الدولة الديمقراطية غير ممكنة بدون دولة كردستان

تكبير الصورة

بير رستم

مقالي السابق عن “أوجلان وحلم الدولة الديمقراطية” وما جاء بعده من بوستات، لاقى تفاعلاً كبيراً من قبل الأخوة المتابعين، تعليقاً ومشاركة، وقد حاولت قدر الامكان التفاعل مع كل الآراء والتعليقات، وبالمناسبة أقرأ كل التعليقات وهي وأصحابها محل تقدير وترحيب إلادالبعض الذي يشتم، لكن أحياناً العدد الكبير من التعليقات يجعل قضية الرد على كل تعليق بشكل منفرد غير ممكناً ولذلك أحاول الرد على بعض التساؤلات التي تأتي في تعليقات الأخوة من خلال كتابة بعض البوستات التوضيحية ومنه هذا هذا البوست الأخير الذي نحن بصدد كتابته حيث كتب الأخ جان علو تعليقاً يقول فيه ما يلي:

“طرح عميق ومثير للتفكير أستاذ بير. أتفق معك في أن المجتمعات التي لم تحسم بعد قضايا الهوية والاعتراف المتبادل والمواطنة المتساوية تجد صعوبة كبيرة في بناء ديمقراطية مستقرة. لكنني أميل إلى الاعتقاد بأن المسارين قد يتقدمان معاً، لا بالتتابع فقط.

فانتظار تحقيق الدولة القومية الكاملة لكل شعب قبل الانتقال إلى الديمقراطية قد يعني تأجيل الحلم الديمقراطي إلى أجل غير معلوم، خاصة في منطقتنا المعقدة والمتداخلة قومياً ودينياً. وفي المقابل، أثبتت تجارب عديدة أن الاعتراف بالتعددية والحقوق القومية والثقافية داخل أطر ديمقراطية يمكن أن يساهم أيضاً في تخفيف الصراعات وبناء الثقة بين المكونات.

ككردي، أفهم تماماً أهمية حصول الشعب الكردي على الاعتراف بهويته وحقوقه وكرامته القومية، لكنني أرى أيضاً أن الديمقراطية الحقيقية لا ينبغي أن تكون نقيضاً لتلك الحقوق، بل أحد أهم ضماناتها. وربما يكون التحدي الأكبر أمام شعوب الشرق الأوسط هو كيف نوفق بين حق الشعوب في هوياتها الخاصة، وحق الأفراد في دولة قانون ومواطنة وعدالة تتجاوز الانتماءات الضيقة.

قد نختلف حول الطريق، لكننا نتفق على أن الاستبداد وإنكار الهويات لم ينتجا إلا المزيد من الأزمات، وأن المستقبل يحتاج إلى شجاعة في التفكير خارج النماذج التقليدية التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم.

مع الود والتقدير
جان علو”.

إن تعليق الصديق والأستاذ جان دعاني لكتابة الرد التالي؛ بالتأكيد كل مسار يخدم الآخر، لكن القضية ليست في تخادم المسارين لبعضهما وإنما في حلم تحقيق “الدولة الديمقراطية” في واقع ثقافي اجتماعي متخلف ما زال يعاني من صراع الهويات العرقية والدينية وحتى القبلية، فهنا يكون حلم الدولة الديمقراطية نوع من الطوباوية والمثالية.

كون في هكذا بيئات من الصعوبة، إن لم نقل من الاستحالة، إقامة دول ديمقراطية فيها بمعنى الدولة الديمقراطية، لكن ربما نوع من أشكال النظم ذات الدساتير التي تضمن حقوق كافة المكونات كشركاء في دول اتحادية فيدرالية وتكريس الثقة بينها، والتأكيد على أن لا تهديد لهوية وثقافة أي مكون من تلك المكونات المجتمعية ومن ثم الانتقال لنظم وحتى لمفهوم الدولة المدنية الديمقراطية.

يعني بدون أن ينال الكرد وأي مكون آخر محروم من هويته الوطنية ستبقى هناك إشكالية الهوية لدى هذه المكونات الثقافية.

باختصار؛ يمكن للمسارين أن يمضيا معاً بحيث تصبح لدولنا نظم ودساتير مدنية ديمقراطية تقرّ بحقوق كل المكونات، بما في ذلك حق الانفصال وإقامة كياناتها السياسية، وبالتالي التخلص من عقدة الهويات العرقية والدينية وصولاً لمفهوم المواطنة المدنية الكاملة، أو ما يعرف بالهويات الوطنية، مثال حال السويسريين حيث هويتهم الوطنية السويسرية حلت محل الهويات الثقافية اللغوية والعرقية، فالسويسري الألماني لا يقول عن نفسه ألماني سويسري، كحال الكردي السوري، وإنما يقول عن نفسه سويسري.

بما معناه نقول؛ لو تحققت دولة كردستان وبقي جزء مثل المناطق الكردية في سوريا، وتخلصت الدولة السورية من عقدة الهوية العربية بتسميتها ب”الجمهورية العربية السورية” وجعلتها الجمهورية السورية أو الدولة السورية، فحينها بالتأكيد الكردي السوري هو الآخر مثل الألماني السويسري سيتخلص من عقدة الهوية العرقية ويتخذ الهوية السورية لنفسه كهوية وطنية.

ذاك هو المقصد من كل الموضوع عموماً، وبأننا لا يمكن القفز فوق الهويات العرقية في واقع سياسي يعاني من الصراعات العرقية أساساً، فإذا كانت تركيا والأتراك ما يزالون متمسكين بالهوية الوطنية لتلك الجغرافيا تحت مسمى تركيا، فكيف سيكون حال الكرد كهوية وطنية في تلك الدولة، وهل سيبقى شيء من كرديته وهو يُعرّف على أنه “تركي” الهوية، وكيف ستصبح تركيا دولة ديمقراطية وهي بالأساس تستأثر بهوية مكون عرقي (تركي) كهوية وطنية وتفرضه على الجميع؟!

هنا تكمن إشكالية الهوية حيث الآخر يدفعنا إلى التمسك بهوينا الثقافية، هذه من جهة ومن جهة اخرى؛ حرمان شعبنا من وجود كيان سياسي وجواز سفر في جيبنا يحمل اسم دولة كردستان، كهوية وطنية، يشكل عامل نقص سايكولوجياً نفسياً لدى الكرد عموماً وبالتالي من الصعب تجاوز هذه العقد والإشكالية في الهوية الوطنية من دون تحقيق وانجاز هذه المرحلة التاريخية.

وطبعاً لا نقول أن نعود للحروب والاقتتال ولا حتى التقسيم والانفصال، بل يمكن من خلال عمل نضالي سلمي؛ كأن تعترف تركيا وكذلك إيران وبقية الدول التي تقتسم كردستان؛ بأنها تتشكل من إقليمين أو حتى دولتين هما تركيا وكردستان، كمثال، وبأنهما يشكلان معاً دولة ميزوبوتاميا في ظل نظام فيدرالي أو كونفيدرالي وبذلك يمكن تجاوز هذه العقدة الهوياتية.

وبالمناسبه فإن أوجلان يطرح هكذا حل في أطروحاته الفلسفية والسياسية كحلول ممكنة عن واقع الدول القومية الحالية وفي تلك المجتمعات التي تعاني من أزمة الهوية الوطنية، وللعلم اتفق معه في ذلك تماماً وأقول؛ بأن الدولة القومية ليس حلاً وقد أثبت الواقع والتجارب التاريخية؛ بأن النظم القومية كانت وبالاً على الشعوب والعالم وأن الحلول السياسية الديمقراطية والمدنية هي الأمثل.

ولعلم البعض؛ بأن هذا الطرح هو ليس فقط للسيد أوجلان والمنظومة العمالية الكردستانية، بل كذلك للرئيس مسعود بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وقد أكد الزعيم بارزاني في أكثر من لقاء ذلك ومنها عندما ألتقى قبيل الاستفتاء بعدد من وجهاء الطائفة السريانية الآشورية الكلدانية في هولير حيث أكد؛ بأن دولة كردستان لن تكون قومية، بل ديمقراطية.

بالأخير نعود ونؤكد؛ بأن المسارين متلازمين ويخدمان بعضهما البعض، لكن بنفس الوقت لا يمكن القفز فوق المراحل أو حرقها، وكذلك لا يمكن تحقيق “الدولة الديمقراطية” من دون الاعتراف بدولة كردستان وباقي دول المكونات المحرومة من هوياتها الوطنية.. لك مني ولكل الأخوة المتابعين الكرام كل الود والاحترام والتقدير

​


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top