن الموت، مثل كل المعاملات الرسمية، يحتاج إلى مكان، كان عليهم أولًا أن يجدوا مكانًا للبشر الذين قرروا موتهم. وبينما كانت الأسماء تُشطب من الدفاتر، كان أريان منشغلًا بحذائه؛ يحاول إدخال قدمه فيه حين انفصلت عنه قطعة صغيرة من الجلد. التقطها بين إصبعيه، وتأملها لحظة، ثم وضعها في جيبه، كأنها شيء ثمين.
كان الحذاء أكبر من قدمه بمقاسين، وربما بثلاثة، فكلما مشى داخله شعر أن قدمه ضائعة في مكان لا يخصها. ضرب مؤخرة الحذاء بحجر صغير، وقال لصديقه:
— عندما أخرج من هنا، سأشتري حذاءً أصغر.
كان صديقه مستلقيًا إلى جانبه، يحدق في سقف الغرفة، كأنه ينتظر أن ينهار عليه كي يختصر الطريق.
قال:
— إلى أين ستذهب؟
أجاب أريان:
— إلى البيت.
ضحك صديقه. لم يكن يضحك من البيت، ولا من الحذاء، ولا حتى من أريان. كان ضحكًا صغيرًا خرج من رجلين لم يعد لديهما شيء آخر يضحكان عليه.
كان أريان واحدًا من الكورد الفيليين الذين اقتُلِعوا من بيوتهم، ثم اقتُلِعوا من أسمائهم، ثم وُضعوا في أماكن لا يعرفون لماذا اقتيدوا إليها. كان في الرابعة والعشرين من عمره؛ عمر مناسب للزواج والعمل والحب، ولأن تشتري حذاءً جديدًا كلما أكل القديم قدميك. لكنه كان في سجن نقرة السلمان، في صحراء السماوة، حيث لا شيء قريب من شيء، حتى الموت كان يبدو كأنه يحتاج إلى طريق طويل كي يصل. كان المعتقل قائمًا وسط تلك الصحراء مثل رجل عاقبته الحياة بالنفي ثم نسيته هناك.
الريح تدخل من الشقوق، والرمل يدخل من تحت الأبواب، والشمس تدخل من كل مكان، أما الرحمة فلم تكن تدخل أبدًا.
كان أريان قد تعلّم في سجن نقرة السلمان أن الإنسان يستطيع أن يعتاد أشياء كثيرة: الجوع، والعطش، والبرد، ورائحة الأجساد، والصراخ، والخوف، وحتى رؤية رجل يُسحب من ذراعه. لكن الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الإنسان أن يعتاده هو أن يناديه أحد باسمه ثم لا يجيبه.
في البداية كانوا مئات، ثم صاروا أكثر، ثم جاءت الشاحنات. كانت تصل من بعيد، محملة بالكورد الفيليين وغيرهم من المعتقلين؛ رجالًا ونساءً وشيوخًا وبعض الأطفال الذين لم يفهموا لماذا يحمل الجنود البنادق إذا كانوا هم الذين يبكون. كلما وصلت شاحنة، انفتح الباب الحديدي، ونزل منها بشر جدد. وكان المعتقل يكبر، لكن المكان لا يكبر. وهنا، كما يقول الضباط، بدأت المشكلة.
اجتمعوا في غرفة ضيقة. فقال أحدهم:
— لم يعد لدينا مكان.
قال آخر:
— نضعهم فوق بعض.
قال ثالث:
— لقد فعلنا.
قال الأول:
— حتى الأموات لم يعد لديهم مكان.
تبادلوا النظرات. كان الصمت في تلك الغرفة أكثر حكمة من الجميع، لكنه لم يكن يحمل رتبة عسكرية. فتح أحد الضباط الدفتر، وقلب صفحاته، وقال:
— لدينا ألف ومئتا فيليّ.
رفع رجل رأسه:
— وماذا يعني ذلك؟
أجاب:
— يعني ألفًا ومئتي مكان يمكن إخلاؤه.
كان ذلك هو الحل: بسيطًا، ونظيفًا، وإداريًا. ومنذ تلك اللحظة لم يعد أريان رجلًا، صار مكانًا. وصديقه صار مكانًا. والعجوز الذي ينام قرب الباب صار مكانًا. والطفل الذي يسأل كل مساء عن أمه صار مكانًا. كانت الدولة تحب الأرقام؛ الأرقام لا تبكي، لا تتوسل، لا تقول: أمي، ولا تقول: أنا جائع، ولا تحتاج إلى حذاء. ولهذا كانت الأرقام أفضل من البشر بكثير. كان الحل، كما وصفه أحدهم، عبقريًا؛ فالسلطة لا تحب الحلول المعقدة لأنها تحتاج إلى تفكير، والتفكير قد يقود إلى الرحمة، والرحمة في ذلك الزمن كانت خطأً إداريًا جسيمًا.
وصل القرار من القيادات العليا بتصفية الألف والمئتين. لم يسأل أحد: لماذا؟ الأوامر العليا لا تأتي معها علامة استفهام، تأتي بنقطة. وفي البلاد التي تحكمها النقاط، تصبح علامة الاستفهام نوعًا من التمرد.
في صباح اليوم التالي، أحضروا مفرمة صناعية ضخمة. كانت كبيرة إلى درجة أن الرجل الذي صنعها لا بد أنه كان يكره الأشياء الصغيرة. وقف جندي أمامها وسأل:
— ماذا نكتب في السجل؟
قال الضابط:
— إعدام.
قال الجندي:
— لكن هذه ليست طريقة إعدام.
نظر إليه الضابط باستغراب:
— وهل طلب منك أحد أن تكون دقيقًا؟ اكتب ما شئت. المهم أن تكون الورقة نظيفة.
في ذلك المساء جلس أريان مع صديقه. وقال:
— أمي ستفرح عندما تراني.
نظر إليه صديقه طويلًا ثم قال:
— هل تعرف أنك ستخرج؟
هز أريان رأسه:
— لا.
— إذن لماذا تتحدث كأنك ستخرج؟
ابتسم وقال:
— لأن أمي لا تعرف أنني لن أخرج.
ثم سكت. كان يحب أمه بطريقة لا يعرف كيف يشرحها. كل ما يعرفه هو أنها كانت تضع الخبز أمامه أولًا، ثم تأكل ما بقي. كان يظن وهو صغير أن الأمهات لا يأكلن كثيرًا، ثم كبر واكتشف الحقيقة؛ الأمهات يأكلن، لكنهن يعرفن كيف يقلن: أنا شبعت.
في صباح اليوم التالي، جاء جندي يحمل قائمة. بدأ يقرأ الأسماء: اسم، ثم اسم، ثم اسم، حتى وصل إلى:
— أريان…
رفع الشاب رأسه، نظر إلى صديقه وقال:
— يبدو أنهم سيعيدونني إلى أمي.
هذه المرة لم يضحك أحد.
في مكان آخر، كانت أمه قد عرفت. الأخبار في زمن الخوف لا تحتاج إلى بريد؛ يكفي بائع خبز يخفض صوته، أو امرأة في السوق، أو رجل ينظر إليك ثم يشيح بوجهه، كأنه يحمل خبرًا أثقل من جسده. قالوا لها إن أريان من بين الأسماء. لم تصرخ، لم تقع، جلست قليلًا ثم قالت:
— أين؟
وحين عرفت، نهضت. جمعت ما استطاعت: المال، الخاتم، الأقراط، وكل ما كانت تخبئه لأيام لا تأتي. ثم خرجت، تمشي بسرعة امرأة تعرف أن الوقت أصبح عدوًا لها.
في سجن نقرة السلمان، دفعت المال لحارس، ثم لآخر، ثم قبّلت يد ثالث. فقال لها أحدهم:
— عودي إلى بيتك.
قالت:
— ابني هنا.
قال:
— كلهم أبناء أحدٍ ما.
نظرت إليه:
— أعرف، لكنني أعرف ابني أكثر منكم.
لم يجب. فالسلطة تعرف الملفات، والأم تعرف ابنها، وكان هذا خلافًا لا تستطيع أي لائحة أن تحسمه. وصلت أخيرًا إلى ضابط بدين، له شارب كثيف وبطن متقدم على بقية جسده، كأنه كان دائمًا يصل إلى الأماكن قبل أن يصل إليها. وضعت المال أمامه، ثم الخاتم، ثم الأقراط.
قال:
— ماذا تريدين؟
قالت:
— أريان.
فتح الدفتر، قلب الصفحات بملل، ووجد الاسم:
— نعم.
ارتجفت:
— أرجوك.
رفع عينيه:
— ماذا تريدين منه؟
قالت:
— خذ كل ما معي، فقط لا تقتلوه.
قال:
— القرار صدر.
— فقط أريد أن أراه.
— لا يمكن.
— أريد أن أسمع صوته.
— لا يمكن.
— أريد أن أعرف أين هو.
— لا يمكن.
سكتت، ثم قالت:
— إذن أريد منك شيئًا صغيرًا.
ابتسم الضابط. كان طلبها بسيطًا إلى حدّ السخرية؛ ففي دولة طبيعية لم تكن تحتاج إلى ذهب كي تطلب شيئًا كهذا.
قالت:
— إذا كان لا بد أن يموت… فاجعلوا رأسه أولًا.
رفع الضابط رأسه:
— ماذا؟
قالت:
— لا تجعلوا قدميه تدخلان أولًا. كان حذاؤه أكبر من قدمه.
لم يفهم الضابط في البداية ما علاقة الحذاء بطلبها. ثم أعاد النظر إليها، وفهم أنها لا تطلب إنقاذ ابنها، بل تطلب أن يكون موته أقل إيلامًا. صمت قليلًا، ثم قال:
— هذا يحتاج إلى تعليمات خاصة.
أخرجت ما بقي معها من حُلي وقالت:
— خذه.
ثم خلعت خاتمها:
— وهذا.
ثم نزعت أقراطها:
— وهذا أيضًا. فقط اجعلوا رأسه أولًا، حتى لا يتعذب.
نظر إلى الذهب، ثم إليها وقال:
— الآن يمكن أن نتفاهم.
في تلك اللحظة عرفت الأم أن الرحمة لها سعر، وأنها، في ذلك البلد أرخص من الحياة. أما أريان فلم يعرف شيئًا. كان ينتظر، وكان يفكر في الحذاء. كان يتخيل نفسه يعود إلى البيت، تفتح أمه الباب وتقول:
— تأخرت.
فيقول:
— الطريق كان طويلًا.
فتقول:
— لماذا لم ترسل خبرًا؟
فيقول:
— لم يكن عندي ورق.
فتضحك:
— وهل يحتاج الابن إلى ورق كي يقول لأمه إنه حي؟
ثم تضع أمامه طبقًا من الطعام. كان ذلك الحلم الصغير أكبر من كل القصور التي بناها الرجال الذين حكموا البلاد.
جاء دوره. فُتح الباب. كان من ينتظره شابًا في مثل سنّه. نظر أريان إلى وجهه وسأله:
— هل لديك أم؟
ارتبك الشاب:
— نعم.
قال أريان:
— إذن لا تنظر إليّ.
أشاح الشاب بوجهه، ثم دخل أريان، وأُغلق الباب خلفه.
في الخارج كانت أمه تنتظر. كانت تمسك عباءتها بيد، وورقة صغيرة في اليد الأخرى. لم تكن تعرف كيف يكون الرأس أولًا، لكنها كانت تعرف أن الإنسان حين يعجز عن إنقاذ من يحب، يبدأ بالتفاوض مع الموت. لم تعد تقول: “يا رب، أنقذه”؛ صارت تقول: “يا رب، لا تؤلمه”. وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها الظلم قادرًا على تغيير حتى معنى الدعاء.
جلست على الأرض، فسألتها امرأة كانت إلى جوارها:
— ماذا فعل ابنك؟
رفعت رأسها وقالت:
— وُلد.
ثم لم تقل شيئًا. بقيت جالسة، تحدّق في الفراغ، كأنها تحاول أن تفهم كيف صار الميلاد ذنبًا. وفي المساء عادت إلى البيت. كان كل شيء في مكانه: الكرسي، كوب الشاي، صورة أريان، والحذاء قرب الباب. انحنت وحملته. كان أكبر من مقاسه. ضمته إلى صدرها وقالت:
— كنت سأشتري لك واحدًا أصغر.
ثم بكت. لم تبكِ الذهب، ولا المال، ولا الخاتم. بكت لأنها دفعت كل ما تملك كي تشتري لابنها موتًا أسرع. قالت:
— سامحني يا أريان.
كان البيت هادئًا، هادئًا إلى درجة أنها سمعت ساعة الحائط: تك… تك… تك…
كأن الزمن نفسه كان موظفًا عندهم. وفي اليوم التالي وصلت شاحنة جديدة إلى نقرة السلمان. نزل منها رجال آخرون. فتح الجندي الباب وسأل:
— هل أصبح هناك مكان؟
فتح الموظف الدفتر، شطب اسمًا، ثم آخر، ثم ثالثًا، وقال:
— المكان يكفي.
كان ذلك، في نظر الموظف، دليلًا على أن العمل يسير كما ينبغي؛ فكلما قلّ عدد البشر، بدا المكان أكثر اتساعًا.
مرت السنوات. وكبرت الملفات. مات بعض الضباط، وتقاعد آخرون، وتغيرت الأسماء على الأبواب. وبقيت الأرقام: ألف ومئتان، عمليات تصفية، معتقلون، أوامر، تواقيع، تقارير. لكن أحدًا لم يستطع أن يضع في التقرير حذاء أريان، ولا يد أمه وهي تخرج خاتمها، ولا صوتها وهي تقول: “اجعلوا رأسه أولًا”، ولا طبق الطعام الذي كان يحلم به، ولا أمًّا كانت تأكل قليلًا كي يشبع ابنها.
فالوثائق تحب الأرقام، والسلطات تحب الملفات، والتاريخ، أحيانًا، يحب أن يختصر المأساة في فقرة. لكن الأمهات لا يعرفن الأرقام؛ الأم تعرف اسمًا واحدًا، وجهًا واحدًا، خطوة واحدة، ضحكة واحدة. وتعرف أن ابنها أريان كان من الكورد الفيليين، وتعرف أنه كان في الرابعة والعشرين، وتعرف أن حذاءه كان أكبر من قدمه.
ولهذا، حين قالوا:
— ألف ومئتان.
لم تسمع ألفًا ومئتين، بل سمعت:
— أريان.
وهذا، ربما، هو الشيء الوحيد الذي لم تستطع نقرة السلمان، ولا صحراء السماوة، ولا المفرمة، ولا الدفاتر، ولا أولئك الذين أحبوا الأرقام أكثر من البشر أن يطحنوه: اسم أريان.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






