حين يدفع الكورد والعرب ثمن تهميش روزافا

تكبير الصورة

زاكروس عثمان

يعاني الفلاحون السوريون في المناطق الشرقية والمنطقة الكوردية من ضائقة مالية خانقة، على خلفية رفض سلطة ابو محمد الجولاني دفع أثمان محصول القمح الذي سلموه إلى الجهات الحكومية. وتبرر الحكومة هذا التأخير بعدم توفر السيولة النقدية في خزينة الدولة، الأمر الذي ترك آلاف الفلاحين أمام أعباء مالية متزايدة، في وقت يعتمد فيه كثير منهم على عائدات محاصيلهم لتأمين احتياجاتهم المعيشية ومستلزمات الموسم الزراعي المقبل.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يعود تأخر دفع مستحقات الفلاحين فعلًا إلى أزمة سيولة، أم أن هناك أبعادًا سياسية واقتصادية واجتماعية أوسع وراء هذه السياسة؟ إن تأخر دفع أثمان القمح للفلاحين في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور لا يمكن النظر إليه بمعزل عن واقع هذه المناطق، التي عانت لعقود من التهميش وضعف الاستثمار ونقص الخدمات الأساسية. وهي سياسة ارتبطت، بدرجات مختلفة، بالحكومات السورية المتعاقبة، التي تعاملت مع روزافا و مناطق شرق البلاد باعتبارها مناطق هامشية، رغم أنها من أهم المناطق السورية في إنتاج الحبوب والثروة الحيوانية والطاقة.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

ثروات ضخمة ومناطق تعاني الفقر

تمتلك هذه المناطق موارد اقتصادية كبيرة، من الأراضي الزراعية وإنتاج القمح والشعير إلى الثروة الحيوانية، فضلًا عن النفط والغاز. ومع ذلك، بقيت قطاعات واسعة من سكان الحسكة والرقة ودير الزور تعاني من الفقر ونقص الخدمات وفرص التنمية.

وقد أدى غياب الاستثمارات والبنى التحتية والمشاريع التنموية إلى بقاء كثير من المناطق المنتجة للثروات في موقع المستفيد الأقل من مواردها، بينما كانت عائدات هذه الموارد تذهب إلى الخزينة المركزية وتُدار من دمشق.

وهنا تبرز قضية جوهرية: كيف يمكن لمنطقة تنتج جزءًا مهمًا من الغذاء والطاقة في البلاد أن تبقى من أكثر مناطقها احتياجًا إلى الخدمات والتنمية؟

الكورد والعرب ضحايا سياسة واحدة

إن التركيبة السكانية في شمال وشرق سوريا تجعل أي سياسة تنموية أو اقتصادية في المنطقة ذات تأثير مباشر على الكورد والعرب معًا. فالكورد والعرب يعيشون في كثير من المناطق جنبًا إلى جنب، ويتشاركون الأسواق والأراضي الزراعية ومصادر المياه والموارد الاقتصادية.

ومن ثم، فإن أي سياسة تؤدي إلى إضعاف اقتصاد المنطقة أو التضييق على مصادر رزق سكانها لن تقتصر آثارها على الكورد وحدهم، بل ستطال العرب أيضًا.

وهذا ما يفسر، في جانب منه، المفارقة القائمة في المنطقة: السياسات التي تستهدف أو تهمّش الكورد تنعكس في الوقت نفسه على قطاعات واسعة من السكان العرب.

ففي مناطق جنوب قامشلو وجنوب الحسكة وشرق دير الزور، توجد تجمعات عربية تعاني بدورها من نقص الخدمات الأساسية وضعف التنمية وفرص العمل. وبالتالي، فإن استمرار تهميش المنطقة لا يخدم العرب على حساب الكورد، بل يساهم في إبقاء الطرفين في دائرة الفقر والتهميش.

هل يكرر الجولاني سياسة الاسد؟

السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت السلطة الجديدة ستتعامل مع شمال وشرق سوريا باعتبارها جزءًا أساسيًا من الاقتصاد السوري، أم أنها ستعيد إنتاج النموذج المركزي الذي اتبعته الحكومات السابقة. فالاستمرار في تأخير مستحقات الفلاحين، وغياب المشاريع التنموية، وعدم استفادة المناطق المنتجة من مواردها بصورة عادلة، كلها قضايا تحتاج إلى إجابات واضحة وشفافة من الحكومة.

ولا يكفي القول إن الخزينة تعاني من نقص السيولة؛ إذ يحتاج الفلاحون إلى معرفة متى سيحصلون على مستحقاتهم، وما حجم هذه المستحقات، وما الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لضمان دفعها، وكيف ستُدار عائدات الموارد الزراعية والطاقة في المستقبل.

المشكلة ليست بين الكورد والعرب

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل قضية اقتصادية واجتماعية إلى صراع بين الكورد والعرب. فالمشكلة الأساسية التي تواجه سكان المنطقة ليست في كون هذا المزارع كورديًا أو عربيًا، وإنما في استمرار نموذج اقتصادي وسياسي يجعل المناطق المنتجة للثروات تعاني من نقص التنمية والخدمات.

ولهذا، فإن مصلحة الكورد والعرب في شمال وشرق سوريا تلتقي في المطالبة بإدارة عادلة وشفافة للموارد، ودفع مستحقات الفلاحين في مواعيدها، والاستثمار في البنية التحتية والزراعة والطاقة والتعليم والصحة، وضمان أن تعود نسبة عادلة من عائدات المنطقة إلى سكانها.

فبدل أن يكون النفط والغاز والقمح مصدرًا للصراع والتهميش، يمكن أن تتحول هذه الموارد إلى أساس لتنمية حقيقية يستفيد منها جميع سكان المنطقة، عربًا وكوردًا وسائر مكوناتها.

إن عرب الجزيرة لا ينبغي أن يكونوا وقودًا لصراع مع الكورد، كما لا ينبغي أن يكون الكورد ضحية لسياسات تُفرض باسم الدولة. فالتهميش حين يُمارس على منطقة بأكملها، يحرق الجميع بالنار نفسها.


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top