الدولة الوطنية والقضية الكوردية

تكبير الصورة

فيصل يوسف
المنسق العام لحركة الإصلاح الكوردي – سوريا

تضع التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، بما تشهده من حروب وتغيرات في موازين القوى وسقوط أنظمة وإعادة تشكيل للتحالفات، مفهوم الدولة الوطنية التي تأسست في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على استيعاب التعدد القومي والديني والثقافي. فلم تعد أزمات المنطقة مرتبطة بطبيعة الأنظمة السياسية والتنافس على السلطة فحسب، بل تكشف أيضاً عن خلل في أسس بناء الدولة، وطبيعة العلاقة بين مكوّناتها، ومدى ضمان المواطنة المتساوية والاعتراف بالهويات والحقوق القومية.

وفي هذا السياق، كثيراً ما صُوّرت العلاقة بين الدولة الوطنية والقضية الكوردية باعتبارها علاقة تعارض، وكأن الاعتراف بالحقوق القومية يهدد وحدة الدولة، فيما يتطلب الحفاظ عليها فرض هوية مركزية متجانسة. غير أن تجارب المنطقة أظهرت أن سياسات الإنكار والتذويب لم تحقق الاستقرار، بل راكمت المظالم وأضعفت الانتماء الوطني. فالدولة الوطنية تُبنى بصياغة عقد اجتماعي يعترف بتعددها ويضمن المشاركة المتساوية فيها، وليس بإلغاء الهويات والتهميش.

بعد الحرب العالمية الأولى وتقسيم المنطقة، توزّع الشعب الكوردي بين عدة دول، ولم تنجح معظمها في إقامة علاقة معه على أساس الاعتراف المتبادل والشراكة. واتجهت إلى فرض هوية قومية أحادية، وتعاملت مع الخصوصية الكوردية باعتبارها تهديداً لوحدة الدولة. ونتج عن ذلك اعتماد سياسات تمييزية ممنهجة شملت الإنكار والتهميش والتغيير الديمغرافي والحرمان من الحقوق الثقافية والسياسية والمدنية، بما عكس خللاً في مفهوم الدولة والخلط بين وحدة البلاد وفرض التجانس القومي على مجتمعات متعددة القوميات.

وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في سوريا، حيث شكّلت القضية الكوردية أحد أبرز مظاهر الخلل في العلاقة بين الدولة ومكوّناتها القومية. فقد تعرّض الكورد لسياسات تمييزية تمثلت في الإحصاء الاستثنائي بمحافظة الحسكة عام 1962، وما ترتب عليه من حرمان أعداد كبيرة منهم من الجنسية السورية، ومشروع الحزام العربي وسياسات التعريب، فضلاً عن تقييد وحظر اللغة والثقافة والحياة السياسية الكوردية، وحرمانهم من حقوقهم القومية والمشاركة المتكافئة في شؤون البلاد. ولم تقتصر آثار هذه السياسات على الكورد، بل طالت مفهوم المواطنة والثقة بالدولة «الوطنية»، وكرّست التمييز وأضعفت أسس الانتماء الوطني.

وبعد سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة إعادة تشكيل مؤسساتها وعلاقاتها السياسية، وبرزت مسألة طبيعة الدولة الجديدة، ومدى قدرتها على تجاوز إرث الاستبداد والتمييز. ولا تقتصر القضية الكوردية في هذه المرحلة على معالجة آثار السياسات السابقة أو التوصل إلى ترتيبات إدارية وأمنية مرحلية، كما يتصوره البعض حلاً لها، بل تتصل بطبيعة النظام السياسي والدستوري المقبل. ويشمل ذلك الاعتراف بالوجود القومي الكوردي، وباللغة والثقافة الكورديتين، وبالحقوق السياسية والثقافية، ومعالجة المظالم السابقة والتعويض عن المتضررين، باعتبارها استحقاقات تتصل بالمواطنة المتساوية وبناء الدولة، وليست امتيازات فئوية أو منحة من السلطة.

وتتطلب هذه المعالجة ضمانات دستورية واضحة تجعل الحقوق القومية والثقافية جزءاً ثابتاً من بنية الدولة، وتكفل المشاركة الفعلية في مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والإدارية، إلى جانب إعادة تنظيم العلاقة بين المركز والمناطق بما يحقق التوازن في الصلاحيات والمسؤوليات، ويضمن توزيعاً عادلاً للسلطة والثروة.

وفي هذا السياق، تبرز اللامركزية السياسية والإدارية بوصفها خياراً لتنظيم التعدد وتعزيز المشاركة المحلية والحد من احتكار السلطة. فاللامركزية لا تعني الانتقاص من وحدة البلاد وسيادتها، كما أن الاعتراف بالحقوق الجماعية لا يعني الانفصال. ويمكن الاستفادة من التجارب الدستورية المقارنة، سواء في الدول اللامركزية أو الفيدرالية أو متعددة القوميات، دون استنساخ نموذج جاهز، على أن تتحدد الصيغة السورية من خلال حوار وطني وتوافق دستوري يراعي خصوصية المجتمع السوري وحقوق جميع مكوّناته.

إن تنظيم العلاقة بين الكورد والدولة على أساس الاعتراف الدستوري والمشاركة في إدارة شؤون البلاد من شأنه أن ينقل الانتماء الوطني من دائرة الإكراه وأدوات الضبط الأمني التي اتبعها النظام السابق إلى إطار المواطنة والثقة والشراكة، فضلاً عن الحد من فرص استغلال المظالم والتناقضات الداخلية من قبل الأطراف ذات المصالح في استمرار عدم الاستقرار.

وفي هذا المجال، فقد تمكنت القوى السياسية الكوردية من توحيد رؤيتها بشأن المطالب والآليات الدستورية لتحقيقها، وتجاوز جانب من خلافاتها الحزبية وحساباتها الضيقة، من خلال عقد كونفرانس 26 نيسان 2025، الذي عبّرت فيه عن استعدادها للانخراط في مشروع وطني ديمقراطي يضمن حقوق جميع السوريين عبر الحوار الوطني، وشكّلت وفداً للتحاور بشأن هذه المطالب.

وفي المقابل، تقع على عاتق الحكومة الانتقالية والقوى السياسية السورية مسؤولية إدراج القضية الكوردية ضمن مسار التأسيس السياسي والدستوري، وعدم تأجيلها إلى ما بعد استكمال بناء مؤسسات الدولة. فالتعامل معها باعتبارها ملفاً إدارياً أو أمنياً أو مرحلياً منفصلاً عن طبيعة النظام السياسي لا يعالج جذور الإشكالية. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المرسوم رقم 13 والبناء عليه، بما يتيح الانتقال من الاعتراف إلى ضمان الحقوق القومية والثقافية ضمن إطار دستوري شامل.

إن مستقبل الدولة الوطنية في سوريا يرتبط بطبيعة العقد الاجتماعي الذي سينظم العلاقة بين مكوّناتها، ومدى تجاوز إرث الهوية الأحادية والاندماج القسري وسياسات الصهر التي اتبعها النظام السابق. فالهوية الوطنية المشتركة لا تتناقض مع الخصوصيات القومية والثقافية، بل تقوم على الاعتراف بها وضمان المساواة في الحقوق والمشاركة في إدارة الدولة.

وعليه، فإن القضية الكوردية ليست عائقاً أمام بناء الدولة السورية ووحدتها، بل ترتبط بأسسها الدستورية وطبيعة نظامها السياسي. ويشكل الاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكوردي جزءاً من معالجة إشكالية التعدد القومي في سوريا، والانتقال من وحدة تقوم على فرض هوية مركزية إلى دولة تقوم على المواطنة المتساوية والشراكة بين جميع أبنائها، وبما يعزز الشعور بالانتماء الوطني وتحصين الجبهة الداخلية.

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top