علي بشار عبد الله*
مجلة الحوار – العدد /85/ – السنة 33 – 2026م
كان يوم الثامن عشر من شهر تشرين الأول للعام 2010م حزيناً وكئيباً وثقيل الوقع، حين ورد نبأ وفاة المناضل الأستاذ إسماعيل عمر رئيس حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي) وهو في ذروة عطائه السياسي والاجتماعي خلال مسيرة حياته التي كرّسها في خدمة شعبه وقضيته.
النبأ الذي صُعِقَ به محبّوه الكثر من أبناء شعبنا الكردي والسوري بجميع شرائحه وانتماءاته القومية لا أهله ورفاقه وحسب، حيث استطاع الراحل بنبل أخلاقه وتواضعه وسعة صدره وتسامحه ونضاله المستمر على مدى عقود كسب قلوب الكثيرين من أبناء الشعب السوري ونيل ثقة واحترام مختلف القوى والأحزاب الكردية والوطنية السورية، حتى المختلفين معه، وتجلّى ذلك في مشاركتهم الواسعة في جنازته المهيبة وفي أربعينيّته، واستمرار إحياء الذكرى السنوية لرحيله.
لن أستفيض في الحديث عن مواقفه ورؤاه السياسية طيلة مسيرته؛ فقد تطرق الكثيرون إلى هذا الجانب في مسيرة الراحل العزيز، وسأتطرق باختصار في هذه الأسطر إلى ما يخصّ علاقتنا الشخصية وانطباعاتي عنه بتجرّد، ودون مجاملة أو مبالغة.
تعود معرفتي بالأستاذ إسماعيل رحمه الله إلى العام 1969م، حيث كنتُ طالباً في الصف التاسع الإعدادي في مدرسة «زكي الأرسوزي» في مدينة قامشلي، وكان الأستاذ إسماعيل حينها متخرّجاً للتوّ أو على وشك التخرّج من جامعة دمشق-كلية الآداب/قسم الجغرافيا، وكان يدرّس المواد الاجتماعيّة باقتدار وتمكُّن وبأسلوب تربوي ناجح ويشدّ انتباه الطلبة إليه.
ومما بقي عالقاً في ذهني وأذهان الطلبة من جيلي من صورة شخصية الأستاذ إسماعيل من تلك المرحلة هو الحادثة التالية: كان ضمن منهاجنا يومئذٍ درسٌ عن الحركات الانفصاليّة في الوطن العربي ومن ضمنها الحركة الانفصالية في شمالي العراق مصاغٌ بعقلية شوفينيّة بعثيّة مقيتة تنعتها بالرجعية والانفصالية والارتباط بإسرائيل كما هو معهود، وكنّا الطلبة الكرد ننتظر أداء مدرّسنا الكردي الشاب في هذا الدرس، وقد كان المدرّس الكردي الوحيد في المدرسة، وكلٌّ يتوقع شرحه لهذه الفقرة بطريقة ما، وفي الحصّة المحددة، كان أداؤه يثلج الصدور، حيث أوضح أن ما يجري في العراق هو حركة شعب يناضل من أجل حقوقه القومية المشروعة، وتنادي بالديمقراطية للعراق والحكم الذاتي للشعب الكردي ضمن إطار العراق الموحّد، في خروج تام من قبل الأستاذ عن النصّ المدرسيّ المقرّر ونقض الخطاب البعثي العنصري المفروض على المناهج الدراسيّة في ذروة صعود الأيديولوجيا البعثية وصَخَبِها في البلاد وتعميمها على المجال العام وفي الإعلام والتعليم… وهكذا كبُر الأستاذ في أعين طلبته الكرد كثيراً.
وفي الجانب الإنساني أتذكّر حادثة أخرى من تلك السنة، حيث مرض أحد زملائنا الطلبة وغاب عن المدرسة مدة طويلة، وعندما استفقده الأستاذ إسماعيل أخبرناه بالموضوع، فقام بزيارته في البيت برفقة مجموعة من زملائنا للاطمئنان على صحّته وتشجيعه على مواجهة المرض.
وفي وقت لاحق تطورت علاقتنا الشخصية في إطار النضال الحزبي واتخذت طابع الصداقة التي تعمّقت مع العائلة كذلك، وخاصة مع أخي الأصغر نواف ومع الوالد رحمه الله، الذي كان يروي له بعض قصص الأنبياء من القرآن الكريم والأحداث الاجتماعية التي مرت على المنطقة وسكّانها، ويستمع إليه المرحوم إسماعيل بانتباه شديد. وفي إحدى زياراته للوالد قدّم له كتابَ «من قصص الأنبياء» هديةً، والتي فرح بها الوالد كثيراً وحافظ على الكتاب حتى وفاته. ولاحقاً، تعمقت صداقته مع أبنائي كذلك وخصوصاً مع ولدي آزاد. ويلاحظ المرء من خلال تجربته مع عائلتنا قدرته على التواصل مع عدة أجيال متعاقبة دون حواجز، الأمر الذي نعيده إلى خصاله الشخصية الحميدة من التواضع والاحترام وحسن التعامل ومحبّة الآخرين. وتلمّست هذه الخصال عن قرب، ولا سيما احترام آراء الآخرين باهتمام وجديّة والأخذ بها دون حرج، خلال العمل الحزبي وخصوصاً في أثناء العمل معاً في هيئة تحرير الجريدة المركزية للحزب (الموحّد) في بداية التسعينيات لمدة تقارب ثلاث سنوات.
وكان الراحل طيّب المعشر، سلساً في تعامله مع الناس جميعاً، وفيّاً لصداقاته وأصدقائه، ولا يفوتني هنا أن أذكر زياراته المتكررة لي في البيت في كل إجازة خلال سنوات اغترابي عن الوطن رغم ابتعادي عن التنظيم. وقد كان الراحل يتمتّع بنشاط كبير وحيوية فائقة ولا يشعر بالتعب أو الملل حتى توقّف قلبه المفاجئ.
ورغم نجاحه وتميّزه في مهنة التدريس إلا أنه لم يَطُلْ فيها، ليتفرّغ تماماً للنضال القومي والوطني، وفي تلك المرحلة نالَ احترام زملائه من كافة المكونات وكذلك الطلبة بفضل الصفات التي أشرنا إليها، وكان واسع العلاقات في أوساط الإخوة العرب والسريان وخصوصاً في محافظة الحسكة، ولم يعرف التعصّب أو الانغلاق القومي في علاقاته الشخصية أو الاجتماعية. وكان منفتحاً ومعتدلاً في علاقاته الاجتماعيّة كما في الجانب السياسي، ومدركاً لحقائق التعدد الإثنيّ-القوميّ-الدينيّ في سوريا ومنطقة الجزيرة على نحو خاص.
وبناءً على هذا الفهم الواقعي، قام الراحل بنشاط ملحوظ ودور كبير في نسج العلاقات مع الوسط السوري المعني بالشأن العام والحراك الديمقراطي في الفترة التي أُطلق عليها تسمية «ربيع دمشق»، ومن ثم «إعلان دمشق» إلى أن خطفه الموت مبكراً وقبل أن يشهد أخطر مرحلة تمر بها سوريا عموماً وشعبها بكافة فئاته وشرائحه والحركة السياسية الكردية التي وهبَ الراحل عمره لها وناضل من أجل توحيد صفوفها وخطابها لتحصيل حقوق شعبه الكردي والسوري في بلد ديمقراطي، في وقت كانت الحركة الكردية والوطنية في البلاد بأمسّ الحاجة إلى وجوده، فكان رحيله خسارة كبيرة على كافة الصعد، فضلاً عن خسارتي لصديق عزيز.
قامشلي 18/10/2022
* كلمة ألقاها الأستاذ علي بشارعبد الله في الذكرى السنوية لرحيل الأستاذ إسماعيل عمر، في مكتب حزب الوحدة الديمقراطي الكردي بمدينة قامشلي بتاريخ 18/10/2022.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






